الجديد في الوثيقة أنه لا تخوين ولا تهديد أو ابتزاز

في إشارة إلى اهتمام "حزب اللـه" اللبناني بنشر خطابه السياسي العام إلى أوسع فئة ممكنة من اللبنانيين والعرب، تولّى أمينه العام السيّد حسن نصر اللـه شخصيًا في 30 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009، إذاعة الوثيقة السياسية التي أقرّها المؤتمر العام الأخير للحزب، والتي تضمنت الإطار الفكري والسياسي الذي يحدد رؤيته للوضعين ـ العالمي والعربي ـ وللدولة اللبنانية، في مرحلة سياسية وصفتها الوثيقة بـ "الاستثنائية وحافلة بالتحولات"، وقد حصرتها الوثيقة بين مسارين متناقضين: "مسار المقاومة والممانعة في طوره التصاعدي الذي يستند إلى انتصارات عسكرية ونجاحات سياسية، ومسار التسلط والاستكبار الأمريكي - الإسرائيلي بأبعاده المختلفة وتحالفاته وامتداداته، والذي يشهد انهزامات عسكرية وإخفاقات سياسية (ص 3)". في بروز مستغرب للتحليل الماركسي لا الديني للصراع مع الولايات المتحدة الأمريكية كخط أساسي يتفرع عنه ومنه الصراع مع إسرائيل.

بداية.. يجب الاعتراف بأن "لغة" الوثيقة حملت دلالات مهمة لا ينبغي إغفالها. فللمرة الأولى منذ مدة، يقدم "حزب اللـه" خطابًا لا تخوين فيه، ولا تهديد أو وعيد، فالوثيقة لم تلجأ إلى ابتزاز "فائض المقدس" الذي يُجهض سلفًا أية مقاربة نقدية لها، كما أنها لم تستحضر العنف اللفظي أو التهويل الخطابي الذي طبع خطابه ردحًا من الزمن.

ويسجل للوثيقة – بحسب بعض من علّق عليها - أنها عكست انخراط الحزب في الحياة السياسية الداخلية أسوة بالأحزاب والتيارات السياسية الأخرى، على صورة تغاير تلك التي رسمها لنفسه قبل 25 عامًا يوم أعلن رسالته المفتوحة في 16فبراير /شباط 1985، متوجهًا إلى "المستضعفين في لبنان والعالم، بأننا أبناء أمة "حزب اللـه" التي نصر اللـه طليعتها في إيران، نلتزم بأوامر قيادة واحدة حكيمة تتمثل بالولي الفقيه".

ثمة من يقول: إن جلّ ما قدمته الوثيقة ما هو إلا تلخيص وتثبيت "نظري" لما سبق أن مارسه "حزب اللـه" عمليًا من مواقف منذ العام 2006، وجاء اتفاق الدوحة (2008) ليُشَرْعِن معظمه. لكن ثمة من يذهب أبعد من ذلك بالسؤال ما إذا كانت طبيعة "حزب اللـه" وارتباطاته ووظائف سلاحه تسمح له بـ "التلبنن" على طريقة الأحزاب اللبنانية ومثالها، أو وفق ضوابط وأطر العملية السياسية والدستورية في لبنان، خصوصًا وأنه حافظ على مدى زمني معقول على ثنائية الحضور داخل السلطة والمحافظة على استقلالية قراره العسكري والأمني والمالي والمؤسساتي خارج إطار الدولة، أو في إطار أوسع من إطار الدولة بحدّ ذاتها بما يصعّب عليه"العودة" للتموضع داخل الدولة. وهنا تبرز أسئلة من مثل: هل شخّص "حزب اللـه" مصلحته راهنًا بالاتجاه نحو اللبننة، وماذا لو حصل "تزاحم مصالح" ما بين الاعتبارات اللبنانية وتلك الإقليمية؟ هل بات الحزب في منزلة يقرر فيها منفردًا رسم إستراتيجيات كبرى تتصل بمسار الصراع والمصالح الكبرى بمنأى عن الحسابات الإيرانية والسورية؟

