الانتفاضات العربية "تؤرق" النظام الإيراني وتعلن نهاية عصر "تصدير الثورة"

بعد عصر تصدير الثورة بدأ عصر استيراد الثورات

حاول الزعماء الإيرانيون تصوير الانتفاضات الشعبية العربية في تونس ومصر داخل إطار ثورة 1979 حيث يصورونها وكأنها امتداد لسياساتهم لتصدير الثورة. ولكن الإسلاميين - مثل راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة في تونس - قالوا العكس تماما، حيث أكد الغنوشي أنه لا يرغب في أن يصبح خميني تونس أو يعتمد نموذجه في الحكم.

كما أكدت جماعة الإخوان المسلمين في مصر أن ثورة مصر ليست حدثا إسلاميا وأن جميع المواطنين المصريين قد شاركوا بها. وكان ذلك واضحا تماما من خلال الشعارات واللافتات التي كانت تسمع وترى في ميدان التحرير. وما يتضح من ذلك هو أن الجمهورية الإسلامية تخشى تراجع الآيديولوجيا الإسلامية أمام المسار الديمقراطي الحقيقي.

وقد أجبرت الانتفاضات العربية إيران على أن تتخذ مواقف غريبة ومتناقضة مع خطابها المناهض للأوضاع الراهنة. وعلى الرغم من أن بعض علماء الدين العرب من أهل السنّة والجماعة قد أفتوا بأن المظاهرات حرام شرعا، قال علماء الدين الإيرانيون الشيعة الموالون للحكومة مثل حسين نوري همداني إن علماء الدين السنّة قد أساءوا تفسير النص الإسلامي الذي لا يمنع المظاهرات ضد الحكام الظالمين. إلا أن نفس علماء الدين استطاعوا قبل 20 شهرا تبرير قمع الجمهورية الإسلامية للمظاهرات السلمية التي كانت تعارض الانتخابات الرئاسية المزورة.

ولكن هذه المرة لم يكن المتظاهرون من المواطنين الإيرانيين الشيعة الذين يحتجون على طغيان الجمهورية الإسلامية بل كانوا شيعة في دول عربية أخرى.

وأثناء اندلاع الانتفاضات العربية الحالية، كانت إيران تسعى لتصوير نفسها باعتبارها صوت المسلمين المضطهدين والنصير المخلص للشيعة في العالم العربي. وقد زودت احداث البحرين إيران بفرصة عظيمة لتحقيق ذلك، كما شنت أجهزة دعايتها حملات شرسة ضد ما زعمت أنه قمع أمني وحشي للمتظاهرين في البحرين.

والمفارقة أن نفس الإحساس كان يمكن استشعاره في طهران عامي 2009 و2010 عندما كان الحرس الثوري الإيراني وميليشيا الباسيج يهاجمون المتظاهرين المسالمين ويقتلون الشباب من الرجال والنساء الذين كانوا يتظاهرون رافعين شعار «أين صوتي؟». وكانت غالبية هؤلاء الضحايا من الشيعة تماما مثلما هو حال الضحايا المزعومين في البحرين. إلا أنه في خطابه الأخير في مارس (آذار) قال آية الله علي خامنئي إنه «بالنسبة للقضايا الإقليمية، فإن موقفنا واضح: ندافع عن الشعوب وعن حقوقها، ونعارض القوى المستبدة والطغاة والساعين للهيمنة واللصوص في أنحاء العالم كافة».

وعلى الرغم من إدانته لوحشية الحكومة الليبية ضد شعبها، عارض «التدخل الغربي والأميركي». وفي خطابه للقوى الغربية، قال خامنئي: «أنتم لستم هناك للدفاع عن الشعب الليبي بل إنكم ترغبون في الحصول على بترول ليبيا وترغبون في استغلال ليبيا كمكان لمراقبة نشاطات الحكومات الثورية المستقبلية في مصر وتونس». وقد نشرت وكالات إخبارية تابعة للدولة اتهاماتها مثل «فارس نيوز» (التابعة للحرس الثوري الإيراني)، التي أكدت أن القوى الغربية تستهدف الثوار وليس قوات القذافي.

