أخطر لحظة تمرّ بها حكومة سيئة هي تلك التي تبدأ فيها بالإصلاح

ثوار ليبيا وحرب حتى نهاية عصر دكتاتور الجماهير

كانت تلك المشاهد تذكرة بأن أكثر النماذج السياسية بقاء في القرن العشرين، الدكتاتور الذي لا يعرف الرحمة، استمرت حتى القرن الواحد والعشرين. ولكن ما قدر استمرارهم؟ وضعت منظمة فريدوم هاوس الأميركية غير الحكومية في العام الحالي 47 دولة تحت تصنيف «غير حرة»، حيث يحكم كلا منها دكتاتور مستبد. انخفضت أعداد هذه الدول بالتأكيد عن القرن الماضي، الذي امتلأ بقائمة شملت: ستالين وهتلر وبول بوت وبينوشيه والخميني ومجموعة أخرى أصبحت أسماؤها الآن تترادف مع الحكم القمعي القاتل. ولكن استحضار مثل هؤلاء الطغاة، على الرغم من كونهم اختزالا مفيدا في السياسة الدولية، يعزز للأسف من خرافة مزعجة بأن الأنظمة الدكتاتورية تتعلق فقط بالدكتاتور.

سيطرت صورة الزعيم القوي المختفي داخل الكرملين المحاط بالغموض أو القصر الرئاسي ذي الزخرفة المبهرجة على فترة الحرب الباردة. ولكن لا تدار الأنظمة الدكتاتورية بمفردها. يطلب أداء المهمات الأساسية المتوقعة من حكومة مستبدة، من وضع نظام وفرض ضرائب وسيطرة على حدود وإشراف على الاقتصاد، تعاون مجموعة كاملة من اللاعبين، رجال أعمال وبيروقراطيون وقادة الاتحادات العمالية والأحزاب السياسية وبالطبع متخصصون في القمع مثل قوات الجيش والشرطة. ولا تعد القدرة على إسعادهم جميعا وجعلهم يعملون معا أسهل بالنسبة للدكتاتور منها بالنسبة للحاكم الديمقراطي.

استمرار الأوضاع



تملك الأنظمة الدكتاتورية المختلفة أدوات متباينة من أجل استمرار الأوضاع. اعتمدت الأنظمة الشيوعية في القرن العشرين على العضوية الجماهيرية في الأحزاب السياسية للحفاظ على الانضباط، وكذلك فعلت الأنظمة المستبدة غير الشيوعية. كان النظام المستبد الذي حكم المكسيك 70 عاما، والذي وصفه الروائي البيروفي حائز جائزة نوبل ماريو فارغاس لوسا ذات مرة بأنه «النظام الدكتاتوري المثالي»، حيث كان منظما بواسطة الحزب الثوري المؤسسي القومي، وهو منظمة ضخمة امتد نفوذها من مجمع الرئيس في لوس بينوس إلى المقاعد المحلية في الحكومة في كل قرية صغيرة. كذلك كان حسني مبارك الرئيس المصري الذي أطيح به أخيرا مدعوما طوال ثلاثة عقود من حزبه الوطني الديمقراطي.

هناك أيضا نظام الحكم العسكري: حيث الدكتاتورية التي تديرها عصبة عسكرية. يتميز هذا النوع بالانضباط والنظام، والقدرة على قمع المعارضين بينهم، ولكنّ له عيوبا أيضا، أبرزها دائرة صغيرة طبيعية من المؤيدين لا تتجاوز أصحاب الزي العسكري. استطاع الجنرالات الذين حكموا البرازيل من عام 1964 إلى عام 1985 حل هذه المشكلة بإتاحة الوصول المحكم إلى البرلمان حيث يمكن أن تعبر النخب الاقتصادية وغيرها من أصحاب المصالح القوية عن مطالبها والمشاركة في الحكم. ولكن ثبتت صعوبة تحقيق التوازن حيث كان من الصعب على الجيش إدارة الانتخابات وتحمل ضغوط الشعب الذي ازداد عدم رضاه عما تحقق في مجالي الاقتصاد وحقوق الإنسان، وفي النهاية عاد الجنرالات إلى ثكناتهم.

