مكافحة الانتشار النووي: مخاوف داخلية من انعكاسات خارجية

[escenic_image id="555738"]

لقد حولت الهجمات الإرهابية التي وقعت في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، بؤرة الاهتمامات الأمنية الغربية نحو التركيز على التهديد المتضافر المتمثل في الإرهاب وانتشار التكنولوجيا النووية وأسلحة الدمار الشامل، وما لم يلاحظه الكثيرون أن الجهود الأمنية الصينية قد باتت تركز بشكل مطرد على هذه القضايا أيضا، وتوضح الورقة البيضاء للدفاع التي أصدرتها بكين عام 2008 أن الصين تشعر بالتهديد  من جانب مخاطر أمنية غير تقليدية وليس من جانب مخاطر تقليدية، بحيث تمثل الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل اثنين من أهم شواغلها.وهذا التغير في سياسة بكين يحمل مضامين واضحة بالنسبة للشرق الأوسط، لأنه لا يوجد بلد في المنطقة اليوم يمكنه أن يعتمد على التأييد الصيني غير المقيد لأنشطته النووية وتلك المتصلة بأسلحة الدمار الشامل.

وتنبع مخاوف القادة الصينيين فيما يتعلق بالانتشار غير المكبوح للتكنولوجيا النووية وأسلحة الدمار الشامل من عاملين أساسيين لا ينتظر أن يتلاشى أحدهما في المستقبل المنظور. يتمثل أولهما في أن الصين تعاني من مشكلة داخلية خاصة بها تتعلق بالإرهاب في إقليم زينجيانج الغربي، الذي يمثل سدس المساحة الإجمالية للدولة.ونظرا لأن هذا الإقليم يقع على الحدود مع ثمان دول أخرى من بينها أفغانستان، فإن التركيبة العرقية لهذا الإقليم تختلف كثيرا عن باقي الصين، حيث إن ما يقرب من نصف السكان هم من الأويغور ذوي الأصول التركية. وقد تمتع الإقليم بفترة استقلال قصيرة في الأربعينات من القرن المنصرم. ومنذ ذلك الحين، فإن جماعات عديدة، إسلامية في الغالب، قد أصبحت ضالعة في أنشطة إرهابية من أجل استعادة الاستقلال.

وبالإضافة لذلك، فإن جنوب وجنوب شرق أسيا قد أصبحتا بشكل مطرد ميدانين للصراع بين المسلمين المعتدلين والجهاديين الإسلاميين الراديكاليين.وبالإضافة إلى ذلك، يعتقد المحللون الاستخباراتيون على نطاق واسع أن أفغانستان قد أصبحت حاليا ملاذا آمنا للإرهابيين، وهذا يمثل مشكلة من عدم الاستقرار الإقليمي بالنسبة للصين، التي تتمتع بعلاقات اقتصادية ودبلوماسية مع دول المنطقة تتميز بأنها في تحسن مطرد. ومما يقلق بكين بدرجة أكبر أنه قد أصبح معروفا أن إرهابيي الأويغور قد تم تدريبهم على يد القاعدة وطالبان. ولو تمكنت أي من هذه الجماعات من الحصول على مواد نووية أو أسلحة دمار شامل، فإن ثمة تهديدا حقيقيا يتمثل في إمكانية أن تشق هذه الجماعات  طريقها إلى زينجيانج.

لقد شهدت السنوات الماضية تراجعاً في الاحترام المعتاد من جانب الصين لسيادة الدول على الأقل في حالات بعينها. فمشاركة الصين بقوات لحفظ السلام في السودان وإرسالها سفنا حربية لمواجهة القراصنة على سواحل الصومال تعد بمثابة أمثلة واضحة مؤخرا تدل على هذا المنحى. والمثال الأخير له دلالته الخاصة لسببين. فأولاً، هناك اشتباه في أن يكون القرن الإفريقي مرتعاً للإرهابيين حيث تعتبره الولايات المتحدة متاخماً للشرق الأوسط. وثانياً، لا تزال الصين إلى الآن تحجم عن لعب دور فاعل في جهود مواجهة القرصنة الأقرب إليها في مناطق مثل قطاع مالاكا ودلتا ميكونج. فهذا يشير بوضوح إلى أن بكين لا تسعى فحسب إلى مواجهة خطر القرصنة في الصومال. فلو أخذنا في الاعتبار وجود جماعات إسلامية متمردة في القرن الإفريقي وارتباطها بتنظيم القاعدة وتلقيها الدعم من بعض دول الشرق الأوسط كما هو مزعوم، لن يكون مستغرباً أن تسعى الحكومة الصينية لتقطيع أي روابط أو صلات محتملة بين هذه الجماعات وحركة الاستقلال في إقليم زينجيانج. إنها على استعداد للمشاركة بقوات عسكرية في سبيل تحقيق ذلك.

