المرأة العراقية بين التمكين والتهميش

شرطية تتلقى التهاني من زميلتها في حفل التخرج من كلية الشرطة في العراق

لا يزال الأمر مشوبا بالتوترات فلم تتضح حتى الآن الوسيلة للمصالحة بين العلمانيين والإسلاميين. تجلت هذه الحقيقة في شهر آذار (مارس) 2010 إثر انتخابات مجلس النواب المتنازع عليها فترسخت خلال عملية تشكيل الحكومة التي طالت لأشهر عدة. وعلى رغم حصول زعيم القائمة العراقية إياد علاوي على غالبية الأصوات، وان بفارق ضئيل، فقد خابت آماله في تشكيل حكومة على رغم طرحه مشروعا بطبيعة علمانية وبوسعه أن يسد الفجوة بين الطوائف. برز عوضاً عن علاوي رجل الدين الشيعى مقتدى الصدر كصانع للملوك فشكل رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي حكومة ائتلافية بفضل التيار الصدري الذى دخل بثقله دعماً له. ومع أن الوضع السياسي استعاد قدراً من الاستقرار فإن التوترات بين التصورات العلمانية والإسلامية لمستقبل البلد لا تزال تحدث صدى في العديد من القضايا.

"الخلاف" العلماني الاسلامي يهمّ النساء بوجه خاص. استفادت النساء العراقيات على مر السبعينات والثمانينات بقوانين تقدمية عززت مشاركتهن السياسية والاقتصادية، إذ شجع النظام البعثى على تعليم النساء وتوفير فرص عمل لهن. وكان البعثيون فوق ذلك مسؤولين عن تأسيس التعليم الإلزامى للبنات فى عام 1976، مما أسفر بحلول أواخر الثمانينات عن واحدة من أعلى معدلات تمتع بها بلد عربى من حيث القراءة والكتابة للبنات. غير أن كل هذه التطورات جرى التراجع عنها إذ اتجه صدام إلى مبادئ اجتماعية أكثر محافظة في عقد التسعينات، بالإضافة إلى تداعيات العقوبات الاقتصادية، ما أدى الى تراجع في ما كانت تحظى به المرأة العراقية. ارتفعت معدلات البطالة ارتفاعا كبيرا في وقت انخفضت معدلات القراءة والكتابة إلى حد مأساوي. وفى ظل صعود سياسات الهوية الدينية الذى ترتب عن انهيار نظام صدام، رفض عناصر قوية داخل فسيفساء السياسة في العراق الإطار العلمانى الذى كان أفاد النساء سابقاً.

الغموض القانوني لا يزال يلوح حول حقوق المرأة. جاءت طلقة تحذيرية فى كانون الأول (ديسمبر) 2003 لما قام مجلس الحكم الانتقالي العراقي، الذي عين الأمريكيون أعضاءه عبر "القرار 137" باستبدال قانون الأحوال الشخصية السابق بقوانين أساسها الشريعة، مما أطلق لرجال الدين اليد الطولى فى تقرير شؤون الأسرة. لم يتوصل إلى إلغاء القرار سوى بعد ضغط مارسته الجماعات النسائية العراقية. وعلى أي حال، نجحت الأحزاب الدينية فى الإدلاء بدلوها والاعلان عن وجودها وتوجهاتها. وعلى رغم المشاركة الجادة من قبل العلمانيين في انتخابات مجلس النواب عام 2010، فإن عودة مقتدى الصدر فى كانون الثانى (يناير) 2011 من منفى طوعي في حوزة قم بإيران قد تدفع العراق نحو اعتناق آراء شخصية إسلامية هي الأكثر تصلباً وتشدداً. يفتقد التيار الصدرى إلى مقاعد قليلة للحصول على غالبية برلمانية. وأكثر من ذلك، اضطر حتى إياد علاوى المشهور بوصفه قامة علمانية معتدلة إلى تقديم بعض "التنازلات" عندما اجتمع مع الصدر في دمشق في تموز (يوليو) 2010. الحكومة ربما تشكلت، بفضل ذلك اللقاء، لكن يبقى النسيج السياسي حساساً من أي وقت مضى.

كثيراً ما تقع حقوق المرأة في مأزق فى مثل هذه الظروف فتصبح الضحية الأولى عندما تتفوق عليها مصالح مادية وطائفية قوية. من الواضح أن تقلبات الوضع الأمني قد عرضت النساء للخطر. انحصرت حريتهن للتنقل كما تراجع دخلهن في المجال العام تراجعاً حاداً. وعلاوة على ذلك قصر رجال الشرطة فى إيقاف المتطرفين المسلحين الذين قاموا بإرهاب النساء وقتلهن بسبب امتناعهن عن ارتداء الحجاب أو بسبب ظهورهن علناً بشكل يُعتبر أكثر من المسموح به شرعا. استعادت النساء أصواتهن من جديد في غضون تحسن الوضع الأمنى، ولكن تظل أمامهن تحديات هائلة. لم يتم حتى الآن تنفيذ الشرط الدستوري الذى يقضي بتخصيص 25 في المئة من المقاعد للنساء فى مجلس النواب، كما أخذ سن الزواج ينخفض لأن الوالدان يصران على أن من مصلحة البنت أن تتزوج في سن مبكر لخوفهما من المستقبل.

