ردة الفعل الدولية إزاء القرصنة في خليج عدن

[escenic_image id="555633"]

لقد أحدث الخطر المتزايد الذي يمثله القراصنة على عبور السفن في خليج عدن من مواقعهم المحظورة قانوناً بسواحل الصومال إستجابة دولية غير مسبوقة، فعلى مدار العام الماضي قام عدد من الدول والمؤسسات متعددة الجنسيات بنشر قوات بحرية لها بالمنطقة لمواجهة خطر القرصنة.

وبالرغم من تعاظم هذه الجهود المبذولة بشكل غير مسبوق إلا أن عدم التنسيق بين هذا المزيج من المبادرات المحلية ومتعددة الجنسيات والتي تتضمن نحو 50 سفينة مقاتلة والآلاف من العسكريين الأجانب جعل تأثيرها محدوداً، فعادة ما يكون لهذه القوات مهام وقواعد اشتباك متعارضة. كما أصبح كل إهتمام تلك المبادرات هي الإستجابة للمشكلات الآنية بدلاً من تنظيم هيكل بحري إقليمي يتسم بالقوة ويمكن أن يحل محل الأساطيل الأجنبية عندما تنسحب الأخيرة بطبيعة الحال. 

 وتقوم الأمم المتحدة والإتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي وعدد كبير من الحكومات الوطنية بإجراء عدة عمليات أمنية بحرية منفصلة -سواء كانت أحادية أو متعددة الأطراف- في منطقة خليج عدن. وقد تبنى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة العديد من القرارات التي تطالب الحكومات والأعضاء ومنظمات الأمن الإقليمية بإتخاذ التدابير اللازمة لمواجهة القرصنة الإقليمية. وفي ديسمبر 2008، قام الإتحاد الأوروبي بتنظيم "عملية أتلانتا" في المقام الأول من أجل الدفاع عن الشحنات الغذائية للصوماليين وضمان وصولها إليهم وكان حلف شمال الأطلسي قد قام قبل ذلك بمهمة لها نفس الهدف، كما أرسل مؤخراً أسطولاً آخر يكرر عملية أتلانتا.

وبموازاه هذه المهام التي تقوم بها منظمات دولية، قامت العديد من الحكومات الوطنية بإطلاق مبادراتها الخاصة وتقوم هذه السفن الحربية بمراقبة المياه الصومالية إما بتنسيق غير فعال مع الأساطيل متعددة الجنسيات التي يتم تنظيمها من قبل حلف شمال الأطلسي والإتحاد الأوروبي أو بصورة مستقلة، وتشمل الدول المشاركة الصين والدانمرك وفرنسا وألمانيا وبريطانيا العظمى واليونان والهند وماليزيا وباكستان وروسيا وتركيا والمملكة العربية السعودية. وقد أعلنت حكومات إيران واليابان وكوريا الجنوبية مؤخراً عن نواياها في إرسال سفن حربية لمواجهة القراصنة.

وفي يناير 2009، قامت أربع وعشرون دولة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة وخمس منظمات متعددة الجنسيات بتنظيم مجموعة إتصال بشأن خطر القرصنة في سواحل الصومال. وفي الوقت الحالي، تضم هذه المجموعة 28 دولة وست منظمات دولية: الإتحاد الإفريقي والجامعة العربية والإتحاد الأوروبي والمنظمة البحرية الدولية وحلف شمال الأطلسي والأمانة العامة للأمم المتحدة. ويعكس إتساع نطاق هذه المشاركة أهمية الحفاظ على سلامة الشحن التجاري في هذا الجزء الحيوي من المياه الذي يقع عبر الطرق التي يتم إستخدامها من قبل ناقلات النفط التي تنطلق من الخليج العربي وسفن الحاويات التي تنتقل بين أوروبا وآسيا عبر قناة السويس.

وتأتي هذه المشاركات المتنوعة من جراء مهاجمة القراصنة للسفن بغض النظر عن جنسيتها بما يشمل تلك القادمة من بلاد إسلامية مثل السعودية وإيران. فالقراصنة هم قطاع طرق لا يميزون بين هذا وذاك في تعاملاتهم. ففي 15 نوفمبر 2008، قاموا بالسطو على ناقلة النفط السعودية العملاقة "سيريوس ستار" بينما كانت تنقل ما قيمته 100 مليون دولار من النفط إلى الولايات المتحدة وفي أعقاب هذا الحادث عُقدت جلسة استثنائية لمجلس جامعة الدول العربية لإدانة القراصنة والتأكيد على ضرورة تعزيز التعاون العربي الإفريقي في دعم الجهود الرامية لمواجهة القرصنة".

