اقتصاديات الركود في منطقة الخليج - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

اقتصاد

اقتصاديات الركود في منطقة الخليج

[escenic_image id=”555779″]

في الصيف الماضي، بينما كانت الانتخابات التمهيدية الأمريكية تقترب من نهايتها، ركز المرشحان اللذان اجتذبا اهتمام العالم على اقتراح الحلول للأزمة الاقتصادية. ورغم أنهما سلكا نهجين مختلفين، كان الإجماع واضحاً وهو أن شدة الركود الاقتصادي كانت موازية لتلك التي شهدها الكساد العظيم. واحتاجت الدول في أنحاء العالم إلى تطبيق تغييرات كبيرة في سياسة الاقتصاد الكلي الخاصة بها من أجل تفادي الآثار الكارثية التي سوف تجلبها أسوأ مراحل هذا الركود.
وبعد مضى عام، يطرح كبير الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي وخبير النظريات في سياسة الاقتصاد الكلي، أوليفييه بلانشار هذا السؤال: أين نحن اليوم؟ وكيف تعاملت المناطق المختلفة مع الانكماش الاقتصادي؟ ما هو التقدم الذي تحقق، وما هو المهم بالنسبة للنتائج المختلفة بين الدول؟

وتعتبر إجابته إيجابية على الصعيد العالمي، حيث زاد فريقه من التوقعات بالنسبة للاقتصاد الكلي. غير أن إجابة السؤال عن حالة الاقتصاد تتغير حسب المنطقة الخاضعة للدراسة. وبالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط تحديداً، لم تكن توقعات بلانشارد واعدة.

وخفض صندوق النقد الدولي من توقعات النمو في الشرق الأوسط لهذا العام بمقدار نصف نسبة مئوية مشيراً إلى أن اقتصاديات منطقة الشرق الأوسط سوف تتوسع بمعدل 2 %، مقارنة بنسبة  5.2% في عام 2008. ومن جهة أخرى، ارتفعت توقعات النمو لعام 2010 بنسبة 0.2 نقطة مئوية إلى 3.7%. وأشار التقرير إلى أن الانخفاض في التوقعات يرجع إلى هبوط أسعار النفط والتي انخفضت من 147 دولار للبرميل إلى ما بين 50 و 60 دولار للبرميل خلال العام الماضي. وأدى هذا الانخفاض إلى انهيار عائدات التصدير بالنسبة لمنتجي النفط في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وسوف يؤثر ذلك بالتبعية على الاستثمار الأجنبي، وإيرادات السياحة والتحويلات المالية للمنطقة.

 ومقارنة بنسبة معدلات النمو في السنوات السابقة والتي بلغت 6 ٪، يأتي التوقع سلبياً بالنسبة للأداء الاقتصادي للمنطقة. غير أنه في سياق شدة الركود وبالمقارنة مع المناطق الأخرى، فإن منطقتي الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يأتي أداؤهما جيداً بشكل استثنائي. وعلى هذا يطرح السؤال نفسه: كيف يفسر الاقتصاديون تعافي المنطقة وما هي التوصيات التي اقترحوها للدول المختلفة من أجل تفادي تدهور وضعها الاقتصادي؟

يقول بلانشارد بأن الأداء القوي نسبياً لمنطقة الشرق الأوسط يرتبط إلى حد كبير بثلاثة أسباب. أولها أن تقرير التوقعات الاقتصادية العالمية يشير إلى أن البنوك في المنطقة كان تعرضها محدوداً للأصول السامة والتي قوضت الاستقرار المالي في بلدان أخرى. وبالمثل، لم تتأثر الدول في المنطقة بالانخفاض في حجم الصادرات أو سحب تدفق رؤوس الأموال كما حدث في المناطق الأخرى ذات الأسواق الناشئة. ثانياً، يشير التقرير إلى أن البنوك المركزية في المنطقة قد اتخذت إجراءات حاسمة فيما يتعلق بالسياسة العامة في التوقيت المناسب، مع الاستفادة من الانخفاض في أسعار الفائدة العالمية عن طريق تسهيل السياسة النقدية. وبالتحديد، في دول مجلس التعاون الخليجي حيث عانت البنوك أكثر من الأزمة المالية، أسرعت الحكومات إلي توفير السيولة ورأس المال. ونأتي أخيراً إلى أهم نقطة، وهى أن ما شهده  الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من تعاف يرجع إلى قدرة ورغبة دول المنطقة المصدرة للنفط في الحفاظ على مستويات عالية من الإنفاق الرأسمالي عن طريق السحب من الاحتياطيات التي تراكمت خلال سنوات الازدهار.