يشكل الفصل الثاني المتعلق بلبنان جوهر الوثيقة، وفي بنده الأول يؤكد الحزب انتماءه الوطني، فلبنان الذي هو "وطننا ووطن الآباء والأجداد"، يريده الحزب "واحدًا موحدًا، أرضًا وشعبًا ودولةً ومؤسسات"، ويرفض "أي شكل من أشكال التقسيم أو الفدرلة"، بل ويريده "سيدًا حرًا مستقلا عزيزًا كريمًا منيعًا قويًا قادرًا، حاضرًا في معادلات المنطقة"، لكنه في المقابل، وهنا يبدأ التمايز، يرى شروطًا لقيام واستمرار وطن من هذا النوع لخّصها بأن تكون له "دولةٌ عادلةٌ وقادرةٌ وقويةٌ، ونظامٌ سياسيٌ يمثّل بحق إرادة الشعب وتطلعاته إلى العدالة والحرية والأمن والاستقرار"(ص 12)، ما يعني وفق مفهوم المخالفة أن هذا الوطن المتخيل غير متحقق، وأن اللبنانيين بالرغم من تجربتهم السياسية والاجتماعية والحزبية الممتدة لأكثر من ستين عامًا كانوا مخدوعين بما افترضوه وطنًا وبما ظنوه مؤسسات وممارسات سياسية ودستورية وقضائية وإدارية.

في البند الثاني الخاص بموضوع المقاومة، تؤكد الوثيقة حقيقة يشترك في تقريرها كل اللبنانيين، وهي أن إسرائيل "تمثل تهديدًا دائمًا للبنان - الدولة والكيان - وخطرًا داهمًا عليه (ص12)"، وتنتقل بعدها للقول إن انتصار المقاومة "أسّس لمرحلة جديدة في المنطقة عنوانها محورية المقاومة دورًا ووظيفةً (ص14)، معلنة أن "هذه الوظيفة ضرورةٌ وطنيةٌ دائمةٌ دوام التهديد الإسرائيلي(ص 14)"، مكررة اقتراح صيغة دفاعية سبق لقادة الحزب عرضها وتقوم على "المزاوجة بين وجود مقاومة شعبية وجيش وطني"(ص15).

ونحن إذ نقرأ وثيقة "حزب اللـه" نكون أمام مفردتين أساسيتين: الوطن بركنيه المجتمع (بطبيعته التعددية) والدولة (بطبيعتها الدستورية الميثاقية)، ومفردة المقاومة كتجربة يريد الحزب تعميمها وتأبيدها، لكن استمرار التباين اللبناني حول مسألتي السيادة – الاستقلال، والمقاومة – التحرير، يتصل بطبيعة الصيغة اللبنانية وموجباتها، كما يتصل بظروف نشأتها وتطورها. فالصيغة اللبنانية قامت، قبل نشوء دولة إسرائيل، على ميثاق وطني يعترف بحق المجموعات الطائفية المؤلفة للكيان في أمرين أساسيين: مشاركتها جميعًا في إدارة الدولة ضمن توازن معلوم بين المسلمين والمسيحيين؛ وحق كل مجموعة في التعبير عن خصوصياتها الثقافية، شرط التزام وحدة المشروع السياسي اللبناني واستقلال الجمهورية. وكان مفهومًا عند قيام الميثاق أن على اللبنانيين، حينها، اعتماد نظرة اعتدالية إلى كل من العروبة والوطنية اللبنانية؛ فلا إفراط في أي منهما ولا تفريط. كما كان مفهومًا أنه لا يجوز لأي طرف من طرفي العقد الوطني أن يأخذ البلد إلى خيارات مصيرية من دون رضا الشريك. وهذا هو جوهر الخلاف اللبناني حول مشاريع المقاومة منذ عقود وإلى يومنا هذا.