وبالرغم من مشاركتها على نطاق واسع، فقد طلبت مجموعة الإتصال بشكل أساسي من أعضائها أن يقوموا من جديد بإجراء حوار فيما بينهم بشأن قضايا القرصنة الإقليمية ومع ذلك لم تحرز المجموعة بعد تقدماً ملموساً في بلوغ أهدافها الست وهي تقوية الدعم العملياتي والمعلوماتي الخاص بعمليات مواجهة القرصنة وإبتكار آلية تنسيق خاصة لمواجهة القرصنة وتحسين الإجراءات القضائية وتعزيز قدرات الدفاع الذاتي لدى القائمين بالشحن التجاري وتعزيز المعرفة العامة والجهود الدبلوماسية وتعقب أموال القراصنة.

وفي غضون ذلك، كان قد تخطى بالفعل عدد محاولات القرصنة خلال الخمسة أشهر الأولى من عام 2009 عدد الهجمات التي حدثت خلال عام 2008 بأكمله. وفي العام الماضي كان خليج عدن مسرحاً لمائة وأحد عشر حادثاً يشمل 42 سفينة تم إختطافها. ففي هذا العام الحالي، وقعت بالفعل إلى الآن 114 محاولة قام بها القراصنة لمهاجمة السفن.    

 إن هناك حاجة لإعادة تنظيم هذا المزيج الحالي المشوش من المبادرات الأحادية ومتعددة الأطراف التي تعاني تداخلاً فيما بينها كما أنها في حاجة لأن تكون أكثر تكاملاً وإنسجاماً في آلياتها، فينبغي أن ينصب التركيز على تعزيز التكامل بين الأساطيل الصغيرة المتنوعة التي تقوم بإجراء عمليات مضادة للقرصنة في خليج عدن وهناك حاجة إلى التقسيم المناسب للعمل من أجل الإستفادة من الخبرات الفريدة لكل دولة وكل منظمة دولية عاملة في المنطقة.

وعلى مدى زمني أطول، سوف يتطلب حل مشكلة القرصنة الصومالية بشكل دائم مجيء حكومة صومالية مستقرة قادرة على فرض قوانين البلاد لمواجهة القرصنة إضافة إلى إنعاش الإقتصاد. وهناك حاجة إلى خلق فرص عمل جديدة للتقليل من رغبة الصوماليين الفقراء في الإتجاه إلى أنشطة القرصنة. وبناءاً على الدعم اللوجيستي والمالي من قبل المجتمع الدولي قد تتمكن السلطات الصومالية في مرحلة ما من تشكيل قوة ساحلية فعّالة لمراقبة المياه الإقليمية للبلاد.

وقبل مجيء حكومة صومالية تتمتع بالقوة والفعالية ينبغي على المجتمع الدولي أن يساعد الجماعات الصومالية الصديقة على بناء القدرات التي يحتاجون إليها للحد من أنشطة القراصنة والمتمردين وغيرهم من جماعات التهديد النشطة في الصومال. كما أن الدول الأجنبية التي تقلقها القرصنة في سواحل الصومال ينبغي أن تشجع الدول الساحلية غرب المحيط الهندي وخليج عدن ومناطق البحر الأحمر_التي تضم جيبوتي ومصر وإريتريا وكينيا والمملكة العربية السعودية وتنزانيا إضافة إلى الصومال_ على تشكيل خفر سواحل لمراقبة المياه الإقليمية.

وينبغي على الدول الخارجية أن تدعم بلدان هذه المنطقة بالتمويل والتدريب والمراقبة المتطورة وغير ذلك من التكنولوجيات التي من شأنها أن تعزز قدراتها على تحقيق الأمن البحري. كما يتعين عليها أيضاً تطوير المزيد من السلطات القانونية من أجل إحتجاز ومقاضاة القراصنة وغيرهم من المخالفين بطريقة فعالة. ففي الوقت الحالي غالباً ما تطلق الأساطيل الأجنبية سراح القراصنة عقب أسرهم مباشرة بسبب عدم التأكد من وضعهم القانوني.

وبالإضافة إلى مكافحة القرصنة، يمكن أن تعالج القوة الإقليمية للأمن البحري مشكلات ملاحية تتعلق بالدول القريبة من الصومال بما يشمل منع الصيد غير القانوني للأسماك ورصد المخاطر البيئية. ولقد اكتسب القراصنة بعض الدعم المحلي من خلال إدعائهم أنهم يدافعون عن الصوماليين من أن تنتهك أراضيهم وأنهم يمنعون السفن من إلقاء النفايات الملوثة في مياههم، وقد تم دحض هذا الإدعاء من خلال تشكيل قوات خفر سواحل إقليمية تشارك فيها قوات صومالية. كما أن هذا يوفر مصدراً بديلاً للعمالة لقراصنة البحر المحتملين.

ريتشارد ويتز - مدير مركز التحليل السياسي والعسكري بمعهد هدسن – واشنطن


اشترك في النقاش