من الذي لا يحب دولة الرفاه ؟

[escenic_image id="5514424"]

إن أهم ما اشتهر به روبين هود، وهو بطل قصة تراثية إنجليزية، هو أنه خار ج على القانون، غير أن جريمته وجريمة قبيلته هي السرقة من الأغنياء وإعطاء ما يسرقه للفقراء.

وهناك في الواقع أوجه شبه مهمة بين قصة "روبين هود" وواقع التنظيمات الإرهابية القوية في العالم اليوم، فهذه الجماعات، بداية من القوات الثورية المسلحة  في كولومبيا وانتهاء بنمور التاميل في سريلانكا، تموّل أنشطتها وتزيد من المجندين فيها ومن شبكة التأييد التي تتمتع بها، عن طريق تزويد المجتمعات التي تزدهر فيها، بمساعدات اجتماعية مهمة، ورغم الفروق الأيديولوجية التاريخية بينها، أضافت تلك الجماعات الإرهابية ذلك البعد الاجتماعي- الاقتصادي ليكون مكملًا لجبهتها العسكرية، والحقيقة هي أن تلك الإضافة كانت مهمة لنجاح تلك الجماعات.

وطبقًا لـ"إيلي بيرمان"، البروفيسور في معهد ماسوشايتد للتكنولوجيا ومؤلف كتاب "الاقتصادات الجديدة للإرهاب الراديكالي الديني والعنف" تزدهر تنظيمات العنف الراديكالي الدينية عن طريق الاستفادة من غياب الدولة، فعن طريق تزويد المجتمعات بمساعدات اجتماعية مهمة في مقابل ولائها ودعمها، تستطيع تلك التنظيمات التطور، لتأخذ شكل تنظيمات إرهابية مؤثرة، ونلاحظ تزايد اعتماد  مختلف التنظيمات الإرهابية التي تشكل مجريات السياسة في الشرق الأوسط اليوم على تلك السياسة.

وتعد قصة حماس مثالًا جيدًا للسلطة التي تستطيع الجماعات الراديكالية الدينية اكتسابها عن طريق المساعدات الاجتماعية التي تضمنها لـ"ناخبيها". وكانت هذه الحركة الفلسطينية قد تأسست في الخمسينيات على يد جماعة "الإخوان المسلمين" في غزة، وهي الجماعة التي شملت مهمة كل فروعها توفير الخدمات الاجتماعية مثل؛ إقامة شبكة من العيادات الطبية والمدارس والجمعيات الخيرية والأندية الرياضية، وبناء عليه قامت حماس منذ إنشائها برعاية شبكة اجتماعية واسعة، وطبقًا لمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، كان معنى ذلك قيام حماس بتوجيه معظم ميزانيتها السنوية التي تبلغ 70 مليون دولار لشبكة واسعة للخدمات الاجتماعية، وذلك إضافة إلى متطلبات جناحها العسكري.

وتمكنت حماس، عن طريق تنصيب تنظيمها كدولة رفاه فعلية، من تعزيز شهرتها بين الفلسطينيين كجهة معادية للفساد.

 ويضيف مجلس العلاقات الخارجية، أن قدرة حركة حماس على ممارسة نفوذها على المؤسسات الاجتماعية في بيئة محدودة جدًا تُفسِّر جزئيًا انتصارها على حركة فتح في انتخابات عام 2006 التشريعية.

ويشير الأكاديمي الإسرائيلي "ريوفين باز" إلى أن 90% تقريبًا من أنشطة حماس تنصب على المجالات الاجتماعية والثقافية والتعليمية، وتتضح أهمية ذلك في ضوء عدم قيام السلطة الفلسطينية بتوفير تلك الخدمات، وبمعنى آخر، تمثل المساعدات الاجتماعية التي تقدمها الجماعات المماثلة إستراتيجية علاقات عامة فاعلة في إطار يميل فيه الناس إلى الولاء للجماعة التي تمارس دور الدولة بالشكل الأحسن.

إلا أن مجال الرعاية الاجتماعية ـ الذي يلعب دورًا مهمًا في ازدهار التنظيمات الإرهابية ـ الاستفادة فيه ليست لطرف واحد، فرغم أن تلك الجماعات تقوم بتقديم خدمات مثل تلك التي تقدمها الدولة التي تهدف تلك التنظيمات إلى أن تحل محلها، تطالب تلك التنظيمات أيضًا بمساهمات من المجتمعات التي توفر الحماية لها، فبينما تقدم بعض التنظيمات الراديكالية أمثلة مباشرة في هذا الصدد بمطالبة المجتمعات بما يسمى بـ"ضريبة السلامة الأمنية"، يعد لبعض التنظيمات الأخرى علاقة أكثر تعقيدًا، لكن أكثر فاعلية، مع مجتمعها، تقوم على الدعم المتبادل بينهما.  