لكن الظروف التاريخية – السياسية – الثقافية التي اكتنفت موضوع "المقاومة المسلحة" في لبنان جعلت من مسألة توفير إجماع لبناني حول المقاومة أمرًا مستحيلا، حتى وإن كان موضوعها تحرير أرض لبنانية من الاحتلال الإسرائيلي، لا سيما حين تكون مرجعية المقاومة غير لبنانية (فلسطينية أو سورية أو إيرانية..). وإذا كان اتفاق الطائف (1989) قد شكّل نهاية فعلية للحرب اللبنانية في بُعدها الأهلي، وبداية – نظرية – لعودة الدولة، فإن تطبيقهً بما يناسب احتياجات أطراف محلية وإقليمية أعطت كل الذرائع لاستمرار مشروع المقاومة مشروعًا مستقلاً عن الدولة، ومتوازيًا معها، بشكل قلّص إمكانية مقاربة مسألة المقاومة من منظور دستوري أو ميثاقي، وجعله مفتوحًا على المصالح، ما كان منها مشروعًا في أصله كتحرير الأرض أو غير مشروع كاستخدامها أداة في الساحة اللبنانية لمصالح واعتبارات غير لبنانية.

إن قراءة وثيقة "حزب اللـه" في نظرتها إلى وظائف المقاومة، تبدو وكأنها علّقت انخراط الحزب بالعملية السياسية وركونه إلى نتائجها ومقتضياتها، بإقامة الدولة "العادلة والقوية"، لكن ذلك، إن حصل وهو مستبعد، يحيل إلى بحث آخر يتصل بالتطابق البنيوي بين "الحزب" و"المقاومة"، الذي شكل ميزة تفاضلية لجهة تزخيم العمل المقاوم أثناء الاحتلال، وأصبح (التطابق) معوَّقًا للتكيف المطلوب بعد زوال الأسباب المباشرة لعمل المقاومة، أي الاحتلال المباشر ومع وجود قرارات دولية تؤمن سلوك طرق أخرى لتحرير ما تبقَّى من أرض لبنانية محتلة. هذا فضلاً عن المعاندة التقليدية التي تبديها أية بنية عسكرية – أمنية، في عملية الانتقال نحو الحالة المدنية.

إن السؤال المفيد بهذا الصدد ليس ذاك الذي يدور حول وجوب أو عدم وجوب التحول إلى اللبننة، بل حول "إمكان" هذا التحول. والمراد بالتأكيد هو التحول الطوعي أو شبه الطوعي، لا القسري. على أن "الطوعية" هنا ليست بالضرورة اختيارًا كامل الأوصاف، ولا نوعًا من الإرادوية، بقدر ما هي ضرب من الواقعية ونأيٌ عن المعاندة. حيث يبدو أن الحزب قرر المُضي في هذه العملية الملتبسة الأهداف والغايات.

في الإجابة عن هذا السؤال ثمة تقديران مختلفان: الأول شديد التشاؤم، يذهب إلى القول بانعدام إمكان التحول، لأن "لبننة" حزب اللـه تعني أن ينزع جلده، وشيئًا كثيرًا مما تحت الجلد، فضلاً عن "تمرُّده" على وليّ الأمر، ما يحمل هذا البعض على الظن القوي بأن الحزب صائر إلى "الدخول في زجاج الحالة اللبنانية".لكن ثمّة من يميل إلى التفاؤل بإمكان التحول، مع الإقرار بصعوبته؛ وذلك استنادًا إلى ثلاثة معطيات، الأول: إمساك القيادة ذات السمة البراجماتية بناصية الحزب، قاعدةً وكوادر أساسية، من طريق "التكليف الشرعي – السياسي" الذي يأتي على رأس آليات تنظيمية أخرى تدرَّجت في مركزيتها على مراحل، فانتقلت من "أمة الحزب" إلى "حزب الأمة" إلى تلك الحالة الشائعة في الأحزاب العقائدية العربية، وهي حالة "حزب الأمين العام". هذا المعطى، مدعَّمًا بواقع "الإعالة"، من شأنه أن يجعل التحول ممكنًا، بأقل قدر من المساءلة والمخاض الداخليين. الثاني، هو المعطى الخاص بالحالة اللبنانية، بما هي منظومة ثقافية – سوسيولوجية – توليفية – تسووية – نزَّاعة بطبيعتها إلى الاعتدال. فهي، على هشاشتها الظاهرية وطواعيتها، تُقوْلِب (بكسر اللام) أكثر مما تُقوْلَب (بفتح اللام). الثالث، هو المعطى الجيوبوليتيكي العنيد (اتجاه وتوازنات الوضع الإقليمي – الدولي) الذي يكتنف الحالة اللبنانية.

