الانفصاليه والراديكالية بشينج يانغ - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

قضايا

الانفصاليه والراديكالية بشينج يانغ

[escenic_image id=”555722″]

في الخامس من يوليو اندلعت أعمال العنف في إقليم شينج يانغ الغربي المستقل، وهو عبارة عن مقاطعة تقع في غرب الصين. وعلى مدى الأيام القليلة التالية، قتل ما يزيد عن 180 شخصاً في اشتباكات بين الصينيين من أصول الهان والإيجور وبين الإيجور وقوات البوليس. وبصرف النظر عن أسباب هذا الحادث الخاص من اندلاع العنف، فإن ثمة عنصرين يقفان وراء رد الفعل الشديد للسلطات الصينية تجاه هذا العنف. ويتمثل العنصر الأول في الإرهاب الإسلامي في الإيجور ومخاوف الصين من إمكانية زعزعة استقرارها في الغرب. ويرتبط بهذا أيضاً التوجس العام نحو الحركات الموالية للاستقلال في أماكن أخرى، وخاصة في تايوان وفي تيبية أيضاً.

وتعود جذور  الإرهاب في إقليم  الإيجور إلى أواخر الأربعينيات، عندما عاود إقليم شينج يانغ الانضمام إلى الصين عقب فترة قصيرة من الاستقلال إلا أن الإرهاب تحول إلى مشكلة ازدادت تفاقماً نتيجة الحرب السوفيتية في أفغانستان من 1979 حتى 1989. وقد انضم الأوجوريون من جنوب شينج يانغ إلى الحركة المناوئة للشيوعية، حيث قاتلوا ضد الاتحاد السوفيتي في عام 1986. وبعد ذلك بثلاث سنوات، تم تهريب الأسلحة إلى غرب شينج يانغ، وهو إقليم يقع على الحدود بين أفغانستان وباكستان. وبعد ذلك تصاعدت الطموحات الانفصالية للإيجور في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي، حيث مكن هذا الانهيار بعض المجتمعات الإسلامية في وسط آسيا من الحصول على الاستقلال. وكنتيجة لهذه الوقائع فإن الحركة التي كان يغلب عليها طابع سلمي بهدف المطالبة بمزيد من الاستقلال للإيجور قد تحولت إلى حركة أكثر راديكالية. وبالرغم من ذلك، تجدر الإشارة إلى أن دعم الإرهاب من جانب سكان الإيجور لا يمثل ظاهرة واسعة الانتشار.

وتعتبر الحركة الإسلامية لتركستان الشرقية هي الحركة الرئيسية بين عدد من المنظمات الإرهابية التي تمارس نشاطها في الإقليم. وتهدف حركة تركستان الشرقية وغيرها من الجماعات الإرهابية الأخرى في الإقليم إلى إنشاء دولة إسلامية في آسيا الوسطى تضم إليها الإقليم المستقل لغرب شينج يانغ. ووفقاً للحكومة الصينية، فقد ظلت هذه الحركة نشطة منذ بداية التسعينات وتعد وراء عشرات الهجمات حول الأراضي الصينية، كان من بينها ثلاثة أحداث عنف رئيسية خلال أولمبياد بكين عام 2008.

لذا، فقد ظلت الصين تنتابها المخاوف تجاه الاتجاه الانفصالي الإسلامي لفترة طويلة. ومع ذلك، فقد ازدادت الهواجس الصينية في أعقاب هجمات 11 سبتمبر على الأراضي الأمريكية. وتقول الحكومة الصينية أن أعضاء حركة تركستان الشرقية قد تم تدريبهم على يد ناشطين بالقاعدة وطالبان. وهذا ما تحققت منه وزارة الخارجية الأمريكية. وفي أغسطس عام 2002 قامت بإدراج حركة تركستان الشرقية بين المنظمات الإرهابية، محتجة بوجود أدلة تثبت تلقي هذه الحركة عوناً مالياً وتدريباً من تنظيم القاعدة. وبعد ذلك بشهر واحد، قامت الأمم المتحدة بإدراج الحركة بين قائمة المنظمات الإرهابية ذات الصلة بالشبكة التي يقودها أسامة بن لادن.

ونتيجة لاندلاع العنف على هذا النحو في شينج يانغ، فقد أخذ جناح القاعدة في شمال إفريقيا على نفسه عهداً بالنيل من العمال الصينيين في إفريقيا كرد فعل لقتل المسلمين في شينج يانغ. وفي حقيقة الأمر، فإن متشددي القاعدة كانوا ولا يزالون بصدد استهداف المصالح الاقتصادية الصينية في القارة. وهذا هو ما يُقوي مخاوف بكين فيما يتعلق بالتعاون بين انفصالي الإيجور والإرهابيين الإسلاميين.