كما تعد حماس قضية مثيرة للاهتمام من ناحية أخرى، نظرًا لعلاقتها بأنشطة الرعاية الاجتماعية الإسلامية. وهناك مجموعة من الاتهامات المهمة الموجهة لحماس، والتي تدعي بأن الجماعة تستخدم الأموال الخيرية لتمويل بنيتها التحتية العسكرية وأنشطتها العنيفة. كما أفادت تقارير "مجموعة الأزمات الدولية" أن مؤسسات الرعاية الاجتماعية الإسلامية التابعة للمنظمة قد "حرّضت على العنف وقامت بتجنيد مقاتلين من بين المستفيدين من الخدمات التي تقدمها هذه المؤسسات".

طالبان ايضًا تستخدم نظامًا مماثلاً لدعم أنشطتها .فكما اشارت تقديرات وكالة الاستخبارات الأمريكية مؤخرًا فإن قادة حركة طالبان وأعوانهم تلقوا في العام الماضي ما يعادل 106 مليون دولار من جهات خارج أفغانستان. و يعد الأفراد المستقلين المؤيدين لفكر الجماعة في المنطقة من أهم المتبرعين. فعلى الرغم من أن حركة طالبان تعتمد أيضًا على أرباح المخدرات والتجارة غير المشروعة والتي تقدر بقرابة الـ 70 مليون دولار الى 400 مليون دولارامريكى سنويًا ، إلا أنهم يعتمدون أكثر على التبرعات من الأفراد.

ويعد استخدام أنشطة الرعاية الاجتماعية من قِبل المنظمات الراديكالية العنيفة أمرًا في غاية الأهمية، وذلك لسببين رئيسيين. فهو يوضح أولًا كيف أن الأساس الاقتصادي للمنظمات العنيفة يمكن أن يساعد على تعزيز وجود نظام فاعل يعمل على تقديم الدعم إلى تلك المنظمات.  وثانيًا، يثير هذا الأمر تساؤلات مهمة فيما يتعلق بنوعية نظم الحوافز التي يمكن أن يخلقها المجتمع الدولي لدعم أهدافه في مجال مكافحة الإرهاب.

ووفقا للبحوث التي أجراها بيرمان، يوضح استخدام أنشطة الرعاية الاجتماعية أن قدرة الجماعات المتطرفة على البقاء والنماء تعتمد بشكل أساسي على قدرتها على خلق نظام قائم على أساس المساعدة المتبادلة. وهذا مهم بشكل خاص لأن هذه الجماعات تعتمد على الحد من حدوث الانشقاقات داخل صوفها. ومثل غيرها من منظمات المعونة المتبادلة غير العنيفة، تقلق الجماعات الإرهابية من عابري السبيل الذين يستفيدون من أعمالهم الاجتماعية، ولكنهم لا يسهمون في دعم تنظيمها في المقابل. وبالإضافة إلى ذلك يشكل عابرو السبيل مصدر خطورة للجماعات الإرهابية، بعكس غيرها من الجماعات، حيث إنهم يمكن أن يتحولوا بسهولة إلى مصادر للمعلومات لمنافسيهم. كما أثبت البحث الذي أجراه بيرمان أيضًا أنه من خلال المساعدة المتبادلة، أو بمعنى آخر أكثر وضوحًا، من خلال المشاركة الفاعلة لمجتمعات الجماعات الإرهابية في الأعمال الاجتماعية لهذه الجماعات عن طريق التبرعات وغيرها من الوسائل الأخرى، تتمكن هذه الجماعات بشكل أفضل من ضمان ولاء الناس المستفيدين من أنشطتها الاجتماعية لها.

وبالتالي، فإن هناك عاملًا اقتصاديًا مهمًا يعتمد عليه نجاح هذه التنظيمات العنيفة. فهذه الجماعات منظمة بطريقة معينة بحيث تعتمد علاقتها مع المجتمعات المحلية التي تخدمها على المعونة المتبادلة. وتزداد في الوقت نفسه قدرة هذه المنظمات على تقديم المنافع الاجتماعية والاقتصادية التي تعمل على تحسين صورتهم، وتتيح لهم تقديم أنفسهم بمثابة دولة بديلة في المناطق التي عادة ما تعاني نقص الخدمات الحكومية والرعاية من جانب الدولة.

