عبده النقيب: مرحلة ما قبل إسقاط نظام الإحتلال اليمني - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

قضايا

عبده النقيب: مرحلة ما قبل إسقاط نظام الإحتلال اليمني

شكلت إنتفاضة السابع من يوليو 2009 نقلة متميزة في مسيرة الثورة الجنوبية التحررية حيث خرجت الجماهير في كل محافظات الجنوب تصرخ منددة بالإحتلال وتهتف للإستقلال الجنوبي.

كانت الهتافات قد عكست تطلعات شعب الجنوب إلى استعادة حريته وهويته العربية خالية من الخوف والغموض. لا مكان اليوم بين الجماهير الجنوبية للحلول والمساومات.

خرجت الجماهير بأعداد غير مسبوقة في العاصمة عدن وفي الضالع وفي أبين وشبوه وحضرموت والمهرة وفي العديد من المديريات والقرى لتعلنه يوماً للغضب الجنوبي رداً على يوم اجتياح القوات الغازية اليمنية لأراضي الجنوب وعاصمته عدن قبل خمسة عشر عاماً، كانت الإنتفاضة القوية تشير إلى أنها مختلفة عن كل الإعتصامات والمهرجانات التي سبقتها وما أكثرها في السنوات الماضية.

هذه المرة بدت الإنتفاضة شاملة في مختلف المحافظات والمديرات حيث أن كل واحدة منها كانت مكتظة بالمشاركين تتحدى كل أنواع الأسلحة التي شاركت في قمع الإنتفاضة الجنوبية.

بدا الغضب والعزم والإصرار من قبل المشاركين ليس فقط في ترديد الشعارات التي تدعو إلى الإستقلال ورفع راية الدولة الجنوبية ورفع (يافطات) تدعو إلى استعادة الهوية الأصيلة لشعب الجنوب العربي الذي حاول الحزب الإشتراكي سلبه منه كما سلب منه حريته ودولته المستقلة في مؤامرة مايو 1990م.

إنتفاضة السابع من يوليو 2009م هي البداية للشرارة التي لن تنطفئ فالجماهير مستمرة تواجه وتجول في الشوارع وتقاوم الرصاص الحي والإعتقالات وأسلحة الموت والقتل معلنة أن هذه الإنتفاضة لم تعد مجرد تعبيراً عن الغضب في ذكرى أليمة هو يوم سقوط حاضرة الجنوب العربي – عدن – وعاصمته التاريخية بأيدي الزحف القبلي والهمجي المتخلف، بل أنها بداية لإعلان العصيان المدني والإستمرار في المواجهة السلمية حتى يسقط النظام ويتنفس الجنوب نسيم الحرية.

كان العالم كله يراقب عن كثب فقد خرجت وسائل الإعلام عن صمتها، فلم يعد بإستطاعتها تجاهل هذه الإنتفاضة لكنها تنقل صورة مشوهة وخاطئة عما يجري في محاولة أخيرة لتجاهل ثورة شعب الجنوب الفريدة التي طفت إلى السطح ولم تستطع أحزاب السلطة التي تدعي أنها معارضة كالحزب الإشتراكي اليمني أو ما يسمى بحزب(حوشي) – العدو الأول للجنوب وشعبه – وحزب الإصلاح المتأسلم المتطرف الذي يتبادل الأدوار مع حزب المؤتمر الشعبي في لعب دور المعارضة والسلطة لم يستطعا تبنى قيادة إنتفاضة الجنوب.

كذلك لم يعد بين وسائل الإعلام أو أحزاب ما يسمى باللقاء المشترك التزوير والإدعاء بأن مطالب الجماهير هي مطالب حقوقية تريد إصلاح النظام والقضاء على الفساد بل أن الدعوة لإستقلال الجنوب والحديث عن هوية الجنوب العربية المستقلة والتاريخ المستقل صار عنواناً لثورة الجنوب المشتعلة.

وفي مواجهة هذا التحول الذي بدا واضحاً، أن السلطة أضحت ومعها أحزاب اللقاء المشترك -الوجه الآخر لسلطات الإحتلال- تلهث وراء الجماهير الجنوبية ولا تستطع اللحاق بها، فكلما رفعت الأحزاب العميلة والمتعاونين مع الإحتلال شعار في محاولة لتبنى هذه الثورة ووأدها تكون الجماهير المتسلحة بالوعي قد رفعت شعارات أبعد وسقف أعلى.

فتلك الأحزاب المهترئة والعميلة كانت في يوماً ما تصف هذه الجماهير الثائرة بقطاع الطرق وأصحاب (الدكاكين) الصغيرة نراها اليوم تتباكى على الجنوب وتدعي أنه يعاني من الظلم والتمييز لكن الدعوات التي ترفعها الجماهير الجنوبية دعوات خطيرة وهدامة وأن إستقلال الجنوب لن يقف عن هذا الحد بل أن الجنوب واليمن سيتجزآن إلى دويلات وشظايا وأن البلدين ستدخلان في دوامة عنف سيمتد أثرة إلى المنطقة بأسرها.

هكذا تريد هذه الأحزاب أن تبرر وتشرّع لبقاء الإحتلال بهذه المخاوف المزعومة التي اختلقتها وتسوقها عصابة السلطة في صنعاء وتتجاهل حقيقة أن النظام بوضعه الحالي يذهب نحو الصوملة ليس بسبب قضية الجنوب بل بسبب الإنهيار الشامل والتفكك الذي أعترى هذه النظام المريض الذي دمر أي أمل لقيام مؤسسات وبناء دولة.

وربما نتساءل ما قيمة الوحدة والأحزاب التي لا تؤخذ في الإعتبار مصلحة الشعب بأكمله لا بل وتعارض تلك المصالح. يبدو أنهم لم يدركوا أن الشعب اليمني يعي ويرفض بأن يُقهر باسم الوحدة والقومية العربية.

