مخاوف الإدارة الأمريكية حول إمكانية بيع روسيا صواريخ إس-300 لإيران.

[escenic_image id="554980"]

لاتزال الولايات المتحدة وطهران في حالة من الشد والجذب مع موسكو بشأن إمكانية بيع نظام الصواريخ الروسية  المتقدم   أرض – جو طراز إس- 300. ومازال المسئولون الروس بصدد تقدير الخسائر والمكاسب التي يمكن أن تعود عليهم من المضي قدما في هذه الصفقة، من حيث انعكاساتها على العلاقات مع إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، كما أنهم يدرسون قيمة تنفيذ هذه الصفقة بالنسبة لصناعة الدفاع الروسية، في الوقت الذي يعرض فيه الصينيون على إيران تزويدها بأحدث نسخة من صواريخ إس-300 صينية الصنع.

وفي السادس والعشرين من ديسمبر عام 2007، أعلن وزير الدفاع الإيراني مصطفى محمد نجار أن موسكو سوف تمد طهران بعدد من أنظمة صواريخ إس-300 في عام 2008. وفي أعقاب ذلك مباشرة، أكدت المصادر العسكرية الروسية النبأ. ومن جانبها، فإن الهيئة الفيدرالية للتعاون الفني –العسكري، وهي الجهة الحكومية الروسية المختصة بالإشراف على مبيعات الأسلحة الخارجية، قد دافعت عن حق موسكو في بيع أي سلاح لإيران، مالم يكن هذا السلاح محظوراً بموجب القانون الدولي أو أية اتفاقيات أخرى، وبعد ذلك قامت صحيفة الأعمال اليومية "كوميرسانت" بنشر مقال إخباري حول خطة روسيا لبيع خمس بطاريات من صواريخ أرض - جو طراز إس300-  مقابل 800 مليون دولار، وبعد ذلك بوقت قصير أنكرت الحكومة الروسية هذه الأنباء بشكل رسمي، فما كان من وزارة الخارجية الإيرانية بعد ذلك إلا أن أصدرت بيانا محرجا بسحب تصريحات نجار.

وقد حدثت واقعة مشابهة في ديسمبر عام 2008، حين أخبرت مصادر إيرانية عن قرب إبرام صفقة صواريخ إس-300، وقد زعم نائب رئيس لجنة السياسة الخارجية والأمن القومي بالبرلمان الإيراني أن كلا من موسكو وطهران قد توصلا أخيرا إلى اتفاق حول هذه المسألة، وعند سؤالهم عن صفقة الصواريخ في اليوم التالي، أجاب مسئولو وزارة الخارجية الروسية ببساطة، وقد بدت عليهم علامات الاندهاش، أنهم مازالوا يبحثون الأمر، وفي مؤتمر صحفي عقب ذلك، نفى نائب وزير الخارجية الروسي سيرجي ريباكوف الخبر برمته مؤكدا أنه شائعة لفقتها وسائل الإعلام الغربية.

إلا أن متحدثاً باسم "روسبورون إكسبورت" وهي الهيئة الرسمية الروسية التي تتمتع باحتكار صادرات الأسلحة الروسية، قد أعلن ببساطة أن كل مبيعات الأسلحة الروسية لإيران تعد قانونية، نظرا لأنها تراعي الالتزام باللوائح الروسية والقانون الدولي، كما شدد على أن روسيا لم تعط لإيران سوى أسلحة دفاعية فقط ليس من شأنها تهديد الدول الأخرى.

وفي 17 فبراير، أكدت صحيفة كومرسانت الروسية من جديد أن روسيا وإيران وقعتا تعاقداً لتسليم خمس بطاريات خاصة بصواريخ إس – 300 لإيران مقابل 800 مليون دولار، لكن الصحيفة أضافت قائلة إن الحكومة الروسية لم تصدق على الصفقة بعد، ووفقاً للصحيفة نفسها، أخبر وزير الدفاع الروسي أناتولي سيريوكوف نظيره الإيراني مصطفى محمد نجار الذي كان يزور موسكو في مسعى للحصول على هذه الأسلحة، أن الحكومة الروسية قررت تأجيل تسليم إيران صواريخ إس – 300 لتجنب عرقلة التحسن المأمول في علاقات موسكو بواشنطن في ظل الرئاسة الأمريكية الجديدة.