ويتردد على لسان العديد من المحلليين الاقتصاديين إمكانية الخروج بدرس كبير من الأزمة، ويمكن تلخيصه في نصيحة أمارتيا سين للدول النامية، حيث يقول إنها تحتاج إلى ضرورة تطبيق وسائل مختلفة لعبور موجة الركود بنجاح. وتمتعت الدول التي تأثرت بشكل أقل حتى الآن بميزة القطاعات المزدهرة التي تعتمد على الاقتصاد العالمي بشكل أقل من غيرها من القطاعات. غير أن جميع القطاعات لديها صلة بالتجارة، والإجراء المرتبط بالسياسة الذي يتم اتخاذه في الوقت المناسب هو الوحيد الذي سيمنع هذه المناطق الآمنة نسبياً في الاقتصاد من الانزلاق إلى هوة عدم الاستقرار الذي شهدناه في أسواقٍ أخرى.

وقدم جون ثورنتون، الرئيس السابق لبنك جولدمان ساكس الاستثماري، توصية مماثلة. ويوضح أنه لا توجد دولة مثل أخرى، وعلى هذا فلابد لكل دولة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أن تقيم أدواتها وتوظفها بالشكل الذي ترى أنه الأمثل من أجل التغلب على ضغوط الركود.

  وتعتبر معدلات النمو بنسبة 6٪ والتي سمحت لهذه الدول بتجميع مبلغ 1،300 مليار دولار في شكل أصول أجنبية هي الأساس الآن أو الفرصة، لمواجهة التقلبات الدورية للإنفاق المالي. وعلى سبيل المثال، ضربت المملكة العربية السعودية المثال على السياسة الاقتصادية المتفردة للدولة في التعامل مع الركود الاقتصادي، حيث أعلنت عن أكبر صفقة للتحفيز المالي كنصيب من الناتج الإجمالي المحلي، بالإضافة إلى خطة استثمار مقدارها 400 مليار دولار على مدى خمس سنوات.

وسمح هذا النوع من الإنفاق المستمر بدعم اقتصاد الدولة المصدرة للنفط وصدر تأثيراته إلى الدول المجاورة المستوردة للنفط. غير أن الجانب السلبي لهذا النوع من الإنفاق، بالطبع هو احتمال تحول دول المنطقة المصدرة للنفط من وجود فائض هائل في الميزانية إلى عجز بسيط.

ووفقاً لبحث بول كروجمان عن اقتصاديات الركود، فإن هذا النوع من السلوك هو ما تحتاج الحكومات والبنوك المركزية إلى اتباعه. وهو يقول بشكل أكثر تحديداً “عندما تسود اقتصاديات الركود، فإن القواعد المعتادة للسياسة الاقتصادية يحال دون تطبيقها، وتصبح الفضيلة رذيلة، والحذر مخاطرة والتعقل حماقة”. وعلى هذا فإن الخوف من العجز الذي يعتبر سمة سلبية عندما يكون الأداء الاقتصادي جيداً يصبح تضحية ضرورية خلال الركود، وعلامة على سلامة السياسات الاقتصادية الكلية. ويقول إن نفس الشيء ينطبق على الاعتقاد بوجوب اتباع السياسة الإقتصادية بحذر. وفي حالة الركود، فإن الفاصل الزمني الذي يترتب على الحذر، قد يتسبب في نهاية المطاف في فشل تطبيق السياسة حيث قد تتحول ظروف  السوق إلى الأسوأ.

 ويبدو أن هذا التقييم ذو صلة بدول الشرق الأوسط خاصة، رغم أن الخصائص الاقتصادية المختلفة لكل دولة سوف يكون لها تأثير على كيفية تنفيذها للفهم الحالي لاقتصاديات الركود. وتمتلك الدول الرائدة في تصدير النفط، بما فيها المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي وغيرها من الدول، مثل ليبيا والجزائر، احتياطيات اقتصادية كافية للحفاظ على زيادة الإنفاق خلال أزمة مطولة. ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن الدول الأخرى ذات المجال المالي الأقل، بما فيها العراق وإيران والسودان واليمن، سيكون عليها تحديد أولوياتها أو خفض الإنفاق الحكومي والإعانات المالية.

بولا ميجيا – محررة المجلة للشؤون الاقتصادية.

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.