إن الصلات المالية والشخصية بين القاعدة والإرهابيين من إيجور ليست موطن القلق الوحيد بالنسبة للصين. وما يقلق حكومة هو جينتاو أكثر هو إمكانية وقوع أسلحة دمار شامل أو تقنية نووية في أيدي الإرهابيين من إيجور. والأمر الذي لا يلاحظه الكثيرون أنه على مدى السنوات القليلة الماضية زادت الصين من مشاركتها مع أنظمة تلتزم بمنع إنتشار أسلحة الدمار الشامل والانتشار النووي. وتحقيقاً لهذه الغاية، قامت حكومة هو جينتاو بتقوية التشريعات المحلية وتعزيز آليات الرقابة بهدوء لتضمن أن تقنيتها النووية وأسلحة الدمار الشامل لديها لا تقع في أيدي شبكات الإرهاب الإسلامية.

ونضرب أمثلة على ذلك بتعديل قوانين جمهورية الصين الشعبية بشأن الرقابة على الصادرات النووية وبشأن السيطرة على تقنيات وعلاقات المواد النووية ذات الاستخدام المزدوج في عامي 2006 و2007 على التوالي. كما أصبحت بكين أكثر نشاطاً في المشاركة في منظمات عدم الانتشار النووي متعددة الأطراف. ولم تكن هذه التطورات لتحدث لولا وجود متشددين إسلاميين في شينج يانغ.

وهناك منظمة شنجهاي للتعاون وهى آلية أخرى تستخدمها الصين للتعامل مع تهديد الإرهاب الإسلامي في المنطقة. ومنذ تأسيس سلف تلك المنظمة وهو “مجموعة شنجهاي الخمس” في عام6 199، فإن مكافحة “الإرهاب والانفصالية والتطرف” كان واحداً من الأهداف الرئيسية للدول الأعضاء. وقد زاد التعاون ضد هذه التهديدات بشكل سريع في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر.

ومن ثم، كون أعضاء منظمة شنجهاي للتعاون في شهر يناير من عام 2004 هيكلاً إقليمياً دائماً لمكافحة الإرهاب لتنسيق الأنشطة في هذا الميدان، وأبرزها منع تهريب الأسلحة، ومكافحة انتشار الأصولية. وفي الواقع، يذهب بعض المحللين إلى القول بأن السبب الرئيسي وراء دعوة كرغيزستان للانضمام إلى مجموعة شنجهاي الخمس أولاً، ثم منظمة شنجهاي للتعاون هو رغبة الصين في تحسين العلاقات مع جارتها، التي تضم عدداً كبيراً من سكان إيجور. كما سعت بكين إلى إشراك الحكومة الكرغيزيه في أنشطة مكافحة الإرهاب.

وعلى الجبهة الداخلية، ركزت الحكومة الصينية على تطوير اقتصاد منطقة شينج يانغ لكي تضعف الدعم لانفصال إيجور بصفة عامة والإرهاب بصفة خاصة. غير أن عدم تحدث العديد من سكان إيجور بالصينية الفصحى يعرقل حصولهم على وظائف ذات أجور جيدة في كل من القطاعين الخاص والعام. وبالإضافة إلى ذلك، فإن التركيبة العرقية المتغيرة للسكان تزيد من حدة التوتر.

واعتباراً من عام 2009، تساوت نسبة الصينيين سواء من أصل إيجورى أو هان في المنطقة تقريباً. كما يشكو أهالي إيجور من أن الحكومة الصينية تؤيد الصينيين من أصل هان عند التعيين وعند تسليم العقود للشركات الخاصة. ويغذى هذا الدعم للنزعة الانفصالية وفي بعض الحالات، العنف ضد أهالي هان والدولة.

ولن يكون أي تحليل للاستجابة الصينية لمشاكل شينج يانغ كاملاً دون وضعه في إطار كراهية الحكومة للحركات الأخرى المؤيدة للاستقلال. ولا تستطيع بكين أن تظهر الضعف في مواجهة أي تحد لسلامة أراضيها.

وقارن البعض أحياناً مشاكل الانفصال في إقليم شينج يانغ الغربي ذو الحكم الذاتي بالمشاكل الموجودة في منطقة التبت ذاتية الحكم. ويتشابه الإقليمان في أنهما على التوالي أكبر وثاني أكبر إقليمين صينيين. ويتمتع كلا الإقليمين من الناحية النظرية بحقوق تشريعية أكثر من الأقاليم الأخرى. وعملياً يعنى هذا فقط أن لهما الحق في تعيين حاكم للإقليم، والذي يأتي عادة من الأقليات الإقليمية. وحيث إن كل حكومات المقاطعات تتمتع بدرجة عالية من الحرية الاقتصادية والسياسية واستقلال سياسي محدود عن الحكومة المركزية، فإن إقليمي شينج يانغ والتبت لا يختلفان كثيراً عن غيرهما من المقاطعات الصينية فيما يتعلق بالحكم الذاتي.

