الوثيقة تعتبر الإختلاف مع السياسة الإيرانية جريمة

من يقرأ الوثيقة السياسية الحديثة لحزب اللـه لأول وهلة، قد يخلص إلى الانطباع بأن الحزب تراجع في أفكاره وأهدافه ومنطلقاته الأيديولوجية التي عرفه بها الرأي العام العربي على مدى السنوات الماضية، أو أنه تخلى عن منهجه في المفاصلة، والاستعلاء في علاقاته مع محيطه الخارجي لبنانيًا كان أو عربيًا أو حتى إسلاميًا، وأصبح بدلًا من ذلك أقرب إلى الرغبة في الاندماج داخل الإطار العام الذي تعمل فيه القوى السياسية الأخرى مع كل ما يرتبه ذلك من اعتدال في السياسات المنتظرة للحزب. ويرجع هذا الانطباع إلى ما تتسم به صياغة الوثيقة من لغة هادئة ومتوازنة نسبيًا ومن منحى توثيقي وانفتاحي على الآخرين، وكذلك لاختفاء النزعة الطائفية من الوثيقة والدعوة إلى وحدة العمل الإسلامي خصوصًا بين السنة والشيعة.. ولكن  القراءة المتمعنة في مضمون الوثيقة تقود إلى استنتاج متناقض تمامًا، حيث لم يغير الحزب بالمرة من منطلقاته الفكرية ولم يتراجع عن أهدافه الأساسية، وكل ما حدث أن الحزب أجرى بالفعل تغييرًا في الإستراتيجية بهدف التكيف مع متغيرات لبنانية وعربية ودولية من ناحية، وإحكام هيمنته السياسية على مجمل الأوضاع في المنطقة  العربية من ناحية أخرى، وبالقدر الذي يرسم صورة جديدة للحزب في أذهان الرأي العام العربية بأنه البديل السياسي الوحيد لها في المستقبل من ناحية ثالثة .

لم يكن جديدًا أن يعيد الحزب تكرار مفاهيم معروفة في تراثه القديم مثل؛ الصدام مع ما يسميه الحزب قوى "الاستكبار العالمي والدفاع عن قوى المستضعفين في الأرض"، ولا أن يؤكد الحزب مجددًا أن أعداءه هم قوى التسلط والاستكبار الأمريكية والإسرائيلية، ولا الإشارة إلى مشروع الهيمنة الغربي والرأسمالية المتوحشة والعولمة، ولا إلى أن المقاومة هي الخيار الوحيد الناجع لإحراز الانتصار على كل هذه القوى. وقد أسهب الحزب ـ كالعادة ـ في بيان تطور قوى الاستكبار وما تخطط له من مشروعات للسيطرة على المنطقة العربية، ودور إسرائيل في هذه المشروعات، كما أسهب في الإشادة بنجاحات المقاومة التي خاضتها ضد إسرائيل سواء في عام 2000 أو 2006.

ولكن استعراض الحزب لنشاطه طوال السنوات الماضية، وكما يعتبره نتائج بالغة الأهمية لهذا النشاط عسكريًا كان أم سياسيًا، وتشخيصه لطبيعة التحديات الجديدة في المنطقة دفعه، إلى بناء إستراتيجية جديدة أهم معالمها؛ نظرته إلى المقاومة التي يقودها الحزب، ومن ثَم دور الحزب مستقبلًا، والتي تتلخص في أن المقاومة لم تعد في تقديره قيمة وطنية لبنانية، وإنما أيضًا قيمة عربية وإسلامية وصفها بأنها متألقة، وزاد على ذلك بأنها أصبحت (اليوم) قيمة عالمية وإنسانية يجرى استلهام أنموذجها والبناء على إنجازاتها في تجارب وأدبيات كل الساعين من أجل الحرية والاستقلال في شتى أنحاء المعمورة - على حد تعبيره. 

