خارطة طريق حول مستقبل السياسة اللبنانية - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

شؤون سياسية

خارطة طريق حول مستقبل السياسة اللبنانية

[escenic_image id=”555619″]

لم يكن الطريق إلى رئاسة الحكومة أمام الحريري الثاني مفروشاً بالورود، رغم نشأته المترفة. فقبل وفاة والده، ظل الحريري يحاول أن يتبوأ مكانة سامقة في عالم التجارة وليس في عالم السياسة. ولكن أتت الرياح بما لا تشتهي السفن حيث ساقته الظروف إلى رئاسة حركة المستقبل، تلك الحركة التي تسيطر عليها أغلبية سنية وكان والده قد أسسها قبل رحيله.

ومنذ إنتخابات عام 2005، أصبح سعد الحريري قائداً مؤثراً على نحو غير مسبوق أدى دوره إلى ظهور اتجاه سياسي متماسك في لبنان. وعقب الإنتخابات الأخيرة التي عين على أثرها رئيساً للوزراء، سنحت له فرصة فريدة لتثبيت نفوذه. إلا أن هذه المهمة قد تكون أكثر صعوبة مما هو متوقع.

ويوحي الإعلان عن الإنتخاب الهادئ للحريري بأن لبنان قد تكون في طريقها إلى دخول فترة من الهدوء والإستقرار السياسي. إلا أن الحريري يواجه حالياً تحديات يومية سيكون في نهاية الأمر قادراً على التصدي لها بحسب قدرته على إدارة الفصائل المتنازعة سواء داخل لبنان أو على مستوى الإقليم ككل. وسيتوقف الأمر برمته على مدى قدرته على تدشين حكومة تمثيلية في الوقت المناسب، حيث إن قراراً واحداً مهما كان قليل الأهمية، قد يؤجج نيران الفتنة. هذا وإن كان لا يعني عدم قدرته على تولي مقاليد الأمور بكفاءة، إلا أنه يحمل في طياته أنه سيكون مضطراً إلى إجراء تسويات هامة. ومن بين تلك القرارات المعقدة قرار إنشاء حكومة الوحدة الوطنية التي وعد بها وإحداث التوازن بين الفصائل السياسية المختلفة داخل الدولة وداخل الإقليم على نطاق أوسع.

ونظراً للعلاقة الجديدة التي نشأت بين الحريري والتيارات السياسية المسيحية، والتي تمخضت عنها الإنتخابات الأخيرة، فسوف يتعين عليه إرضاء عدد من الجماعات المعارضة. وفي نفس الوقت، سوف يتوخى الحذر لكي لا يجني معاداة عدد كبير من المسيحيين، في نفس الوقت الذي يطور فيه علاقة متوازنة مع رئيس الدولة، ميشال سليمان، الذي أصبح غير قادر على تأسيس تيار سياسي خاص به.

وربما يكون الأهم من هذا كله أن الحريري سيضطر إلى الدخول في صراع مع التيارين السياسيين الصاعدين اللذين ظهرا في صفوف جناح الموالاة كنتيجة للإنتخابات الأخيرة. وهذان التياران هما حزب القوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع وحزب الكتائب التاريخي تحت زعامة أمين الجميل.

وفيما يتعلق بالحزب الأول، فقد إزدادت الكتلة البرلمانية لحزب القوات اللبنانية من أربعة نواب إلى ثمانية نواب كنتيجة للإنتخابات. وقد أثبت الحزب ماله من جاذبية وقدرة على التخطيط الإستراتيجي من خلال مشاركته الإنتخابية الناجحة في أكثر من دائرة إنتخابية. ورغم إقراره بالقوة الواعدة التي تتمتع بها هذه الكتلة، فإنه يتعين على الحريري أن يأخذ في إعتباره أيضاً أن الدخول في تحالف مع القوات اللبنانية يمكن أن يصبح عبئاً أكثر من أن يكون عامل دفع بالنسبة لتيار سياسي واسع الإنتشار إذ قد يؤدي مثل هذا التحالف إلى التشكيك في النهج الوسطي لحكومته. إن لبنان، التي وصفها كمال صليبي بـ “بيت المنازل المتعددة” يمكن أن تستوعب إتجاهاً يسارياً متطرفاً وكذلك إتجاهاً يمينياً متطرفاً ولكن في شكل حركات منفصلة وليس في شكل تيارات وسطية، بصرف النظر عن مدى استعداد جميع هذه الحركات لأن تنسى الماضي وتبدأ صفحة جديدة.

وعلى الجانب الآخر، فقد نجح التيار السياسي الثاني، والذي يمثله حزب الكتائب، في تشكيل كتلة برلمانية سليمة. وينشر هذا الحزب منهجاً وسطياً يدعو إلى بناء دولة قادرة. ونجح الحزب أيضاً في فرض نفسه كتيار سياسي مسيحي مدني والذي تخلى عن ماضيه العسكري وشارك في عملية بناء المؤسسات العامة وتنشيطها. ونجد أوضح مثال على ذلك في أداء الراحل بيير الجميل، والذي كان وزيراً للصناعة.

وفيما وراء هذين التيارين، لن يكون بناء تحالفات مع الكتائب والقوات أمراً صعباً، وإن كان سيصبح أمراً ضرورياً. ويرجع السبب في ذلك بوجه خاص إلى أن وليد جنبلاط قد تحول إلى ورقة مساومة لممارسة الضغط، وتحسين شروط التفاوض.