والموقف في القرن الإفريقي الذي يضم العديد من الدول الفاشلة وكذلك في الشرق الأوسط مختلف بشكل ملحوظ. وعلاوة على ذلك، لا تزال الحاجات الاقتصادية للصين ومتطلباتها من الطاقة تهيمن على سياسة بكين حيال الشرق الأوسط. لكن الوجود العسكري الصيني في مياه الصومال يبرز نوعاً جديداً من الحسم فيما يتصل بالدفاع عن مصالحها الوطنية؛ وقد تم تفسير هذا الحسم في منطقة الشرق الأوسط على أن الصين ترغب في الاضطلاع بدور أكبر في مكافحة انتشار الأسلحة النووية وزيادة جهودها لمواجهة الإرهاب.

وتؤكد مشاركة الصين في المحادثات المتعلقة بالتعامل مع الملف النووي الإيراني على هذا التوجه الجديد لدى بكين. فمن جهة، تعبر هذه المحادثات عن احترام الصين للسيادة الإيرانية والاعتراف بشرعية حكومتها. ومن جهة أخرى، تتيح مشاركة الصين في المحادثات تواصل بكين بشكل مباشر مع القادة الإيرانيين. ففي عام 2006، حذر لي زهاوكسينج رئيس الخارجية الصيني آنذاك المسئولين الإيرانيين من تطوير تكنولوجيا نووية. وبالإضافة إلى ذلك، وافقت الصين على العقوبات المفروضة على طهران من قبل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وكان الهدف من هذه العقوبات هو إلزام طهران بتطوير برنامجها النووي للاستخدام السلمي تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وباختصار نقول إنه بالرغم من دعم الصين للحق السيادي لدى إيران في امتلاك برنامج نووي سلمي، تشير إجراءات بكين إلى أنها على استعداد لممارسة ضغوطها من أجل منع أي مخاطر قد تهدد مصالحها الوطنية.

بالمثل فإن بكين تتعاون عن كثب مع كابول من أجل تعزيز أمن أفغانستان. فقد استمرت الصين في تقديم المساعدات العسكرية والاقتصادية لأفغانستان منذ 2002، وقد اتفقت هاتان الدولتان في عام 2006 على مكافحة الإرهاب والجرائم التي تقع عبر الحدود.

وبالإضافة إلى ذلك، فإنه بداية من تلك السنة بدأ تدريب العسكريين والمدنيين الأفغان من قبل مسئولين صينيين في إطار برنامج تطوير القدرات. كذلك فقد استضافت مؤخراً منظمة شنغهاي للتعاون التي تم تأسيسها بمبادرة أمنية مشتركة بين الصين وروسيا مؤتمراً خاصاً عن أفغانستان. وتحترم الصين حكومة حامد كرزاي وتدعمها لكن دعوة بكين لإرسال قوات من جانبها للانضمام إلى قوات المساعدة الأمنية الدولية في أفغانستان ازدادت في أواخر 2008. وقد رفضت الصين بشدة أية خطط لإرسال قوات إلى أفغانستان ضمن قوات المساعدة الأمنية الدولية التي يقودها حلف الناتو.

إلا أنها أكدت في الوقت ذاته أن بكين أرسلت جنوداً للمشاركة في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة. وهذا يفتح الباب أمام إرسال الصين قوات إلى أفغانستان في حال أن أصبح عمل تلك القوات تحت مظلة الأمم المتحدة وليس بقيادة حلف الناتو. وهكذا فإن الاحترام الكامل من قبل الصين لسيادة أفغانستان يمكن أن يذهب أدراج الرياح إذا أصبحت قيادة هذه القوات تحت إمرة الأمم المتحدة.

ومن أكثر الأمور التي تشغل الحكومة الصينية حصول الجماعات الإرهابية الوطنية على وسائل نووية وأسلحة دمار شامل. وللتقليل من مخاطر حدوث ذلك، تتعزز رغبة الصين في تحقيق الاستقرار في الدول والمناطق التي يكون فيها خطر تخصيب الأسلحة النووية أشد وطأة. وبالتزامن مع ذلك، أبدت بكين إمكانية تنحيها عن دعمها التقليدي لسيادة الدول وكذلك عبرت عن استعدادها لانتهاج دبلوماسية أكثر حسماً. وربما يتعين على دول الشرق الأوسط أن تهيئ نفسها لمزيد من الحسم من قبل حكومة بكين التي لن تصبح سياستها حيال المنطقة مرهونة بالمصالح الاقتصادية والطاقة فحسب ولكن أيضاً بهموم الأمن القومي الصيني.

ومع ذلك، لا يزال من غير المعلوم ما إذا كانت هذه السياسة الجديدة ستؤدي إلى تعزيز الاستقرار أو تزيد المنطقة اضطراباً، لكن الشيء المؤكد أنها تنذر بدخول صعود نجم قوة جديدة إلى الساحة السياسية في الشرق الأوسط.      

رامون باتشيكو باردو - خبير في سياسات شرق آسيا وقضايا حظر انتشار الأسلحة النووية


اشترك في النقاش