كيف يمكن للقوى الناشئة أن تعيد تشكيل المنافسة العالمية للقرن الحادي والعشرين؟

[escenic_image id="555790"]

إن العالم الذي عهدناه أوشك على الزوال ليحل محله عالم جديد. فقد تغيرت قواعد اللعبة كما تغير اللاعبون؛ تلك هي رؤية "باراج خانا" التي يؤيدها بها بكل ثقة في كتابه "العالم الثاني: كيف يمكن للقوى الناشئة أن تعيد تشكيل المنافسة العالمية في القرن الحادي والعشرين؟" فلم يعد من الصعب الإجابة عن السؤال عما إذا كنا نخوض مرحلة انتقالية من عالم أحادي القطب إلى عالم تتعدد فيه الأقطاب. خانا يجيب عن هذا السؤال بفصاحة في كتابه الذي يصطحب فيه القارئ في رحلة استكشافية لعالمنا اليوم.

يتألف الكتاب من خمسة أجزاء يصنف فيها المؤلف المناطق المختلفة من العالم ويبحث خلالها إمكانيات وقدرات العديد من الدول مطلعاً القارئ على يحتاج إلى معرفته. فمن التاريخ إلى الاقتصاد مروراً بالسياسة والنواحي الاجتماعية، يزود الكتاب القراء بمعلومات عن دول العالم التي ربما لم يزرها الكثيرون منهم. فخلال الرحلة التي يرافقنا فيها خانا، نمر بأوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط.

والكتاب ليس من الكتب السياسية التقليدية التي قد يستشعر فيها القارئ شيئاً من التعقيد أو الاستغراق في الجانب النظري والبعد عن الواقع. فهو على النقيض من ذلك، يجمع بين عناصر التشويق والبساطة والبراعة في التعبير مع عدد وافر من الأمثلة المستقاة من عالمنا الواقعي التي تعزز جميع افتراضات خانا. ويتحدث المؤلف بثقة عن الإمبراطوريات والإمبريالية في القرن الحادي والعشرين مستخدماً العديد من المراجع مثل "التوسع الاستعماري" و"دور الإمبراطوريات في تشكيل التاريخ". وعلاوة على ذلك، يناقش المؤلف أهمية الجغرافيا السياسية خصوصاً في مواجهة العولمة.

كما يشير خانا إلى القوى الثلاثة العظمى وهي الولايات المتحدة الأمريكية والصين والاتحاد الأوروبي باعتبارها الإمبراطوريات التنافسية الكبرى في العالم الثاني، ويزعم أن الولايات المتحدة لم تعد مهيمنة على العالم بأكمله؛ فهناك إمبراطوريتان أخريان تتنافسان على سحب البساط من تحت الولايات المتحدة في حين لم تعد أمريكا محكمة قبضتها على العالم لأسباب عديدة.

وكل من هذه القوى الثلاثة له أسلوبه المميز وأهدافه المحددة. ويحذر خانا من الصراع العالمي الذي قد ينشأ حيث تتنافس تلك القوى من أجل السيطرة على الطاقة والموارد الطبيعية في مناطق مثل أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط التي يطلق عليها خانا دول العالم الثاني.

وهذه الدول "غالباً ما تجمع بين سمات العالم الأول والعالم الثالث في آن واحد"، دون وجود طبقة وسطى بها ولكنها تتمتع في كثير من الأحيان بالثراء والموارد. ومن أمثلة تلك الدول المملكة العربية السعودية وليبيا وإيران وكازاخستان وماليزيا. وهذه الدول تتعاون في معظم الأحيان مع الولايات المتحدة التي توفر لها الحماية العسكرية وأوروبا التي تساعدها في إجراء إصلاحات كبيرة بها وإقامة شراكة اقتصادية معها والصين التي تقدم لها كافة الخدمات من خلال علاقات غير مشروطة. وكل من هذه الجهات له جاذبيته. فدول العالم الثاني مثل تركيا تجد أنه من المناسب جداً إقامة علاقات مع هذه الجهات الثلاثة والحفاظ عليها. فأنقرة مثلاً تسعى لإقامة روابط مع روسيا والصين في حين تتطلع للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي والدخول في التحالفات التي تقودها الولايات المتحدة.

ربما جال بخاطرنا في وقت من الأوقات أن هيمنة الولايات المتحدة على العالم لا يزال أمامها الوقت الكثير حتى تنكمش أو تتهاوى، وظننا أن النظريات التي ترتبط بتوازن القوى والعالم متعدد الأقطاب ليس لها مكان سوى في التأملات التاريخية. لكن يبدو أن أهمية هذه النظريات قد ازدادت جداً في عالم اليوم. يقول خانا: "ينبغي أن يُنظر للعالم الثالث على أنه في حاجة إلى ثلاث قوى عظمى كي يتحقق الاستقرار فيه؛ فقوتان فقط لا تكفيان"، ويشير إلى أن هناك مسارات وطرق مختلفة يمكن أن تتعاون من خلالها الإمبراطوريات الثلاثة كي تمنع التاريخ من أن يعيد نفسه وتتجنب نشوب حرب عالمية ثالثة.

ويصف د. زبيجنيو برزيزينسكي المستشار الأسبق للأمن القومي هذا الكتاب أنه: "بمثابة رؤية شاملة تتناول بجرأة أزمات العالم التي ستواجه رئيسنا الجديد". ويقول مارك ليونارد المدير التنفيذي للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية "يأخذنا هذا الكتاب المذهل لباراج خانا في رحلة رائعة حول العالم متعدد الأقطاب حيث يجمع المؤلف بين التحليل التاريخي والنظرية السياسية والتقارير الموثقة بالأدلة ليسلط الضوء على المعركة التي تنشب بين الإمبراطوريات الجديدة في العالم".

وفي هذا الكتاب الرائع، يستكشف المؤلف ببراعة كيف أنه خلال الأعوام المقبلة سوف يتم تشكيل العالم وفقاً لطبيعة العلاقات بين القوى الثلاثة وكذلك نوعية العلاقات التي ستربطها بدول العالم الثاني وكيفية تفاعل الأخيرة مع بعضها البعض.

يشغل باراج خانا منصب مدير مبادرة الحكومة العالمية وهو زميل في برنامج الإستراتيجية الأمريكية بمؤسسة أمريكا الجديدة. وقد تُرجم كتابه لأكثر من اثنتي عشرة لغة.


اشترك في النقاش