كيف تتعلم الهند وباكستان التعايش معًا؟

[escenic_image id="5514372"]

حمل أحد التقارير الأخيرة التي صدرت عن وكالة الأنباء الروسية برافادا عنوانًا يقول: "الحرب النووية المتوقع اندلاعها في جنوب آسيا". ومثل هذه القراءات المزعجة للسيناريو الأمني لدول جنوب آسيا ليست بالجديدة. ففي أي وقت تتوتر فيه العلاقة بين الهند وباكستان، مثلما حدث أخيرًا في أعقاب شن هجوم على البرلمان الهندي والهجوم الإرهابي في مومباي 2008، تكثر السيناريوهات الكارثية وتُحتبس أنفاس العالم.  

وثمة مخاوف يحملها الدبلوماسيون الغربيون وتروج لها الأروقة الإعلامية تتعلق بوقوع محرقة نووية. فقدرات الهند وباكستان النووية يمكن أن تكتسح عدة ملايين من البشر في غضون دقائق معدودة. وهناك تاريخ من الصراع بين البلدين. ففي أعقاب عملية انقسام عنيفة وقعت في عام 1947، وتسببت في تشريد ما يزيد على عشرة ملايين شخص وأحدثت تدميرًا على نطاق واسع، خاضت الدولتان أربع حروب. إذن هل المبالغة بشأن إمكانية نشوب حرب نووية جنوب آسيوية بمثابة وهم مبالغ فيه يخوض فيه الصحفيون الذين يشعرون بالملل والدبلوماسيون الذين يسعون لغرس الخوف؟ ثمة ثلاثة أسباب تفسر كون هذا السيناريو الكارثي بمثابة وهم ليس أكثر، إلا أنه لا يزال يتم المبالغة فيه.

فأولًا، عناصر المعارضة المحلية تستغل بقوة الطبيعة التفجيرية للعلاقات الثنائية بين البلدين كي تعزز المكاسب السياسية السريعة. فعلى الجانب الهندي، بعد إلقاء اللوم عن كل هجوم إرهابي كبير على المتشددين عبر الحدود، سعيًا للحصول على الدعم، ينادي القوميون الهندوس بالرد الذي يتراوح بين الهجوم بالصواريخ على المعسكرات الإرهابية الباكستانية وشن حرب نووية واسعة النطاق. لكنه بمجرد أن يسيطر حزبهم على الحكومة، يتخلون على الفور عن هذا الخطاب الانتهازي والتحريضي.

وثانيًا، فإن القدرات النووية لكلا البلدين أدت إلى نشوب حرب باردة محدودة في جنوب آسيا، مع حدوث مأزق بسبب الدمار المؤكد الذي يمكن أن يحدث على كلتا الجبهتين. ومن ثم فإنه ليس هناك الكثير مما يحفز أيًا من البلدين للضغط على الزر الأحمر وتشير الأبحاث الأخيرة إلى أن المسئولين عن القيادة والسيطرة أكثر حذرًا وعقلانية بالفعل مما كان يفترض في السابق. 

وأخيرًا، فإن هناك أيضًا اهتمامًا كامنًا لدى القوى الكبرى الأخرى بالمبالغة في احتمالات نشوب حرب نووية. وادعاء برافادا أن الأمر يرجع إلى روسيا والولايات المتحدة لإجبار الهند وباكستان للدخول في حوار ليس من قبيل الصدفة البعيدة عن أي نوايا سيئة. فكل من موسكو وواشنطن وقد انضمت الصين إليهما أخيرًا مهتمة باستكشاف أي فرصة متاحة للتدخل في منطقة تم اعتبارها لوقت طويل أنها بمثابة الفناء الخلفي الإستراتيجي للهند.

تقارب بطيء ولكن بإيقاع ثابت

 وقد اشتكى أحد محرري الهند المعروفين ويدعى إى جى أكبر، في معرض تعليقه أخيرًا على العلاقة بين البلدين المتخاصمين قائلًا: "نحن لسنا جيرانًا، بل عالمان مختلفان أشد الاختلاف". بيد أن الاتجاهات الحالية تشير إلى حقيقة مختلفة، حيث أصبحت الهند وباكستان، وللغرابة الشديدة، تتبادلان أشياء أخرى عبر الحدود بينهما أكثر من مجرد الاتهامات المعتادة والإرهابيين وإطلاق النار.

فوفقًا لتحليل سياسي موجز قام به أخيرًا معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، ارتفعت التجارة بين الهند وباكستان من 300 مليون دولار في عام 2003/2004 إلى أكثر من 2 مليار دولار في العام الماضي، أو ما يقرب من 5 مليارات دولار لو أدرجنا التجارة غير الرسمية بينهما عبر منطقة الشرق الأوسط. وبينما تغري الفرص الاستثمارية الجذابة في باكستان مجالات البنية التحتية والرعاية الصحية والترفيه في الهند، فإن الشركات الباكستانية قد أصبحت موجودة الآن أيضًا في كل النواحي التجارية الرئيسية في الهند.

ويأتي هذا كنتيجة مباشرة للحوار الشامل، وهو عملية من التشاور المتبادل تم وضعها في عام 2004. وقد أدت هذه العملية إلى اتخاذ مجموعة من الإجراءات المتعلقة ببناء الثقة التي لم يسبق لها مثيل، حيث تم تخفيف إجراءات منح التأشيرات، كما تم فتح معابر جديدة تشمل السكك الحديدية والطرق والطيران عبر الحدود في كشمير والبنجاب وراجستان، وإعادة تنشيط الاتصالات التي ظلت متوقفة على مدى عقود، كما تم السماح في بعض الحالات للعائلات بإعادة جمع شملهم بعد نصف قرن من الزمان.

