شباب الخليج ومواجهة تقاليد العنصرية والقبلية

هل تغير الزمن وأصبح المجتمع الخليجي الأسرع في تقبل التغيير؟ وإذا كانت الإجابة بالإيجاب، فما الأسباب التي أدت إلى ذلك؟ فالمعروف عن المجتمعات بصفة عامة والخليجي على وجه الخصوص ومنذ الأزل التمسك بنظرية مقاومة التغيير، وما شهده تاريخنا من رفض للعديد من مقومات التغيير سواء الإيجابية منها أو السلبية شاهد على ذلك، إلا أنه مع المرور السريع للزمن، وما لعبه الإعلام بكل وسائله من دور فاعل في انفتاح المجتمعات على بعضها البعض جعل من المتاح والسهل تداخل الثقافات، والبحث في ثناياها عن ما هو جديد أو مثير، بغض النظر عن الآثار المترتبة على هذا التداخل، ومع الوقت ومسيرة الزمن السريعة بدأنا نتخلى شيئًا فشيئًا عن نظرية مقاومة التغيير، واستحدثنا نظرية جديدة هي البحث عن التغيير.هناك من يرجع تقبل الخليجيين للتغيير إلى أن شريحة الشباب تشكل النسبة العظمى منه، وبالتالي دائمًا هذه الشريحة هي من تقود إلى التغيير. وما نراه اليوم من مطالبات الشباب بالانفتاح وإعطائهم المزيد من الفرص، ما هو إلا رغبة منهم في الخروج من روتين حياتهم ومن القوالب التي فرضها عليهم المجتمع، ليتمكنوا من تحديد رؤيتهم وأهدافهم بما يتناسب مع أفكارهم وطموحاتهم. خلال العقدين الماضيين وتحديدًا منذ أوائل التسعينيات الميلادية والتي تزامنت معها حرب الخليج الثانية (حرب تحرير الكويت)، تسارعت المجتمعات الخليجية نحو التغيير بشكل قد يكون مدهش حتى للمراقبين، وأصبحت هذه المجتمعات تنتقل من الضد إلى الضد بشكل أسرع. فهل هذا التغيير مستوعب؟ وهل المؤسسات المشرعة مدركة لهذا التغيير وبالتالي بنت خططها لتتواكب مع التغيير بشكل يساعد على انسيابيته لا أن يكون سببًا في التصادم؟ حقيقة الأمر قد تكون كثيرًا من المؤسسات بعيدة عن مواكبة هذا التعايش مما خلق نوعًا من التصادم أحيانا بين من يمثل الجيل الجديد وهم عشاق التغيير ومن يقاوم التغيير وهم الجيل القديم الذين ولفوا أمورًا أصبحت من المسلمات لا يرغبون في التخلي عنها، مما أدى إلى نوع من الفجوة بين الجيلين.المتابع لمسيرة التغيير في مجتمعنا الخليجي يجد أن أول سفراء التغيير كانوا أولئك الشباب الذين ابتعثوا للدراسة في الخارج وتحديدًا إلى الولايات المتحدة ودول أوروبا في الستينيات، وعادوا في بداية السبعينيات، تلك البعثات ساهمت بشكل أو بآخر في رقي المجتمعات الخليجية، بل أدت إلى نقلها من مجتمعات يغلب عليها الطابع البدوي أو النمط التقليدي إلى مجتمعات تحاكي العصر.