وعلى النقيض، تقارب بعض الحكومات المستبدة نموذج الدكتاتورية المركزية في الخيال الشعبي. في أمثلة تقليدية على ذلك النوع، موبوتو سيسي سيكو الذي حكم زائير (الآن جمهورية الكونغو الديمقراطية) لأكثر من 30 عاما، وعائلة دوفالييه الحاكمة في هاييتي. في هذا النوع من الأنظمة، يُحفظ النظام بتوزيع المحسوبيات وفقا لشبكات شخصية أو غيرها: مثل العشائر والجماعات العرقية وما يشبهها. ولكن في مفارقة كانت تلك الدكتاتوريات الأكثر زعزعة في الاستقرار. من الصعب استمرار عمل الحكومة بسلاسة في ظل غياب قاعدة مؤسسية واسعة ويتوقف صعود وهبوط النظام بأسره على مصير رجل واحد.

قوة الجماهير



«تستطيع قوة الجماهير أن تطيح الحكام المستبدين». ليس بذاتها. في عام 1989، اجتاحت قوة الشعوب جميع أنحاء أوروبا الشرقية. وأجبرت الإضرابات الجماهيرية في بولندا الحكام الشيوعيين في البلاد على الحضور إلى طاولة المفاوضات للتوصل إلى طريق للخروج من السلطة. وبعد تجمع مئات الآلاف من الأشخاص في ساحة فاتسلاف في براغ، انهار أحد أكثر الأنظمة الشيوعية وحشية في أوروبا الشرقية وتنازل عن الحكم في تشيكوسلوفاكيا لصالح مجموعة متنوعة من الكتاب المسرحيين والقساوسة والأكاديميين وأصدقاء فرانك زابا. في ألمانيا الشرقية، خرج الحشود الغفيرة من أكبر نماذج الشيوعية في الغرب لاجئين إلى ألمانيا الغربية، ثم ساعين إلى إعادة الوحدة معها. ولم تتقيد قوة الشعب، التي أدت إلى نهاية فرديناند ماركوس في الفلبين عام 1986، بالشيوعية في أوروبا الشرقية. ولكن كان هناك ما هو أكبر من سبب انهيار الشيوعية في أوروبا الشرقية والأنظمة المستبدة ممثلا في السلطة الأخلاقية المذهلة التي تملكها الجماهير. وكما أظهر الصينيون في ميدان تيانانمين في عام 1989، الاستسلام للنشطاء المدافعين عن الديمقراطية في الشوارع ليس الخيار الوحيد. هناك العديد من الأماكن الأخرى التي أخفقت فيها قوة الشعب كارثيا في مواجهة رد فعل عسكري منظم جيدا. في المجر، سحقت دبابات الجيش الأحمر الانتفاضة الشعبية التي خرجت عام 1956 بوحشية. وأسفرت ثورة الزعفران عام 2007 في بورما عن أحكام بالإعدام ضد الرهبان البوذيين المعارضين.

وسقطت ثورة إيران الخضراء التي قامت عام 2009 أمام هراوات الباسيج بعد عامين. ما الذي يميز بين نجاح قوى الشعوب وإخفاقاتها؟ بالطبع الحجم له أهمية، ولكن يميل الحكام المستبدون إلى السقوط أمام الحشود فقط عندما يخسرون أولا دعما يقدمه لهم حلفاء مهمون في الداخل أو في الخارج. كان قرار الجيش المصري بالتخلي عن مبارك وحماية المتظاهرين المحتشدين في ميدان التحرير في القاهرة، على سبيل المثال، عاملا حاسما في سقوط الرئيس في فبراير (شباط) الماضي. كيف يستطيع المتظاهرون إقناع حماة النظام بالقفز من السفينة؟ في أوروبا الشرقية، ساعدت رياح التغيير الجيوسياسية التي خطط لها الزعيم السوفياتي ميخائيل غورباتشوف وحلفاؤه بوضوح، ولكنك لا تستطيع أن تسقط الستار الحديدي من جديد. ربما تكون الأنظمة ذات الجيوش المهنية المنفصلة عن السلطات المدنية أكثر عرضة للانقسام، أما الأنظمة المعتمدة على الأحزاب السياسية الفكرية فهي أقل احتمالية لخروج أعضائها عن الصفوف. ومن الممكن أن يؤدي التهديد الواثق بالانتهاء إلى محاكمة على ارتكاب جرائم حرب في لاهاي أو تجميد الأرصدة في بنوك سويسرا إلى نتائج مذهلة أيضا. ولكن من المؤسف للمتظاهرين أن توقع ردود أفعال المستبدين للانتفاضات لا يخضع للعلوم الدقيقة، وفي ذلك قليل من التعزية عندما تُشج رؤوسهم على يد قوات مكافحة الشغب.