بيد أن النساء العراقيات كنّ وما زلن يغتنمن الفرص المتاحة لهن. شكلن ما لا يقل عن ثلث المرشحين فى انتخابات مجلس النواب فى آذار (مارس) 2010، ما يمثل مشاركة غير مسبوقة لهن وتحسناً واضحاً مقارنة بانتخابات 2005. دحض هذا التطور وجهات نظر تزعم أنه لم يوجد اهتمام كاف أو قدرة كافية من قبل النساء لملء الحصص البرلمانية. تكون النساء اليوم غالبية فى خمسة لجان برلمانية وتوجد لجنتان ترأسهما امرأة وأخرى تتبوأ فيها المرأة منصب نائب رئيس. من الملاحظ أيضا أن النساء فى مجلس النواب أكثر من الرجال حضوراً وتحضيراً. إنهن واقعيات يعترضن عبر حضورهن على الأفكار والأيديولوجيات المتجمدة لأن النساء هن الأكثر تصويتاً عبر اللجان الحزبية والطائفية. وتعمل النساء إضافة إلى ذلك في لجان تركز على المهمات العملية التي تسهم في إعادة إعمار البلد بما فيها لجنة التعليم، والعمل والشؤون الاجتماعية، وحقوق الإنسان، والاقتصاد والاستثمار، ومؤسسات المجتمع المدنى والمرأة والأسرة والطفولة.

تدخل النساء يوماً بعد يوم فى مجالات أخرى مثل الأعمال والمجتمع المدنى. يتم هذا كثيراً من خلال الدعم من المجتمع الدولي. تعترف منظمات التنمية الدولية مثل البنك الدولي والوكالة الأميركية للتنمية الدولية بالتأثير المتزايد للنساء على القطاع الخاص والمجتمع ككل. تؤكد الوكالة الأميركية للتنمية الدولية أنها قدمت 60 في المائة من منحها للشركات الصغيرة فى العراق بين 2003 و2006 إلى شركات تديرها النساء، كما أطلق البنك الدولي برنامج تدريب وبناء القدرات لسيدات الأعمال العراقيات ابتداء من 2003. وتم اعتماد هذا البرنامج حسب اقتراح للمساعدة الدولية لسيدات الأعمال العراقيات قدمته الدكتورة رجاء حبيب الخزاعي وهي كانت واحدة من ثلاث عضوات في مجلس الحكم الانتقالي وعضوا بعد ذلك في مجلس النواب. يقينا ان الشركات الدولية التي تفكر في دخول العراق يمكنها أن تستفيد من تعزيز علاقاتها مع شركات عراقية تديرها النساء.

تتجاوز النساء العراقيات الحدود فى أكثر من مجال ويستعدن فرصا ضاعت طوال ثلاثة عقود منيت بويلات الحرب والفوضى، فعلى سبيل المثال، تخرجت بجانب ألف رجل أول 50 امرأة في سنة 2009 من كلية الشرطة برتبة ضابط. من المعروف أن رتبة الضابط من المهن الأعلى أجراً في العراق مع أنها أيضاً من أخطرها. اعترفت النساء في لمحة عن الخريجات نشرت في جريدة نيويورك تايمز بأنهن كنّ فى البداية خجولات من التدريب البدني والتعامل مع الأسلحة النارية، ولكنهن الآن "مستعدات لأي شيء". فى الواقع، يشدد العديد منهن على الميزة الواضحة في تدريب النساء كضباط، إذ يمكنهن التعامل مع حالات ومشكلات مهمة قد لا يستطيع أو لا يريد الرجل التعامل معها. التحقت مائة امرأة بالكلية في سنة 2010.

فى نهاية المطاف، تكمن القضية خاصة في استمرار مثل هذه الفرص التي كونتها وتمتعت بها النساء العراقيات، أو عدم استمرارها. تظل التوترات في التناقض بين المادة الثانية والرابعة عشرة من الدستور. ومع أن درجة التوافق بين حقوق المرأة وبين الشريعة تمثل موضوع نقاش، فإن البعض فى حقيقة الأمر استخدم الشريعة كمبرر لفرض قيود على حقوق المرأة. لهذا السبب، ستكون الشخصية التي تسعى إلى تبنيها الشريعة فى العراق مهمة للغاية. هل ستكون من ميل معتدل، مثل النظام فى المغرب، أم ستحذو حذو التفسيرات الأكثر تشدداً؟ يتجسد هذا السؤال في المواقف المتفاوتة لدى الزعيمَيْن الشيعيَيْن أولهما آية الله علي السيستاني الذي اتخذ بعض المواقف التقدمية بالنسبة للنساء ولكن تتزايد شيخوخته، وثانيهما مقتدى الصدر المتصاعد فى المجال السياسي، الذى يلتزم بتفسيرات متجمدة أكثر للشريعة والذي قد لا يتورع عن توسيع دور الدين في شؤون الدولة والشؤون الشخصية على حد سواء. هذا السؤال لن يتم تسويته سوى من خلال مناقشات وجدالات طويلة في مجالات تتطرق إلى التعليم والنظام السياسي والملابس وغيرها. مثلاً، رفض وزير التعليم العالي أخيراً دعوة للفصل بين الجنسين في الجامعات قدمها بعض الزعماء الدينيين.

ستكون أفضل أداة من أجل مساندة النساء العراقيات هي إلقاء الضوء على القضايا المؤثرة على المركز القانوني للمرأة. ينبغي على المجتمع الدولي أن يستثمر في بناء القدرات والتعليم العالي والفرص السياسية والاقتصادية. لقد آن الأوان لنعترف بأن النساء العراقيات يمكنهن تحويل الصراع إلى توافق مما قد يسفر عن مزايا حميدة لا تحصى.

*إيزوبل كولمان.. باحثة في مجلس العلاقات الخارجية بنيو يورك حيث تدير مبادرة " المجتمع المدني والأسواق والديمقراطية" وهي ايضا مؤلفة كتاب "الجنة تحت أقدامها: كيف تغيّر المرأة الشرق الأوسط".

*جون تي تشان.. باحث مساعد فى مجلس العلاقات الخارجية.


مقالات ذات صلة

اشترك في النقاش