الحزب ينقل نفسه من المنطلق اللبناني المحلي إلى المنطلق العالمي باعتباره نموذجًا لكل المستضعفين في الأرض، ويفتح مجالات الحركة إلى أفق واسع غير محدد ليعطي لنفسه حرية العمل في أي مكان وأي توقيت. تقول الوثيقة: "من الواضح أنه لا مجال اليوم لقيادة أي صراع في أي منطقة من مناطق العالم إلا من منظار إستراتيجي عالمي، فالخطر الأمريكي ليس خطرًا محليًا أو مختصًا بمنطقةٍ دون أخرى، و بالتالي فإن المواجهة لهذا الخطر الأمريكي يجب أن تكون عالمية أيضًا". ولا تخفي الوثيقة الإشارة إلى ما تراه تأكيدًا لنجاحات منهج وسياسات الحزب على الصعيد العالمي، عندما تتحدث عن "الثورة المضادة لأمريكا" داخل بعض دول أمريكا اللاتينية.

 وفي موضع آخر لا تتردد الوثيقة من الإشارة إلى أن اعتبارات عولمة الحزب والمقاومة التي يقودها تسمح لها بأن تتدخل في كل شئون المنطقة العربية، تقول:" لا تجد المقاومة غضاضة في تعميم فوائد الاستفادة من خيار المقاومة، بحيث يطال مختلف المواقع العربية، ما دامت النتائج تندرج في إطار معادلة إضعاف العدو وتصليب الموقف العربي".

توسيع الهيمنة السياسية للحزب في المنطقة بدعوى أنه البديل الأفضل لقيادة الشعوب العربية، تعتمد على تعضيد النموذج الإيراني وإعادة تصديره إلى المنطقة. وتكاد الصياغة الجديدة لسياسة الحزب تكون رؤية معاصرة أو جديدة للخومينية، هي أقرب إلى رؤية  أحمدي نجاد، رئيس إيران. وترى الوثيقة أن الاختلاف مع السياسة الإيرانية المعاصرة جريمة في حق من يطالب بها من العرب، وأنها تنَكُر للمصلحة العربية ذاتها. تقول:" إن اختلاق التناقض مع الجمهورية الإسلامية  في إيران من قِبل بعض الجهات العربية يمثل طعنًا للذات وللقضايا العربية، ولا يخدم سوى إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية".

ولا تستقيم هذه الهيمنة ولا عالمية الحزب والمقاومة التي يقودها مع الطرح المعتدل والهادئ الذي تتحدث به الوثيقة عن الأوضاع اللبنانية ولا مع الطرح اللبناني الديمقراطي الذي؛ تتناول به حاضر ومستقبل هذه الأوضاع، ولا تستقيم مع ما تشير إليه الوثيقة من حرص على التوافق العربي ومنع الفرقة، ومن منحى تكرر كثيرًا للعمل مع الحكومات العربية، وهى المعاني التي يمكن أن توحي بأن الحزب أصبح أكثر قبولًا بالأوضاع العربية القائمة، وعازفًا عن حمل لواء التغيير في المنطقة.

 ومن جهة أخرى، فإن المقاومة التي تطرحها الوثيقة غير محددة المعالم.. صحيح أنها تشير في جانب منها إلى دور الحزب بجانب الجيش اللبناني في ضرورة تحرير بقية الأراضي اللبنانية من إسرائيل، ولكن الوثيقة تتحدث عنها بوصفها خيارًا وحيدًا لكل الشعوب العربية لحل قضاياها. وهنا لا تشير الوثيقة إلى ما إذا كانت المقاومة مسلحة أم غير مسلحة بهدف تحرير الحزب من أي قيود مستقبلية في توجيهه للشارع العربي والإسلامي.

الحزب بوثيقته السياسة لا يريد صدامًا عاجلًا مع الأطراف اللبنانية ولا مع إسرائيل وأمريكا،  "المعركة صعبة ودقيقة، وهى معركة  ذات مدى تاريخي، وهى بالتالي معركة أجيال وتستلزم الاستفادة من كل قوة مفترضة"، كما لا يريد صدامًا مباشرًا مع الحكومات العربية. ولكنه يضع إستراتيجية  طويلة المدى للهيمنة على إرادة الشعوب العربية والسيطرة على الشارع السياسي مستندة إلى إزكاء الشعور الديني.

د. عبد العاطي محمد – رئيس تحرير الأهرام العربي

 


اشترك في النقاش