إن إستقلال الجنوب الذي بات قاب قوسين أو أدنى لن يكون سبباً في إنتشار العنف وامتداد أثرة في المنطقة بل أنه سيكون ضربة وقائية لمنع إنتشار مثل هذا الفوضى والتفكك والعنف الذي بات حقيقة واقعة يزداد يوماً بعد يوم، ويغذيه النظام اليمني ويلعب به كورقة لإبتزاز بلدان الجوار والدول المانحة للحصول على المزيد من المساعدات التي تذهب إلى عصابة السلطة والفساد ولا تصل إلى المستهدفين من هذا الدعم.

وفي نفس الوقت يستخدم النظام هذه الورقة لمنع دول الجوار عن الإستنكار ضد الجرائم التي يرتكبها نظام الإحتلال اليمني بحق شعب الجنوب غير مدركين أنهم بسكوتهم هذا إنما يعطون الضوء الأخضر لهذه العصابة بإرتكاب المزيد من الحماقات والجرائم وتأجيج الوضع الذي بات خارجاً عن السيطرة وأنهم بعدم ضغطهم على هذا النظام لا يوقفون هذا التدهور الخطير والمخيف بل يدفعون الوضع بإتجاه إغلاق الأبواب أمام الحلول السلمية وفتح أبواب العنف على مصراعيها الذي لن يكون بمنأى عنه أحد في الجزيرة والخليج بدرجة أولى.

فاليمن اليوم ليس لديه ما يخسره فلا مجال للحديث عن الإستثمار والسياحة، فقد صار مزرعة للفقر والإرهاب يصول ويجول فيه الفساد والمتطرفين والمهربين لكل ما يخطر على بال وعلى أعلى مستوى يقود مؤسسات الدولة ويستخدمها بشكل مكشوف مطلق اليدين ليس له مثيل في أي بلد آخر.

وقد صار اليمن قاعدة تنطلق منها كل هذه الويلات بكل الاتجاهات وهي قد بدأت تتغوّل فعلاً على الحدود الجنوبية السعودية وفي خليج عدن التي عجزت دول التحالف بكل إمكانياتها عن مواجهة هذه الأخطار المحدقة.

وثمة سؤال يتعلق بهذه القضية: لماذا يتم على نطاق واسع تجاهل حقيقة أن الوحدة اليمنية المزعومة تم إعلانها دون استفتاء عام وواجهت الفشل منذ اللحظة الأولى. لقد حدث هذا عندما أخفقت المرحلة الإنتقالية المزعومة التي أعلن عنها ما بين 1990 و1994 في تحقيق التكامل بين البلدين ومؤسساتهما. ترى لمصلحة من يتم تجاهل ما يجري على مقربة من أهم المناطق حيوية للإقتصاد العالمي؟!!

لقد شهدت هذه الفترة موجة من الإغتيالات وسيطر فيها الصراع العنيف الذي أفضى إلى حرب شاملة بين الدولتين والجيشين استمرت 77 يوماً وانتهت بغزو القوات اليمنية أراضي الجنوب وتدمير كل مقدرات الدولة الجنوبية والإستيلاء على كل شئ عام وخاص كغنيمة حرب وكسياسة تمارس حتى هذه اللحظة.

لماذا يتجاهل العالم أن شعب الجنوب يقاوم هذه السياسية العنصرية التمييزية ونهج الإنفصال في الإقصاء والتدمير لكل ما هو جنوبي التي تمارس منذ يوم إعلان الوحدة في مايو 1990م.

أيضاً يتم تجاهل حقيقة أن هذه المقاومة قد تطورت وتراكمت حتى صارت معظم المناطق في محافظات الجنوب محررة ولا تستطع سلطات الإحتلال اليمني فرض سلطاتها سوى في العاصمة عدن بشكل أساسي وعواصم المحافظات بشكل محدود.

وبشكل متزايد تواجه اليمن صعوبة التأهل لأن تصبح دولة تضطلع بالمهام التي يتعين على مؤسساتها النهوض بها. والنظام يقمع أيضاً بوحشية المظاهرات السلمية حيث اعتقلت في 7 يوليو 2009 أكثر من 10 آلاف مواطن في مدينة عدن وحدها وأودعتهم الملاعب (والهنجرات) بعد أن اكتظت بهم السجون والمعتقلات والأقبية ومنعت عنهم الماء والغذاء والدواء والزيارات.

وبالرغم من الصعوبة التي تجدها وسائل الإعلام في ممارسة عملها في البلاد، فإنه هناك حتى تقارير لعمليات تعذيب مارستها قوات الأمن اليمنية.

وهناك سؤال آخر ينبغي طرحه وهو: لماذا يعتقد بعض الناس أن حل مشكلة الجنوب سوف يأتي من خارج البلاد. لقد أخفقت جميع التجارب والمحاولات السابقة في ترقيع وستر عورة هذا النظام الذي صار عارياً ولم تستره كل المساعدات التي قدمتها المؤسسات الدولية والدول المانحة والهبات الضخمة التي حصل عليها من دول الجوار ناهيك عن الثروات الوطنية المنهوبة من البلد نفسها.

وعلاوة على ذلك، يتعين على الجامعة العربية أن تقوم بدور أكثر فعالية في هذه الأزمة، ولا تنتظر تحركاً من قبل أي أطراف أو قوات دولية أخرى. تلك أمور باتت تقرع مسامعنا بقوة فهل يصغي العقلاء إلى صوت الشعب العربي في جنوب الجزيرة؟

عبده النقيب – سكرتير دائرة الإعلام – التجمع اليمني الديمقراطي الجنوبي (تاج).

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.