وسوف يقلل وليد جنبلاط من الشكوك عندما يجلس إلى طاولة المفاوضات. ومع تواجد حلفاء من هذا النوع، يستطيع الحريري أن يشق طريقه من خلال استخدام منهج جديد يكون أكثر حساسية لقضايا لبنان لكي يواجه الخطاب الجارف لأحزاب المعارضة. وتتمسك هذه الأحزاب دائماً بورقة الجيش حتى لو كلف هذا الأمر البلاد حرباً أهلية. وسوف يقلل التحالف الجديد من خطاب عون والذي يقوى قبضته على التمثيل السياسي المسيحي.

وحسب الأسلوب اللبناني التقليدي، لم تسفر الإنتخابات الأخيرة عن خاسر واضح أو فائز واضح. وعلى هذا النحو، ينبغي على الحريري، الذي يمثل الزعامة السنية، أن يكون على إستعداد للمواجهة مع تيار معارض يمثله ميشيل عون وسليمان فرنجية غير أن التحدي الذي يواجه الحريري يكمن في أن هاتين الفئتين تقاتلان تحت المظلة الشيعية لحزب الله وحركة أمل  وتتهمان المسيحيين بالتعامل مع الأغلبية السنية.

وبغض النظر عن ذلك، سيكون الإنقسام بين السنة والشيعة هو أهم معضلة في المواجهة مع الحريري. حيث أسفرت الإنتخابات الأخيرة عن إندلاع حرب مذهبيه باردة بين الجانبين نتيجة لتعبئة لم يسبق لها مثيل للأصوات الإنتخابية. فوفقاً لأحزاب المعارضة، أنفقت المملكة العربية السعودية على الإنتخابات بقدر ما فعلت إيران، مما يجعل صناعة السلطة وإدارتها محكومة بتوازنات يمكن أن ترجح كفتها قوى خارجية. ومع ذلك، فإن هذه القوة الخارجية ليست متاحة في الوقت الراهن وسيكون جل الإعتماد بدلاً من ذلك على إعادة صياغة العلاقة بين إيران والغرب. وفي كل الأحوال، فقد يؤثر العنصر اللبناني على معادلة الصراع في الشرق الأوسط.  كما سيظل توطين الفلسطينيين مسألة على قدر كبير من الأهمية بالنسبة لإدارة الحريري، فهي قد تؤدي إلى إعادة تشكيل التحالفات الطائفية في لبنان.

وسيتوجب على الحريري النظر في الأمور الهامة المتعلقة بإمكانية إقتسام السلطة، والتي ستطفو على السطح متى تم الإنتهاء من مسألة تشكيل الحكومة. ويعد إصرار المعارضة على “الثلث المعطل” الذي نص علية إتفاق الدوحة واحداً من بين العديد من الخيارات التي سيتوجب على الحريري المفاضلة بينها. وبعد ذلك سيتبقى أن ينجح الحريري في اجتياز اختبار توزيع المناصب الحكومية على حلفائه في حركة 14 آذار.

ومن المفارقات الغريبة أن يكون توزيع المقاعد في البرلمان السابق قد تم تحديده وفقاً لإتفاق الدوحة، ولكن بالرغم من ذلك أنتج التنافس المحموم في الإنتخابات برلماناً متطابقاً مع البرلمان السابق. وبالرغم من أنه ينبغي على سعد الحريري الإجابة عن سؤال مصيري وهو هل انتهى إتفاق الدوحة؟ إلا أنه ليس هناك ما يشير إلى ذلك على صعيد الجبهة الوطنية.

وعلى الصعيد الإقليمي، من الصعب التكهن بفحوى الإتفاق الذي يمكن أن يكون قد تم بين السعودية و سوريا نظراً للسرية الشديدة التي تحيط العلاقات السعودية – السورية. كما أنه لم يتضح بعد ما إذا كان تنسيق الأداء الذي كان قائماً قبل الإنتخابات بين دمشق والرياض سيستمر بعدما وصلت الإنتخابات إلى نهايتها أم لا. إلا أن المؤشرات تدل على أن إتفاق الدوحة سيظل ساري المفعول.

وفي هذه اللحظات التاريخية التي تمر بها لبنان يستعد اللبنانيون لإستقبال فصل صيفي بارد وحار، هو الأفضل من نوعه منذ عقود. وسيجد الحريري أنه من السهل عليه خلال فترة السماح التي منحتها له مختلف الجماعات اللبنانية والأطراف الإقليمية، إعادة جدولة القضايا الوطنية والإقتصادية لتصبح لها الأولوية على القضايا السياسية.

ولم تكن الأطراف اللبنانية والإقليمية لتخاطر بترشيح الحريري رئيساً للحكومة ما لم يكونوا على ثقة من قدرته على تشكيلها، حتى لو تطلب ذلك بعض الوقت. ولكن إذا لم ينجح الحريري في تشكيل الحكومة فلن يكون أمام هذه الأطراف سوى العودة لخيار ترشيح فؤاد السنيورة من أجل الحفاظ على الوضع الراهن، اللهم  إلا إذا تغير ميزان القوى أو تغيرت العلاقات بين الرياض ودمشق بحيث تصبح أكثر استقراراً، والذي سيكون من شأنه أن يسمح بعودة الحريري رئيساً لمشروع تنموي في شرق أوسط ينعم بالرخاء و السلام.

منير الخطيب – صحفي لبناني مقيم في بيروت

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.