وبالعودة للحديث عن الأحداث الأخيرة في البحرين، ربط خامنئي بين طبيعة تلك الاحتجاجات والاحتجاجات التي تسود الدول الأخرى التي شهدت اضطرابات أخيرا مثل مصر وتونس وليبيا. فقال خامنئي: «إن الحكومة البحرينية تتجاهل حقوق الشعب، فقد كان طلب الشعب الأساسي هو الانتخابات وأن يكون لكل فرد صوت». متسائلا: «هل هذا كثير؟».

وكقائد قام بتزوير انتخابات أخيرا في بلده وقمع من اعترضوا على أفعاله ووضع زعيم المعارضة قيد الإقامة الجبرية، ومثل تلك التصريحات تجعله يبدو منافقا في عيون شعبه.

فعلى موقع «فيس بوك» وغيره من الشبكات الاجتماعية، يسأل الإيرانيون بعضهم البعض: «لماذا تعد الانتخابات الحرة والنزيهة أمرا طيبا بالنسبة للبحرين وليس بالنسبة لنا؟». وقد تزايدت حيرتهم عندما أضاف آية الله السيستاني في النجف صوته إلى صوت خامنئي في الإدانة العلنية للحكومة البحرينية نظرا لدورها المزعوم في وفاة بعض الشيعة. فيتساءلون: «لماذا يستحق شيعة البحرين اهتمام آية الله فيما لا يستحقها الشيعة الإيرانيون الذين اضطهدتهم الجمهورية الإسلامية لأسباب سياسية؟».

وعلى نحو غير مفاجئ، أنكر خامنئي أن دفاعه عن الشعب البحريني ينبع من حقيقة أن معظم المعارضة من الشيعة. وادعى أن إيران تدافع عن الشيعة في كل مكان ووصف أي محاولة لبث العداء بين الشيعة والسنة بأنها مؤامرة «القوى الاستعمارية». ولكن التاريخ ما زال يكشف عن مفارقات جديدة: فالسوريون يتظاهرون الآن في الشوارع، إلا أن إيران لم تنبس ببنت شفة. وتتهم المعارضة الإيرانية والسورية على السواء الحكومة السورية باستخدام الحرس الثوري الإيراني والباسيج وقوات حزب الله اللبنانية في قمع المعارضة. وتتعالى صيحات «سورية.. لا لإيران، ولا لحزب الله!» في شوارع سورية. وفي الوقت نفسه، قالت وكالة أنباء «فارس» إن إسرائيل كانت وراء الرسائل النصية التي ظهرت على هواتف ما يزيد على مليون سوري والتي كانت تدعوهم للتظاهر ضد الأسد. وعلى الرغم من أن إيران قد أدانت التدخل الغربي في ليبيا وقرار دول مجلس التعاون الخليجي بنشر قوات من درع الجزيرة في البحرين، ذكرت المصادر الإخبارية الإيرانية الموالية للحكومة مثل «راجا نيوز» أن الاستشهاديين الإيرانيين مستعدون للذهاب إلى البحرين والقتال ضد الحكومة البحرينية والجنود السعوديين مع «إخوتهم من الشيعة».

وبالنسبة لليبيا، يتم حاليا تداول صورة لخامنئي والقذافي وهما يبتسمان بسعادة على شبكة «فيس بوك» الإيرانية وغيرها من المواقع السياسية. وترجع الصورة إلى رحلة خامنئي إلى ليبيا في الثمانينيات من القرن الماضي كرئيس للجمهورية الإسلامية.

يذكر أن إيران وليبيا كانتا تتمتعان بعلاقة وثيقة منذ جاء النظام الجديد إلى السلطة في إيران عام 1979. فقد تم تدريب كثير من الثوريين الإسلاميين في ليبيا قبل ثورة 1979. وقد بدأت إيران في شراء الأسلحة الكيماوية من ليبيا خلال الحرب الإيرانية العراقية بعد ذلك بسنوات عدة ثم التكنولوجيا النووية بعد انتهاء الحرب. وأخذا في الاعتبار انقطاع الصلات الدبلوماسية بين إيران ومصر وعلاقتها الضعيفة مع تونس والمغرب، أصبحت كل من ليبيا والسودان بوابة إيران الرئيسة لشمال أفريقيا. وبالتالي كانت إيران دائما ما تصف ليبيا والسودان بأنهما الحليفان الأفريقيان.

