البحث عن أكثر من مجرد لعب دور إقليمي - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

شؤون سياسية

البحث عن أكثر من مجرد لعب دور إقليمي

[escenic_image id=”555707″]

لقد ظل البحر العربي طيلة قرون عديدة بمثابة حلقة وصل نشطة بين شبه القارة الهندية ومنطقة الخليج. وتسعى الحكومة الهندية حالياً لاستكشاف هذا الدور التاريخي، ويقف وراء المحاولة الجديدة “مانموهان سينج” رئيس الوزراء البيروقراطي والذي تم إنتخابه مؤخراً لفترة ثانية. 

فبالنسبة له، لم يعد الخليج مجرد منطقة هامة على الساحة الدولية فحسب ولكنها ربما أصبحت أكثر المناطق أهمية. ومن ثم فإنه خلال العام المنصرم إلتقى في عمان بجميع المبعوثين الدبلوماسيين الهنود في المنطقة والبالغ عددهم 27 وخطَّ الأولويات الأساسية للإستراتيجية الجديدة “النظر غرباً”. وفكرة هذه الإستراتيجية تتمثل في تعزيز الهند على الجبهتين الحربية والسلمية، في نفس الوقت الذي تضمن فيه نيودلهي دوراً محدداً في الجماعة الأمنية بغرب آسيا.

الهموم المادية: الطاقة والإستثمارات

نظراً لأن الهند تمثل ثالث أكبر مستهلك للنفط في آسيا، حيث يُتوقع أن يصل إعتمادها على الإستيراد إلى 90% خلال العقدين القادمين، يعتبر ضمان الحصول بشكل دائم على موارد الطاقة من منطقة الخليج في مقدمة أولويات هذا البلد. وقد بُذلت محاولات عديدة لتعزيز أمن الطاقة من خلال تنويع جهات التوريد لتشمل أمريكا اللاتينية وأفريقيا وروسيا، لكن تبقى منطقة غرب آسيا بلا منازع هي المورد الرئيسي لها حيث تمثل تلك ثلثي واردات النفط الهندية. ويأتي في طليعتها المملكة العربية السعودية التي تمثل 25% من واردات النفط الهندية والكويت 12% والعراق 10%.

وبناءاً على تلك الأولويات الجديدة، شكلت وزارة الشئون الخارجية قسماً جديداً لأمن الطاقة، وهناك دراسات هامة في نيودلهي تسعى لتخصيص موارد غير مسبوقة لدراسة منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا التي يتم فيها تطبيق إستراتيجية الخليج الجديدة.

وفي نفس الوقت هناك أيضاً جهد واضح يُبذل من أجل تنويع العلاقات الإقتصادية الثنائية مع غرب آسيا وذلك للتقليل من حصة الطاقة الزائدة. وتسير الهند على الطريق السليم حيث أصبحت مؤخراً بمثابة ثاني أكبر شريك تجاري لمجلس التعاون الخليجي بعد الولايات المتحدة مباشرة. وقد ازداد حجم التجارة الثنائية عشر مرات تقريباً خلال العقد الأخير بإجمالي حالي يقترب من 30 مليار دولار أمريكي.

ويوجد أكبر نشاط إستثماري عام للهند – وهو صناعة الأسمدة- في عمان، ورأس المال الهندي الخاص – بما يشمل شركة تاتا لصناعة السيارات ومجموعة ريلينس ومجموعة إيسار- استطاع أن يخترق مجالي البنية التحتية والمصارف والقطاعات الخدمية بشكل مذهل في ظل الإقتصاد المنتعش بالمنطقة. وفي نفس الوقت، سعى “مانموهان سينج” أيضاً لإستقطاب صناديق الثروة السيادية بمنطقة الخليج وذلك من خلال شروط جذابة لبحث نشاط إستثماري يبلغ حجمه 500 مليار دولار أمريكي في قطاع البنية التحتية بالهند.

  الجاليات الهندية والأمن

وبعيداً عن الطاقة والإستثمار والتجارة، يمثل العمال الهنود المهاجرين الذين يقيمون في غرب آسيا أولويات أخرى في المنطقة. فهذه العمالة المبعثرة والمتمركزة في المملكة العربية السعودية (ما يقرب من مليوني مغترب هندي) والإمارات العربية (أكثر من مليون) تعتبر بمثابة ثروة إقتصادية لها قيمتها حيث تُقدر تحويلاتهم السنوية بنحو 15 مليار دولار أمريكي والذي يمثل قوة كبيرة في الإقتصاد الهندي وخاصة القطاع المصرفي منه. ومع ذلك يبدي بعض هؤلاء العمال بوادر للتطرف من خلال مشاركتهم في إضرابات وإحتجاجات عنيفة بالشوارع ضد أصحاب الأعمال والحكومات المضيفة.

وتنبهت الهند أيضاً إلى أهمية التدابير الأمنية لحماية هذا الكم الهائل من عمالتها في غرب آسيا. ومن ثم فإن الوزارات الهندية للشؤون الخارجية والأجنبية بدأت في فتح قنوات من الإتصال المستمر بحكومات المنطقة موقعةَ العديد من الإتفاقيات الثنائية لتنظيم تدفقات المهاجرين.

