التحرك الفوري مهم لكن الحذر من ركود جديد أهم - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

اقتصاد

التحرك الفوري مهم لكن الحذر من ركود جديد أهم

[escenic_image id=”555657″]

لابد أنه قد اتضح لنا الآن أن مفهوم”اللاقتران”- أي فصل النمو الإقتصادي عن البيئة المحيطة بحيث لايقترن أحدهما بالآخر- أصبح حقيقة واقعة على صعيد الإقتصاد العالمي بغض النظر عن شطحات الإقتصاديين الراديكاليين. ففي حين أن الولايات المتحدة وغيرها من الإقتصاديات المتقدمة قد كافحت لكبح جماح الإنخفاض الحاد في الناتج، تتمتع الأسواق الناشئة من الصين إلى أمريكا اللاتينية بهذا الإقبال الهائل على الإستثمار، بما يوحي بأن تلك الدول على الأقل قد اجتازت أسوأ مرحلة في الأزمة الإقتصادية. 

فمنذ بداية العام، إرتفع مؤشر الأسواق الناشئة في بورصة لندن بنسبة 41,1% وإرتفع بنسبة 70% منذ مطلع مارس من العام الجاري. ويمكن مقارنة ذلك بمؤشر الدول المتقدمة في بورصة لندن الذي إرتفع بنسبة 7,2% وبنسبة 31,4% خلال نفس الفترتين. وبالنسبة للسندات، إرتفعت الشركات المدرجة من الدول المتقدمة بنسبة 7,1 مليار دولار في أبريل، مقارنة بـ 5,9 مليار دولار على مدار ربع العام بأكمله، الأمر الذي يشير بوضوح إلى أن أسواق الإئتمان في الدول غير الصناعية بدأت تشهد إنفراجة. وتقوم المؤسسات بالتفاوض من جديد بشأن إلتزاماتها من الديون، وهو الأمر الذي ترغب فيه تلك المؤسسات بالطبع. ففي مايو، أصبحت مؤسسة البترول الوطنية الصينية العملاقة أول شركة غير مالية تصدر سندات مؤسسية دولارية تمنح المستثمرين المحليين إمكانية شراء ديون بالعملة الأجنبية الصادرة محلياً، الأمر الذي يعتبر هذه الأيام أكثر أمناً من شراء الأوراق المالية المطروحة من قبل المؤسسات الأمريكية. 

وتهيمن الشركات الكبرى على سباق الأسواق الناشئة وهي تشمل الشركات البرازيلية المنتجة للسلع والشركات الأندونيسية لتصنيع الأخشاب وشركات البناء الصينية وشركات صناعة الصلب الكورية الجنوبية. فعلى سبيل المثال، تشير التقديرات إلى أنه ليس هناك سوى زيادة طفيفة دورية في تداول الأسهم في البورصات التركية والروسية المنتعشة. لكن الإندفاع نحو الأسواق الناشئة يشير إلى تحول هيكلي ظل يختمر على مدى عقدين من الزمان والمتمثل في تفكك الإقتصاد العالمي الذي تهيمن عليه أمريكا إلى مجموعة من الكتل التجارية الإقليمية مثل “طريق الحرير الجديد” الذي يربط بين الصين والشرق الأوسط. 

ويحذر المحللون من أنه سوف يستغرق تطور الإقتصاد العالمي متعدد الأقطاب وقتاً كي يشتد عوده. فأمريكا لا تزال تمثل أكبر اقتصاد عالمي وإذا دخلت في ركود آخر فإن هذا الوضع سيتغير حتماً. وهناك حقيقة مفادها أنه من المتوقع أن تحقق الأسواق الناشئة متوسط نمو يُقدر بـ 4,5% هذا العام وفقاً للبنك الدولي مقارنة بإنكماش متوقع نسبته 0,1% بين الدول الصناعية. وهذه الحقيقة تشير إلى أن “اللاقتران” قد أصبح أمراً واقعاً. لنتأمل تضاؤل الإقبال على الديون السيادية الأمريكية. فقد إرتفع بشكل ملحوظ عائد سندات الخزانة الأمريكية التي كانت تُعتبر بمثابة الإستثمار الآمن الوحيد في العالم منذ شهور قلائل لأن المتعاملين كانوا على إستعداد لقبول قدر كبير من المخاطرة في سبيل الحصول على عوائد أكبر يتم تقديمها في أماكن أخرى يقع أغلبها في أسواق ناشئة. وفي تقرير مايو، توقع بنك “إتش. إس. بي. سي.” حدوث حالة من اللاقتران في “لب” الإقتصاد العالمي متباطئ النمو و”قشرة” الإقتصاد العالمي مرتفعة النمو التي ينبغي أن تسمح بأداء قوي لأسهم الأسواق الناشئة على نحو خاص. بل إن مورجان ستانلي ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك حين هتف “بميلاد مؤلم لإقتصاد عالمي متمركز حول الأسواق الناشئة”.       