إذًا ما الذي يمكن أن يستفيده المجتمع الدولي من هذا الأمر، فيما يتعلق بالحوافز الاقتصادية التي يمكن أن يضعها لخلق إستراتيجيات فاعلة لمكافحة الإرهاب؟

 قبل معالجة هذه القضية، فإنه من الأهمية بمكان أن نميز بشكل واضح العلاقة التي تنشئها هذه المنظمات من خلال تقديم المعونة المتبادلة، من العلاقة الأكثر بساطة والتي تتعلق بشراء المؤيدين.

في الفترة بين 2003 و2004 ، على سبيل المثال ، كان هناك برنامج لنزع السلاح في المنطقة يدفع أموالاً للناس في أفغانستان مقابل تسليم أسلحتهم للسلطات. ووفقًا لمؤسسة كارنيجي، فإن التأثير الرئيسي لهذه السياسة كان تمكين القادة رفع مستوى ترساناتهم عن طريق شراء أسلحة جديدة من عائد بيع الأسلحة القديمة. هذا الاتجاه يوضح صعوبة الحصول على ولاء مؤيدي طالبان عن طريق الرشوة .

فبالرغم من أنه، كما في معظم الصراعات، هناك بالتأكيد بعض المشاركين الذين يستفيدون ماليًا من العنف، فإن هناك فارقًا مهما بين كل حالة وأخرى، وأيضًا بين الأسباب التي أدت إلى النجاح التنظيمي للمنظمات المتطرفة التي تقدم المزايا الاجتماعية للمجتمعات المحلية. فالاختلاف في وجهات النظر حول ارتباط الجشع بالضيم والظلم، يثور التساؤل حول؛ ما إذا كانت الدوافع الحقيقية وراء مثيري العنف تكمن في الفرص الاقتصادية الخالصة التي يجدونها في حالات الصراع، مثل الاتجار بالمخدرات في الدول الفاشلة، أو ما إذا كان العنف هو الوسيلة الوحيدة حقًا القادرة على معالجة  المظالم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها من المظالم.

 في أغلب الأحوال يكون دافع أعضاء الجماعات الراديكالية العنيفة هو دفع المظالم التي وقعت عليهم. كما أنه بالرغم من أن أُسر الانتحاريين يتم تعويضهم ماليًا، فإن البحوث أثبتت مرة تلو الأخرى أن العديد من المجندين في المنظمات الإرهابية ينتمون لأسر غنية. وأوضح مثال على ذلك هو النيجيري المتهم بمحاولة تفجير الطائرة التي كانت متوجهة إلى ديترويت في ديسمبر/كانون أول الماضي، حيث كان أبوه مصرفيًا كبيرًا.

 ومن الأمثلة المشابهة يستطيع المرء أن يدرك أن حافز الجشع حتى لو كان يلعب دورًا في تجنيد أعضاء جدد للمنظمات الراديكالية، إلا أن هذا الدور الذي يلعبه هو دور محدود جدًا. وعلى العكس من ذلك تلعب أنشطة الرعاية الاجتماعية التي تقوم بها المنظمات الراديكالية دورًا مهًما في جعل مجتمعاتهم المحلية تشعر بأنها مضطرة لتعزيز قضيتهم. وبناء على ذلك فمن المرجح أن تفشل إستراتيجيات مكافحة الإرهاب التي تهدف إلى شراء الإرهابيين المحتملين بالمال، حيث إن السبب الرئيسي وراء نجاح المنظمات الإرهابية يكمن في ديناميكية المساعدة المتبادلة التي خلقتها.

وبالمثل، فإن محاولة القضاء على أنشطة الرعاية الاجتماعية التي تدعم ماليًا أنشطة منظمات مثل حماس من غير المحتمل أن تؤثر على نشاطها العسكري. بل على العكس من ذلك، قد يؤدي القضاء على هذه الأنشطة إلى مزيد من التدهور في المجتمعات المحلية التي تعمل فيها هذه الجماعات، وبالتالي سيؤدي هذا إلى زيادة الدعم الذي يتلقونه من تلك المجتمعات.  ومع ذلك، فإن الخلل الذي أوضحته النجاحات التي حققتها هذه المنظمات في العناية بمجتمعاتهم، من خلال قيامها بالدور المنوط بالدولة، يعزز الحاجة لإنشاء دول قوية.


اشترك في النقاش