فرصة ثانية لأوباما فيما يتعلق بقضية العرب وإسرائيل

مع بدء العد التنازلي لنهاية السنة الأولى من رئاسة أوباما، نجد أن عملية صنع السلام العربي الإسرائيلي قد تراجعت إلى حد كبير. وبالرغم من مجموعة الظروف الصعبة المتعلقة بهذه القضية، والتي من المؤكد أن الرئيس الأمريكي قد ورثها عن الرئيس السابق، فإن الإدارة الحالية قد ارتكبت بعض الأخطاء التكتيكية الكبيرة التي زادت من سوء الوضع. ولكن هذا لا يعنى بالضرورة حدوث خطأ فادح أو وجود أزمة كبيرة، كل ما هنالك أن مصداقية أمريكا قد ضعفت، إلى حد كبير، مع بداية عام 2010.

وأنا لا أستثنى الرئيس باراك أوباما من ذلك، بالرغم من اهتمامه بشكل كبير بعملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية، لأسباب ليست واضحة تمامًا. ولكن نظرًا لأولوياته الخاصة، والضعف والانقسام الموجود داخل صفوف الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء، فإنه من الصعب (إن لم يكن من المستحيل) بالنسبة له أن يتقرب لأحد الطرفين.

وباراك أوباما ليس جيمي كارتر فيما يتعلق بالتزامه، الذي يقترب من الهوس، بالقضية العربية الإسرائيلية. ولكنه كان الأسرع والأعلى صوتًا من سابقيه فيما يختص بهذه القضية.

ففي غضون أيام قليلة من تنصيبه، قام أوباما بتعيين جورج ميتشل، الذي يتصف بالاقتدار والحنكة، مبعوثًا خاصًا، ودعم بقوة حل الدولتين للشعبين، وبدأ في قرع طبول الحرب بشدة ضد النشاط الاستيطاني الإسرائيلي. كما أثار خطابه الذي ألقاه في القاهرة الكثير من الآمال والتوقعات. فقد أتى أخيرًا رئيس أمريكي يفهم و يقدر وجهة نظر العرب والمسلمين من القضية الفلسطينية.

ولكن الكلام بدون فعل يدعمه يتحول إلى مجرد كلمات جميلة جوفاء. وتذكرنا هذه الإستراتيجية التي تتبعها الإدارة الأمريكية الحالية بنهج مباحثات أوسلو الفاشلة، والتي كانت تعتمد على اتخاذ جميع الأطراف خطوات من أجل بناء الثقة. ومن ثم تتم مطالبة إسرائيل بتجميد المستوطنات، ومطالبة الدول العربية بالتطبيع الجزئي مع إسرائيل، ومطالبة الفلسطينيين بالعودة إلى طاولة المفاوضات. حيث من المفترض أن يؤدي كل هذا بشكل ما إلى إعادة إطلاق المفاوضات وإحراز تقدم بشأن القضايا الصعبة.

ولكن الإستراتيجية التي تتبعها الإدارة الأمريكية الحالية تتسم للأسف بالضعف الشديد، ناهيك عن عدم قيامها بممارسة أي نوع من الضغط لتحقيق أي شيء من هذه الأشياء. كما لم يستطع أي من الأطراف المعنية أن يفهم السياسة بشكل صحيح. وكان هذا واضحًا بصفة خاصة في الطريقة التي تعاملت بها الإدارة الأمريكية مع إسرائيل، حيث إن طلب الإدارة الأمريكية بشكل علني من رئيس الوزراء الإسرائيلي، خصوصًا عندما يكون رئيس الوزراء هو بنيامين نتنياهو، أن يعمل على تنفيذ سلام شامل وتجميد المستوطنات، بما في ذلك النمو الطبيعي للمستوطنات، وأن تتوقع الإدارة منه بعد ذلك أن يقبل تنفيذ هذا الطلب، فإن هذا يكشف عن سوء قراءة واضح للرجل وعصره.