ومن أهم وأبرز الفروق بين الوضع في إقليم شينج يانغ وبين ذلك الموجود في التبت هو أن هذا الأخير لا يوجد به أي إرهابيين أو أي حركات انفصالية عنيفة. حيث إنه بالرغم من أن الجماعات العرقية المسلمة مثل جماعة “هوي” المسلمة وبعض التبتيين تتعايش مع بعضها البعض في الإقليم، إلا أنه مع ذلك، لا توجد أية مؤشرات على أنهما قد تتطرفا وتتبعا خطوات حركة شرق تركستان الإسلامية. كما أن الحركة التبتية المؤيدة للاستقلال هي حركة سلمية. وبالرغم من أن الصراع العرقي قد اندلع في الأسابيع الأخيرة التي سبقت أولمبياد بكين 2008 بين الصينين التبيتيين والصينيين الهانويين، إلا أن التبت بشكل عام لا يزال أقل اضطراباً من إقليم شينج يانغ.

وخلافاً للاعتقاد السائد فإن مخاوف بكين من الانفصالية تتركز معظمها حول تايوان وليس التبت. فالوحدة الحتمية من جديد مع تايوان، والتي تعتبرها الصين حكومة وشعباً محافظة أخرى من محافظات بلادهم، كانت واحداً من أهم أهداف السياسة الخارجية للحزب الشيوعي الصيني منذ تقسيم الصين في عام 1949. وقد اقترحت بكين صيغة “بلد واحد ونظامين” لحل النزاع مع تايوان والتي طرحها دنغ شياو بينغ لأول مرة في عام 1979. و يتم التعامل بشدة مع أي محاولة لتحدى هذا المقترح من قبل الحكومة الصينية والشعب الصيني، بما في ذلك الحركات الانفصالية المحلية الموجودة في الصين.

كما يزيد التشويه الذي يحدثه العنف الموجود في إقليم شينج يانغ لصورة الصين في العالم الإسلامي من خوف الصين من الحركات الأيغورية الانفصالية. وقد وصف رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في العاشر من يوليو وفاة مجموعة من الأيغوريين، وهي إحدى المجموعات العرقية التركية، بأنها نوع من الإبادة الجماعية. وعلاوة على ذلك، فقد كانت هناك مظاهرات مؤيدة للأيغورية في الشرق الأوسط ووسط آسيا وأندونيسيا، وعلى الأخص في كرغيزستان. وقد حث خطاب شديد اللهجة في عمود للرأي بصحيفة “تشاينا ديلي”، وهي صحيفة صينية رسمية تصدر باللغة الإنجليزية، السيد أردوغان للتراجع عن تصريحاته. مما يدل على أن بكين لن تتردد في الدفاع عن سيادتها، حتى وإن تسبب هذا في الإضرار بعلاقة الصين مع الدول الأخرى.

و في كل الأحوال، فإن ردود أفعال حكومات دول الشرق الأوسط الأخرى إزاء أحداث العنف التي وقعت في إقليم شينج يانغ كانت خافتة في معظمها. حيث تسعى هذه الدول إلى خلق علاقات اقتصادية وسياسية وثيقة مع الصين ولا توجد لديها الرغبة في إضعاف هذه العلاقات من أجل قضية لا تحظى بالأولوية القصوى في الشؤون الدولية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن معظم حكومات دول الشرق الأوسط تواجه أيضاً خطراً مزدوجاً يتمثل في الإرهاب والحركات الانفصالية. ومن ثم، فليس من المحتمل أن ترفع هذه الحكومات صوتها منددة بالحكومة الصينية، خاصة وأنها من أشد المؤيدين لمبدأ سيادة الدول وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

وفي النهاية، فإن الظلم الذي يتعرض له الأيغوريون ومخاوف بكين بشأن الإرهاب والانفصالية قد خلقا بيئة غير مستقرة من غير المرجح أن تنحسر فيها موجة الاشتباكات العنيفة في المستقبل القريب. ومع ذلك، فإن إلقاء اللوم على رد فعل السلطات الصينية إزاء هذه الاشتباكات واتهامها بالمحاباة للهانيين يعد نوعاً من تبسيط الأمور، الذي يغفل عدداً لا يحصى من العوامل التي تكمن وراء رد فعل بكين.

رامون باشيكو باردو –  محرر بجريدة مالينيم وباحث في مكافحة الانتشار وسياسات شرق آسيا.

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.