فهؤلاء الشباب بجنسيهم الذكري والأنثوي تعلموا اللغات الأجنبية، ونقلوا ثقافات الغرب الحميدة إلى مجتمعهم وكان لديهم نوع من الرقابة الذاتية في رفض ما لا يتوافق مع عاداتهم وتقاليدهم ويخالف مبادئ تعاليم دينهم حتى وإن كان شذ منهم. ساهم ذلك الاحتكاك بالمجتمعات الأخرى في إفادتهم لمجتمعهم عند عودتهم، فالبعض منهم استفاد من عادة النظام، التي تميز المجتمع الغربي مثلًا ونقلها إلى مجتمعه الخليجي الذي كان يوصف بـ "الفوضوي".ومع مرور الزمن، وفي الوقت الذي كانت في العائلة تعد للمليون قبل أن توافق على ابتعاث أبنائها وتحديدًا الفتيات للدراسة بالغرب، أصبح المجتمع يلهث في السعي وراء ابتعاث بناته للدراسة في الغرب، وأمام النجاح المبهر والعالمي الذي حققته بنات الخليج في الدراسة والعلوم والبحث والمعرفة بالغرب، ووصولهن إلى مراتب عالية من الشهرة، إلا أننا لا يمكن أن نتناسى آثار هذه البعثات على البقية، ولكن هذه ضريبة النجاح الذي نسعى إليه، ولابد أن نتقبلها.

 هذا هو التغيير الذي يفرض نفسه على مجتمعنا، شئنا أم أبينا، فإن لم نتكيف معه، فهو الذي يرفضنا، ولن تتاح لنا فرصة لرفضه.تختلف ردة فعل مجتمعنا الخليجي أمام مطالبة الشباب بفتح المزيد من أبواب الفرص أمامهم، ونعني هنا بالفرص، تلك التي تساعدهم على استخدام واستثمار أفكارهم بالطريقة التي يرونها صحيحة ومناسبة، والتخلي عن القيود والاعتقادات التي تُفرض عليهم وتجعلهم عبارة عن قوالب يصنعها المجتمع، قد يكون ذلك نتيجة خوف المجتمع من التغيير. إذ إن التغيير ومواكبة كل ما هو جديد هو من وجهة نظرهم فيه تخلٍ عن القيم الدينية والثقافية والعادات والتقاليد التي تمسك بها المجتمع منذ عقود. فعلى سبيل المثال ظل هاجس المجتمع الأكبر هو البطالة، ويبدأ معهم هذا الهاجس منذ أن يقوم الآباء باختيار التخصص الدراسي المناسب لأبنائهم، معتقدين أنهم أكثر منهم خبرة ودراية بما يناسبهم وما هو الأفضل لمستقبلهم، متجاهلين الرغبات والميول التي يمتلكها أبناؤهم، والتي إن استخدموها واستثمروها بما يناسبهم من توجهات وتخصصات فسيؤدي ذلك إلى اختصار الكثير من الجهد والوقت للوصول إلى ما يحملونه بداخلهم من آمال وطموحات للنهوض بالمجتمع ثقافيًا وعلميًا واقتصاديًا. وقد تختلف نظرة مجتمعنا الخليجي لسلوكيات الشباب، فمنهم من يتقبل التغيير الذي طرأ عليهم أخيرًا ويؤيده، ومنهم من ينظر إلى هذا التغيير مستنكرًا غياب بعض القيم والعادات والتقاليد التي تربى عليها، وقد يغفلون أن الشباب هم من يشكل الطاقة المحركة والقوة الذاتية التي لها دور كبير في عمليات النهوض والتقدم، سواء الاقتصادية أو الثقافية أو الاجتماعية، ومواكبة التغيير يعتبر من أهم العناصر التي تمكن الشاب الخليجي من الصعود والنهوض بهذا الدور والمساعدة على تقديم كل ما هو أفضل وجديد سواء على محيطه الضيق كعائلته وأصدقائه، أو على المجتمع بأكمله. خلاصة القول، أيهما سيفرض فلسفته على الآخر، هل ما يمثله الجيل القديم من أيديولوجية وأفكار يصفها الجيل الجديد بالقديمة والعائق أمام التقدمة والرقي أم أن أفكار التغيير ستطغى من خلال شريحة الجيل الجديد لتنتقل المجتمعات الخليجية من مجتمعات تقليدية يطغى عليها نوع من العنصرية والقبلية إلى مجتمعات أكثر انفتاحًا تسيطر عليها الحياة المدنية "المعصرنة" أكثر من الحياة التقليدية بأفكارها "الروتينية".


   

باحثة في مجال التنمية البشرية


اشترك في النقاش