وبحلول نهاية العام، تلقى الرئيس الأمريكي ثلاث إجابات بالرفض. فقد رفضت إسرائيل التجميد الشامل لبناء المستوطنات. ورفضت الدول العربية الرئيسية، مثل المملكة العربية السعودية، القيام بتطبيع جزئي. كما رفض محمود عباس العودة إلى طاولة المفاوضات. وعندما تقول القوى الصغيرة "لا" للقوى الكبرى من دون أن تخشى العواقب أو الثمن، فإن هذا يضر بشدة بسمعة القوة العظمى والتي تعد الأساس الحقيقي لنفوذها. فالحقيقة هي أن نجاح أمريكا في المفاوضات العربية الإسرائيلية، يعتمد على استجابة اللاعبين الإقليميين، التي تعود في جزء منها إلى أسباب خاصة بهم، وفى جزء آخر إلى أنهم لا يريدون أن يقولوا "لا" لأمريكا.

ومع إطلالة عام 2010، تحتاج بعض الحقائق المتعلقة بواشنطن والمنطقة إلى أن نواجهها بصراحة وصدق. فينبغي أن نقر أولًا بأن احتمال توصل بنيامين نتنياهو ومحمود عباس إلى حل ينهي النزاع بشكل قاطع، فيما يتعلق بقضايا الحدود والقدس واللاجئين والأمن، يبدو احتمالًا بعيدًا إن لم يكن خياليًا. كما توجد انقسامات عميقة بين حماس وفتح لن تستطع حتى المصالحة التكتيكية أن تعالجها. وإسرائيل ليس لديها مصلحة في تقديم تنازلات كبيرة من أجل تحقيق السلام مع 60 ٪ أو حتى 80 ٪ من الشعب الفلسطيني إذا كان الجزء المتبقي لديه بنادق وصواريخ ويمتلك القدرة على استخدامها.

وليس هناك اتفاق واضح بأي حال من الأحوال على الجانب الإسرائيلي حول الثمن الذي لدى إسرائيل استعداد لدفعه بشأن القضايا الجوهرية. فمن الممكن أن نتوقع أن تتفاوض الحكومة الإسرائيلية الائتلافية الحالية حول مسألة الحدود، ولكن من الصعب أن نتخيل قبول رئيس الوزراء الحالي تقسيم القدس. ومن المرجح أن يكون عام 2010 هو عام إيران، حيث تسيطر المخاوف الإسرائيلية من نجاح إيران في صنع سلاح نووي على عملية صنع القرار في إسرائيل.

وثانيا، فإن الرئيس باراك أوباما لديه الكثير مما يشغله في الداخل والخارج، بينما يتطلب تحقيق تقدم ملموس في العلاقات بين إسرائيل وسوريا أو إسرائيل والفلسطينيين وقتًا طويلًا وموارد كافية وجهودًا سياسية كبيرة لا يستطيع أوباما أن يقدمها الآن. فهو يخوض حربين في العراق وأفغانستان، ويحاول القضاء على أزمة البطالة، وكل هذا يحدث على خلفية انتخابات التجديد النصفي، التي من المقرر القيام بها في وقت لاحق من هذا العام، والتي لا تبدو مبشرة بالنسبة للديمقراطيين (على الأقل في الوقت الراهن)، و من ثم فقد لا تكون الظروف في الوقت الحالي مواتية لقيام أمريكا بإعطاء دفعة قوية لعملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية.

ومع ذلك لن تكف الإدارة الأمريكية عن المحاولة. وأعتقد أنهم سينجحون في جعل الأطراف تقوم باستئناف المفاوضات، وسيستتبع ذلك بدء العمل الحقيقي ومواجهة التحديات. وهناك دائمًا إمكانية حدوث انفراجة بين إسرائيل وسورية (وهى انفراجة يبدو تحققها سهلًا على الورق)، ولكن هذا سيتطلب اتخاذ قرارات كبيرة من قبل بشار الأسد ونتنياهو. وفي كل الأحوال، فإن المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية ستكون مهمة شاقة ولن تكون عملية سهلة. وسيتعين على الطرفين اتخاذ قرارات صعبة لا يرغبون حقيقةً في اتخاذها. وسوف تُضطر أمريكا إلى أن تشارك بشكل كبير فيما سيحدث.

آرون ديفيد ميلر - مستشار سابق لوزراء خارجية الولايات المتحدة من الجمهوريين و الديمقراطيين فيما يتعلق بالمفاوضات العربية الإسرائيلية. ويعمل حاليًا كباحث في السياسة العامة في مركز وودرو ويلسون الدولي للباحثين، والذي يقع في واشنطن. كما يقوم حاليًا بكتابة كتاب جديد يحمل عنوان "هل يمكن أن تحظى أمريكا برئيس عظيم جديد؟"


اشترك في النقاش