وتسعى الهند حالياً لترسيخ تواجدها على الصعيد الأمني في منطقة الخليج. ففي نفس الوقت الذي لا يزال فيه التخطيط لمعظم العمليات الإرهابية التي تستهدف الهند وتمويل تلك العمليات والتدريب عليها يأتي من باكستان، توصلت وكالات التحقيق الهندية خلال السنوات الأخيرة إلى العديد من المتطرفين الذين تلقوا تدريباتهم في بؤر إرهابية بغرب أسيا.  

وأصبحت بعض دول الخليج على نحو خاص بمثابة نقاط إتصال هامة بين الشبكات الإرهابية والعمال الهنود المهاجرين الذين يتم تعيينهم وتلقينهم الفكر المتطرف وإعادتهم إلى الهند لتنفيذ عمليات إرهابية هناك. ونظراً لأن معظم العمال الهنود في منطقة الخليج يأتون من جنوب الهند، فإن هذا يمكن أن يفسر أيضاً معاناة قطاع من المجتمع الهندي الجنوبي المسلم من التطرف وكذلك ظهور العديد من الخلايا الإرهابية التي تستهدف المراكز الإقتصادية الجنوبية الهامة مثل بانجالور وحيدرأباد. 

إستكشاف دور مميز

بوضع كل هذه الأمور في الحسبان، نجد أن سياسة الهند “النظر غرباً” تشير على ما يبدو من وجهة نظر المعتدلين إلى إستراتيجية دفاعية خالصة تركز على تأمين موارد الطاقة الحيوية إضافة إلى المصالح الإقتصادية والأمنية المحدودة. لكن هناك هدفاً إستراتيجياً أعمق بكثير وراء جهود سينج الرامية إلى خلق دور متميز وأكثر ملائمة للهند في المنطقة. 

وحيث أن الصين أصبحت بمثابة قوة جبارة تحمل تهديداً لجيرانها في جنوب آسيا، يشعر الإستراتيجيون الهنود حالياً بأنهم مضطرون للبحث عن أطر جديدة تتجاوز منطقتهم يمكن أن تجمع الهند من خلالها الدعم وتثبت وجودها وتزيد من عمقها الإستراتيجي.  

ونظراً لأن نيودلهي تدرك القدرات العسكرية المذهلة للصين وقوتها الشرائية الهائلة، تسعى الهند للبحث عن بدائل تعزز من خلالها وجودها خاصة من خلال زيادة أنشطتها على الساحة الدبلوماسية. فالهند يُنظر إليها بقليل من التشكك على عكس كافة القوى الخارجية الأخرى في غرب آسيا كما أنها ليست مورداً أساسياً في مجال الأسلحة، ولذلك تحرص نيودلهي على إستكشاف دورها كقوة وسيطة في المنطقة.

وأساس هذا الطموح هو سجلها المعروف بالحفاظ على علاقة ودية مع الأطراف المتنازعة؛ تلك العلاقة التي نمت بمضي الوقت لتمثل نطاقاً أوسع من الشراكات التي تشمل في الوقت الحالي واشنطن وتل أبيب وطهران وموسكو وبكين وطوكيو.

وتحديداً في غرب آسيا، بينما تظل نيودلهي ملتزمة بالقضية الفلسطينية، حيث أنها كانت أول دولة غير عربية تعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية في عام 1975، وتحولت إسرائيل في الوقت نفسه إلى واحدة من شركائها المقربين في مجال الدفاع والأمن. وبينما أشاد حزب الله نفسه بقوة حفظ السلام الهندية التابعة للأمم المتحدة في لبنان، كان مانموهان سينج منهمكاً بالتفاوض على إتفاق للتعاون النووي مع جورج دبليو بوش وشراء معدات عسكرية إسرائيلية جديدة. وهذه هي دبلوماسية الهند المؤيدة للعولمة في أفضل حالاتها.

الهند المرنة أم الصين صعبة المراس؟

ويأتي تعيين ممثل خاص لغرب آسيا، ومشاركة البحرية الهندية الشغوفة في قوة عمل مكافحة القرصنة البحرية في خليج عدن، ليقدما إلينا مثالين آخرين على استعداد الهند لأن تلعب دوراً بناءاً في المنطقة. وأعلن هذا الهدف السفير والممثل الخاص جاريخان، والذي لم يخجل من الإشارة  إلى أنه لم يكن للصين “دور خاص أو محدد في عملية السلام في الشرق الأوسط” على عكس الهند، وبهذا يسعى إلى التأكيد على إمكانيات الهند الدبلوماسية و”المرنة” المتميزة في المنطقة.

“الإقتصاد والجاليات الهندية والتعاون والوساطة الدبلوماسية” هي الكلمات الرئيسية لفهم حملة الهند الخليجية اللينة. ووفقاً لحسابات نيودلهي الإستراتيجية، تمثل غرب آسيا ساحة هامة حيث يمكنها إستعراض قوتها ونفوذها، ومن ثم تعادل نفوذ الصين خارجياً، فيما وراء جنوب آسيا، وليس بالضرورة عبر سياسات القوة المحضة. وتنتظر نيودلهي بشغف ردود الفعل على هذه الإستراتيجية من أنحاء بحر العرب.

كونستانتينو كزافييه – باحث برتغالي بجامعة لشبونة الجديدة، ومقيم في واشنطن، ورئيس تحرير صحيفة لشبونة الأسبوعية “انديا مونيتور”.

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.