.
وقد أدى هذا على المستوى الرسمي إلى تنفيذ العشرات من المعاهدات الجديدة وآليات التشاور، بما في ذلك الجولة الثانية من اجتماعات الخبراء، والخطوط الساخنة "الجديدة" بين جهات عليا عسكرية ودبلوماسية. وتتبادل الهند وباكستان الآن الأسرى بانتظام. وحتى على المستوى الأمني الحساس، فقد وضعت دلهي وإسلام أباد آلية مشتركة لمكافحة الإرهاب وتبادل قوائم المنشآت النووية للحد من مخاطر اندلاع حرب غير مقصودة.

المجتمع المدني يتولى زمام الأمور

 ومع ذلك، يمكن العثور على أكثر القوى نفوذًا في المجتمع المدني. ولم تمح أربع حروب وخمسون عامًا من الكراهية المتبادلة مشاعر الملايين من الناس، حيث يشعرون بأن تقسيم عام 1947 يمثل "خطأً تاريخيًا جسيمًا".

وهذا ينطبق على كبار السن والأجيال الشابة على السواء. وبالنسبة لمن لا يزالون في السلطة، تربطهم "بالجانب الآخر" علاقات أكبر من استبعادهم له أو القضاء عليه: فالرئيس الباكستاني السابق برويز مشرف وُلد في نيودلهي، ووُلد كل من رئيس وزراء الهند الحالي وزعيم المعارضة فيما يعرف اليوم بباكستان.

وفي المقابل، بالنسبة للأجيال الشابة تعتبر صدمات الماضي بعيدة وغامضة جدًا لدرجة تعرقل تحديد المسار المستقبلي لمنطقة جنوب آسيا، وتعتبر الوعود بالثروة المادية والحراك الدولي والتدفق الثقافي الحر أكبر جاذبية بكثير من مواجهة عدو مسلح نوويًا في خندق متجمد بجبال الهيمالايا.

وهكذا، بينما شغلت حمى "بوليوود" الطبقة الوسطى الباكستانية في لاهور وكراتشي، تقوم فرق روك باكستانية مثل "جنون" أو "فزون" أو سترنجز" بجولة في الهند بنجاح الآن وتكتسب الآلاف من المشجعين الجدد بين شباب المناطق الحضرية نيودلهي وبومباي وبنجالور، وتؤدى عروضها في كثير من الأحيان في بيئة مثل "وودستوك" تقوم على أساس مبدأ "اصنع السلام وليس الحرب".

وفي الرياضة، يستمر التنافس المحموم في لعبة الكريكيت، ولكن يتنافس الرياضيون من باكستان والهند الآن جنبًا إلى جنب في مسابقات عبر الحدود الوطنية مثل البنجاب. وتكونت مبادرات مثل أصدقاء بلا حدود، حيث يتبادل الآلاف من الأطفال من باكستان والهند الرسائل بانتظام، كما تبشر هذه المبادرات بإحداث تغيير جذري في الأفكار المشتركة. وتشجع المشروعات الإعلامية مثل مجلة "هيمال" الجنوب آسيوية، والتي تصدر من كاتماندو، وتشجع الهنود والباكستانيين على النظر إلى شبه القارة نظرة شاملة، بما يتجاوز النظرة الأبدية للنزاع الثنائي.

وبدأ الجدل للتو

والتقارب ليس كافيًا؛ فالهند وباكستان في حاجة إلى وجود رؤية لتحريك الحوار بينهما إلى الأمام. وهناك بوادر مشجعة على كلا الجانبين. فبعد أن تم انتخاب رئيس الوزراء الهندي مانموهان سينغ في عام 2004، ظهرت مجموعة مؤثرة من الوظيفيين الجدد في الهند الذين يدعون إلى التكامل الإقليمي. و كانوا وراء إنشاء رابطة جنوب آسيا للتعاون الإقليمي في عام 1985. وكانوا رأس الحربة في الحوار الشامل، الذي تم فيما بعد عام 2004، حيث كان لديهم اعتقاد بأن  نيودلهي ستربح الكثير في حالة وجود باكستان مستقرة وصديقة، ويمكن تحقيق ذلك من خلال التكامل الإقليمي ويتضح ذلك في تصريحات سينغ " برفع القيود عن الحدود".

وعلى الجانب الباكستاني، يبدو أن  هناك نظرة جديدة للأمور حيث بدا لهم واضحًا أن التعاون مع الهند ليس مجرد اختيار، بل ضرورة لمكافحة الإرهاب الذي يُنظر إليه الآن على أنه "عدو مشترك". ويعتبر اقتراح الرئيس الباكستاني زارديري الذي صرح به أخيرًا خطوة في الاتجاه الصحيح والذي يشير إلى أن الهند يجب أن تصبح جزءًا من مجموعة أصدقاء باكستان الديمقراطية.

ومع ذلك، فإن جيل الشباب هو الذي سيقرر إلى أي مدى ستتمكن كل من الهند وباكستان من التعايش معًا في جنوب آسيا. ومن الواضح أنهم مستعدون لقبول التحدي. ففي عام 2007، شهد منتدى المصالح الوطنية الهندية وهو أحد المنتديات الشابة في الهند وأكثرها نشاطًا من الناحية الإستراتيجية جدلًا حادًا بشأن مدى إمكانية إعادة توحيد الهند وباكستان. والحقيقة أن مثل هذا السؤال الاستفزازي تتم مناقشته الآن علنًا من كلا الجانبين ويشير إلى وجود استعداد لنقل العلاقة من مستوى العداء إلى مستوى الصداقة.


اشترك في النقاش