وقد عُقد هذا الأسبوع إجتماع قمة في مدينة يكاتيرنبيرج الروسية وحضره قادة البرازيل وروسيا والهند والصين، وهذه الدول تمثل 40% من سكان العالم و15% من ثروته. ودعا الرئيس الروسي ديميتري ميدفيديف “لنظام إقتصادي عالمي أكثر عدلاً” ووصف المحادثات بأنها “ركيزة السياسة العالمية”. وفي حين أن هذا قد يحمل شيئاً من المبالغة نوعاً ما، تتجه الأنظار بوضوح نحو العالم النامي. فمن المتوقع أن يرتفع نصيب الأسواق الناشئة من الناتج الإقتصادي العالمي إلى 35% في عام 2010، وذلك بعد أن سجلت 20% فقط منذ عشر سنوات، في حين أن نصيب الولايات المتحدة الذي يمثل حالياً حوالي 23% انخفض تدريجياً منذ 2003. وتمثل الأسواق الناشئة في مؤشر مورجان ستانلي 13% بعد أن كانت تسجل 2% في عام 1988.   

كما أن تركز احتياطيات الصرف الأجنبي في العالم النامي قد حمى الدولة من أزمة الإئتمان العالمية التي شلت الإقتصاديات الكبرى بالعالم. والآن تواجه الأسواق الناشئة ضعفاً في معدل الطلب على بضائعها في كل من أمريكا وأوروبا ومن ثم فهي تستثمر مدخراتها في خطط إنعاش تهدف إلى تقوية الإستهلاك المحلي والإستثمار في رأس المال.

لنتأمل مثلاً النمو المذهل للقروض الجديدة والناتج الصناعي ومبيعات السيارات في الصين. وفي منطقة الشرق الأوسط، حيث ساعد تزايد حركة التجارة الإقليمية على الحد من تأثير إنخفاض طلب الصادرات من الولايات المتحدة وأوروبا. وينطبق نفس الشيء على أمريكا اللاتينية. وكما كتب مارك موبيوس في صحيفة فينانشيال تايمز الأسبوع الماضي، إحتفالاً بمرور عشرين عاماً على إتحاد تملبتون للإستثمار في الأسواق الناشئة قائلاً: “من أهم المزايا التي تتمتع بها أمريكا اللاتينية سوقها الإستهلاكي الضخم والحد من الطلب على السلع والخدمات، كما تتميز بشركاتها العالمية غير المكلفة وغير المثقلة بالديون.

عندما سُئل اللص الأمريكي الشهير ويلي ساتون عن سبب سرقته للبنوك، أجاب قائلاً: “لأنها هي المكان الذي يوجد به المال”. وبالمثل، فإن المستثمرين الأذكياء يتجمعون حول أكثر الأسواق سيولة عندما يفتقر بقية العالم إلى النقد. وإذا كان العالم النامي يجذب الإستثمارات على حساب الولايات المتحدة وغيرها من الدول المثقلة بالديون – وبذلك يخلق مراكز جذب جديدة للإقتصاد العالمي- فإنه يساعد أيضاً في الإبقاء على التعافي البطيء للإقتصاد العالمي الذي سوف يمكن الغرب من كسب وقت لتسوية حساباته في نهاية المطاف.

ستيفن جلين – محرر مقيم بواشنطن وكاتب متخصص في شؤون الشرق الأوسط وآسيا.

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.