وعندما قال لويس مورينو أوكامبو، كبير المدعين بالمحكمة الجنائية الدولية، في يوليو (تموز) 2008، إن البشير يتحمل المسؤولية الجنائية عن المذابح والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية وجرائم الحرب المرتكبة في دارفور منذ 2003، سافر علي لاريجاني رئيس مجلس الشورى إلى السودان لإظهار التأييد الإيراني للبشير.

كما أحجمت إيران عن ممارسة ضغط على حكومة القذافي في ما يتعلق بقضية اختفاء الإمام موسى الصدر. يذكر أن الصدر هو عالم دين إيراني وأحد زعماء الجالية الشيعية بلبنان والذي كان قد اختفى في رحلته خلال عام 1978 إلى ليبيا للقاء أحد المسؤولين الليبيين. وقد ادعت معظم التقارير أن قوات القذافي قد قتلته بعد جدال حاد مع القذافي. وكان الصدر من أفراد أسرة الخميني وبالتالي فإن الخميني نفسه كان يتعرض لضغط عاطفي قوي للتحقيق في قضية اختفائه. وخوفا من المغامرة بالمزايا السياسية لعلاقتهما بالقذافي فلم يلاحق الخميني ولا خامنئي قضية الصدر.

وعلى غرار الأنظمة الأوتوقراطية الشعبية كافة كان الزعماء الإيرانيون يسعون لتصوير أنفسهم كمدافعين عن المظلومين في كل مكان ولكن الانتفاضة العربية الأخيرة أبرزت نفاق إيران وعدم مصداقيتها أكثر من أي وقت سابق. فيبدو أن سلطة النخبة الحاكمة في الجمهورية الإسلامية مطلقة، وأن أي شيء آخر يلي سلطتها في المرتبة. وبالنسبة لإيران، لا يستخدم فقط الإسلام ولكن المذهب الشيعي أيضا كأداة لتنفيذ أجندتها الطموحة في المنطقة وليس أكثر من ذلك.

ونظرا لأن نفوذ إيران في المنطقة يأتي أساسا من القوى الناعمة وقدراتها الدعائية فإن احتمالية أن تضعف دعايتها نظرا لظهور أنظمة ديمقراطية جديدة في الشرق الأوسط يجعلها في موقف صعب للغاية. فإذا ما هيمنت القوى الديمقراطية على الدول العربية، فسوف يفقد الخطاب الإسلامي منتداه الرئيس للدفاع عن آيديولوجيا الحكم الإسلامي. ومن الممكن أن يتم استبدال الخطاب المناهض لأميركا وإسرائيل بمطالب وتوقعات أكثر عملية كما اتضح بالفعل خلال مسار المظاهرات في تونس ومصر وغيرهما. وربما تجد إيران أرضا أقل خصوبة لدعايتها قديمة الطراز والتي تصورها كزعيم للعالم المناهض لأميركا وكراع رئيس للقوى المناهضة لإسرائيل. فيمكن أن تسمح الأنظمة الديمقراطية للناس بالتركيز أكثر على حياتهم الخاصة والمزيد من المشاركة في تشكيل مستقبلهم السياسي ومساءلة النخبة الحاكمة عن أفعالها مما يعني أن الدعاية الإيرانية لن يصبح هناك حاجة إليها في الصراع ضد الحكام أو حلفائهم الغربيين.

وإذا أدت الحركات السياسية الأخيرة في العالم العربي إلى مجتمعات أكثر حرية وليبرالية فإن ذلك سوف يؤذن بتراجع النفوذ الإيراني في المنطقة؟ وبالنسبة للنظام الإيراني الحالي فإن الديمقراطية لم تعد فقط تهدد الداخل ولكن الخارج أيضا.

مهدي خلجي


مقالات ذات صلة

اشترك في النقاش