وفي غضون ذلك، يأمل المسئولون الإيرانيون بشكل واضح في إبرام الصفقة عن طريق الإعلان بأنها سوف تتم، لكن رد الفعل المرتبك للهيئات المختلفة بالحكومة الروسية بشأن الصفقة المعلن عنها لم يتم تفسيره بشكل كاف، وثمة احتمال بأن يكون بعض المسئولين الروس قد استخدموا بعض التسريبات الإعلامية لقياس رد الفعل الدولي إزاء هذه الصفقة. فإذا ثُبت أن الاستجابة الدولية أقل عدائية، مضت روسيا قدماً في هذه الصفقة. وإذا كانت هذه الاستجابة سلبية، تراجعت موسكو مما يؤدي إلى الزج  بطهران في موقف شديد الحرج.

وهناك احتمال آخر بأن المسئولين الروس قاموا بتشجيع الإيرانيين على وصف الصفقة بأنها باتت وشيكة، لتذكير الشعوب الخارجية بأن روسيا لديها القوة التي تمكنها من التأثير على المصالح الأمنية الحيوية لهذه الشعوب من خلال صفقة كهذه. وبهذه الطريقة، ربما كانت تأمل موسكو في إرسال رسالة لواشنطن بالتكاليف التي ستتكبدها الأخيرة إذا قامت بمواجهة موسكو فيما يتعلق بجورجيا والدفاع الصاروخي وغير ذلك من القضايا الهامة.

وتشير هذه الأحداث أيضاً إلى أن مجلس الأمن الوطني الروسي منقسم على نفسه فيما يتعلق بالحكمة من تزويد إيران بالصواريخ الدفاعية إس - 300. ويبدو أن أعضاء منشأة الدفاع الروسية وكذلك الإستراتيجيين الذين يحبذون انتهاج سياسة "أوراسية" – تجمع روسيا مع إيران والصين والهند في مواجهة الغرب – يتطلعون بشدة إلى إتمام الصفقة.

ويحتمل أن تحقق الصفقة للمجمع الصناعي العسكري لروسيا مليار دولار إذا أخذنا في الاعتبار الاتفاقيات المحتملة لصيانة ما بعد البيع. كما أنها ستزيد أيضاً من احتمالات إبرام صفقات مستقبلية للأسلحة الروسية مع إيران إضافة إلى مطالب طهران الخاصة بشراء مفاعلات نووية روسية. فتزويد إيران بصواريخ إس300- يمكن أن يجعلها أكثر ارتياحاً وحرصاً على الاستمرار في سياساتها المناهضة للغرب التي يرى الأوراسيون الروس أنها تقوي شوكة موسكو في مساومتها مع واشنطن.وعلى النقيض من ذلك، يتطلع الروس إلى تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل وغيرها من الدول الغربية التي اعترضت على صفقة صواريخ إس 300-.

ويأمل بعض هؤلاء المعارضين في إقناع إدارة أوباما بعدم تنفيذ خطط إدارة بوش الرامية إلى نشر دفاعات صاروخية في بولندا وجمهورية التشيك. أما الذين تشغلهم قدرة روسيا على اجتياز الأزمة المالية العالمية فيريدون تجنب الإجراءات التي من شأنها تعويق التعاون الاقتصادي الغربي الروسي.

لقد ناقش الرئيس أوباما مسألة صواريخ إس 300- مع الرئيس الروسي مدفيديف خلال اجتماعهما الشهر الماضي في لندن. وإلى الآن، لم تكمل الحكومة الروسية الصفقة كما لم تنف نيتها في القيام بذلك. ومن المحتمل أن يناقش الرئيسان هذه المسألة على نطاق أوسع عندما يلتقيان في موسكو في يوليو القادم. 

وتشير الصحافة الإيرانية حالياً إلى أن القادة الإيرانيين المنزعجين بسبب مماطلة موسكو في هذه الصفقة على استعداد لشراء نظام دفاعي جوي من الصين التي استفادت بقوة من تكنولوجيا تصنيع صورايخ إس 300– حيث كانت قد قامت بشرائها من روسيا في فترة التسعينيات. والسؤال الآن: إلى متى ستستمر القيادة الروسية في الإحجام عن بيع الصواريخ الدفاعية إس 300 – لطهران مع العلم بأنها تخاطر الآن باحتمال فقدان السوق الإيراني لصالح الصين.

د.ريتشارد ويتز - مدير مركز التحليل العسكري السياسي في معهد هدسن - واشنطن.


اشترك في النقاش