وفي البند الرابع، شددت الوثيقة على بناء العلاقات اللبنانية – الفلسطينية "على أُسس صحيحة ومتينة وقانونية تراعي موازين الحق والعدل والمصالح المشتركة"، بما في ذلك "إعطاء الفلسطينيين في لبنان حقوقهم المدنية والاجتماعية، بما يليق بوضعهم الإنساني ويحفظ شخصيتهم وهويتهم وقضيتهم(ص18-19 )". وبعيدًا عن إنشائية هذه الفقرة ومضمونها المكرر جدًا، يبرز سؤال – لعله مكرر أيضًا- ماذا قدّم "حزب اللـه" بعد مرور 17 عامًا على انخراطه في مؤسسات النظام في لبنان، أي الدخول إلى البرلمان، وما يزيد على أربع سنوات على دخوله السلطة التنفيذية، من مبادرات في موضوع تحسين ظروف عيش اللاجئين في لبنان؟

وإذا كانت إشارة الوثيقة إلى "ضرورة التمسك بالعلاقات المميزة بين لبنان وسوريا بوصفها حاجةً سياسيةً وأمنيةً واقتصاديةً مشتركةً، تُمليها مصالح البلدين وموجبات الاستقرار اللبناني(ص 20)"، مفهومة الخلفيات، فإن حديثها عن "أهمية التعاون بين الدول الإسلامية في المجالات كافة"، معتبرة أن "إيران الإسلام دولةً مركزيةً مهمةً في العالم الإسلامي"، وأن "اختلاق التناقض مع الجمهورية الإسلامية من قِبَل بعض الجهات العربية يمثّل طعنًا للذات وللقضايا العربية، ولا يخدم سوى "إسرائيل" والولايات المتحدة الأمريكية(ص 21-22)"، محل نظر. فهل صون الدول العربية لأمنها الوطني والإستراتيجي من التدخلات الإيرانية يشكّل خدمة لإسرائيل وأمريكا؟

خمسة وعشرون عامًا، وثمة من يتحدث عن "مشروع حزب اللـه في لبنان" إنما هو، في واقع الأمر "مسودَّة مشروع" كانت ولا تزال خاضعة لقليل أو كثير من التعديل بفعل إكراهين لا مؤشرات إلى ترجيح أحدهما على الآخر: إكراه الفكرة العقائدية، التمامية والثابتة، التي تُغري صاحبها بالذهاب إلى نهاياتها المنطقية، وإكراه "التجربة التاريخية" الذي تفرضه شواهد الاجتماع اللبناني لأي اقتراح شمولي، والذي تسوّغه في الوقت عينه براجماتية الحزب، مشتقةً من براجماتية مرجعيته الإيرانية. بيد أن هذا المشروع الرجراج في واقع الأمر، بالرغم من ادعائه وفرة اليقين، فإنه يتوقّف، سيرورة ومآلاً، على موضوع "المقاومة المسلحة" التي تمثل صخرة ينهض عليها كل البنيان، حتى ليبدو الأمر وكأننا أمام حزب لمقاومة أكثر مما نحن أمام مقاومة لحزب. هنا تكمن أهمية قراءة وثيقة "حزب اللـه"، أي فهْم اتجاهاتها وصورتها لوظائف الوضع اللبناني في علاقاته الداخلية وعلاقته بدول الإقليم ومع الخارج.

أحمد الزعبي – باحث سياسي في الشأن اللبناني


اشترك في النقاش