خطر الاصلاح



«كلما اتسم الدكتاتور بالوحشية، ازدادت صعوبة إطاحته». من المؤسف أن هذا صحيح. لاحظ أليكسيس دي توكفيل، لدى دراسته للثورة الفرنسية، أن «أخطر لحظة تمر بها حكومة سيئة هي تلك التي تبدأ فيها بالإصلاح». من المحزن أن ما انطبق على القرن الثامن عشر ما زال صحيحا في القرن الواحد والعشرين. من المرجح ألا تكون مصادفة أن قائمة الحكام المستبدين الذين أطاحتهم مظاهرات الشوارع في الأعوام الأخيرة تحفل بحكام سمحت أنظمتهم بقدر ضئيل من المعارضة السياسية. قد يكون طغاة أمثال سلوبودان ميلوسيفيتش في صربيا وإدوارد شيفرنادزه في جورجيا وقربان بيك باقاييف في قرغيزستان وحسني مبارك في مصر مروعين بصور مختلفة، ولكن من دون شك كانت أنظمتهم أكثر تساهلا من كثيرين ما زالوا متمسكين بالسلطة حتى يومنا هذا. إذا كان ذلك صحيحا، فلماذا يسمح الطغاة بالمعارضة في المقام الأول؟ ولماذا لا يقدمون على إجراء مثل ما حدث في تيانانمين لدى أول إشارة على الاحتجاج؟ لأنه من الأصعب اليوم إدارة نظام دكتاتوري مروع بحق عما كان في الماضي. لقد زاد ترابط حضارة القرن الحادي والعشرين من صعوبة السيطرة على المعلومات وأصبح من الأكثر صعوبة وتكلفة عزل البلاد عن العالم الخارجي مقارنة بما كان يحدث في القرن العشرين.

في الوقت ذاته، جعلت نهاية الشيوعية اليساريين واليمينيين الأقوياء على حد سواء الموضوع الرئيس للممارسات المناهضة للديمقراطية. في العقد الماضي، استغل حكام دول مثل أوزبكستان واليمن خوف الغرب الحديث من الإسلام المسلح – والضرورات اللوجيستية لحروب الولايات المتحدة بعد أحداث 11/9 – من أجل تحقيق أهداف مشابهة، ولكنهم أقل كثيرا من الطغاة الآيديولوجيين الذين قسموا قارات بأكملها بذريعة الحرب الباردة منذ جيل مضى. والنتيجة في كثير من المناطق هي أن الحكام مجبرون على تبرير ممارساتهم بإضفاء لمسة من «الديمقراطية». اختار فلاديمير بوتين التخلي عن الحكم – على الرغم من عدم ابتعاده عنه – في عام 2008، بدلا من انتهاك منع الدستور الروسي الترشح لفترة رئاسية ثالثة متتالية، بل ويسمح الحزب الشيوعي الصيني أيضا ببعض الانتخابات التنافسية على مستويات القرى والبلدات. وبالطبع هناك استثناءات لهذا الاتجاه، منها: تركمنستان وكوريا الشمالية وبورما. ولكن تبدو مثل تلك الأنظمة وكأنها بقايا من القرن العشرين الماضي غير المأسوف عليه، بدلا من كونها بشائر عصر مقبل.

«الزعماء المؤلهون مجانين». ولكنهم في الحقيقة ماكرون. هل يعتقد الكوريون الشماليون حقا أن كيم يونغ إل يستطيع أن يغير الطقس بناء على مزاجه الشخصي؟ هل يؤمن الليبيون أن الكتاب الأخضر الذي ألفه القذافي عمل نابغ في الفلسفة السياسية؟ هل يعتبر التركمان أن روح نامة، النص الديني الذي ألفه الدكتاتور السوفياتي الراحل صابر مراد نيازوف، الذي أطلق على نفسه أيضا لقب الزعيم الروحي، نصا مقدسا يتساوى مع القرآن والكتاب المقدس؟ على الأرجح الإجابة لا، ولكن لأسباب تتعلق بالدكتاتورية، عليهم أن يفعلوا ذلك. كما يقول العالم السياسي خافيير ماركيز، يتسم الزعماء المألهون بالتفكير الاستراتيجي كما يتسمون بالنرجسية. يكمن جزء من المشكلة التي يواجهها المعارضون المحتملون للدكتاتور في معرفة من غيرهم يعارضه، حيث يزيد إجبار الجماهير على اعتناق الخرافات المنافية للعقل علنا من صعوبة الأمر. تعد صناعة الخرافات الرسمية أيضا وسيلة لتطبيق الانضباط داخل النظام. علم ستالين – رائد فكرة تأليه الزعيم الدكتاتور الحديثة – جيدا أن نسج الخرافات حول شخصه سيكون من الصعب أن يتجاوزه رفاقه القدامى، وقد حذر لينين تحديدا من هذا الأمر. ولكن تعرض هؤلاء الذين عارضوه إلى القتل سريعا. أما بالنسبة لمن تبقى من الرفاق، فقد كان الإذعان لتأليه الزعيم مذلا، وفي الإذلال وسيلة قوية للسيطرة على الخصوم المحتملين. ولكن الزعماء المؤلهين، مثل معظم النماذج الدكتاتورية، لديهم عيوبهم. كلما زاد قدر التأليه، كان تحدي خلافته أكبر. لا يملك ورثة الحكم بالفعل سوى خيارين: التخلص من تأليه الشخص أو الحصول على مكانة تأليه أفضل. الخيار الأول خطير، في الاتحاد السوفياتي، كان خطاب نيكيتا خوروشوف السري الشهير عام 1956، حيث انتقد ستالين بعد وفاته لما يطلق عليه «الزعيم المؤله»، على الرغم من كل شيء سري، واعتبر مدمرا للشعب السوفياتي. اليوم تبرز عائلة كيم الحاكمة في كوريا الشمالية مخاطر هذا الخيار: بعد أن نشرت الصحف الرسمية بالفعل أن القائد العزيز كيم يونغ إل يتقن قراءة الخواطر، فماذا من المفترض أن يفعل ابنه ووريثه المعين حديثا كيم جون أون ليصبح مثله؟

المستبد المستنير



«في بعض الأحيان يتطلب الأمر وجود دكتاتور لإنجاز المهمة». في الواقع لا. لم يساعد العامان الماضيان كثيرا في الترويج لقدرات النموذج الديمقراطي الغربي على اتخاذ إجراءات كبرى ومؤلمة ولكنها ضرورية. يصوب بعض الغربيين المصابين بالإحباط بسبب كل شيء، بدءا من الفشل في تحقيق توازن في الميزانيات إلى العجز الواضح عن مواجهة تحديات تغير المناخ، أنظارهم في حزن إلى الحكم القمعي للحزب الشيوعي في الصين. كتب توماس فريدمان في مقال له عام 2009 في «نيويورك تايمز»: «بالتأكيد توجد عيوب في نظام الحكم المستبد ذي الحزب الواحد. ولكن عندما تقوده مجموعة من الأشخاص المستنيرين، كما في الصين اليوم، من الممكن أن يكون له مميزات كبيرة». في مارس (آذار) الماضي، كتب مارتين وولف في «فايننشال تايمز» عن كيف «حققت الصين العظمة». لا تعد هذه الرومانسية مع الحكم الاستبدادي أمرا جديدا، حيث وصف كثيرون في واشنطن نظام أوغستو بينوشيه القاتل في شيلي في السبعينيات بأنه قبيح ولكنه أداة ضرورية من أجل الإصلاح الاقتصادي. ولكن الحنين إلى القبضة القوية تتأصل فيه العديد من المغالطات. أولا، تتداخل إخفاقات أحد أنواع الديمقراطية – كما في حالة فريدمان حيث النسخة الأميركية التي وصلت إلى طريق مسدود – مع تصنيف كامل للحكم. ثانيا، يفترض هذا الشعور أن الدكتاتور أكثر قدرة من الحاكم الديمقراطي على إجراء إصلاحات غير شعبية ولكنها لازمة. ولكن لا تتحول القرارات غير الشعبية إلى شعبية لمجرد أن حاكما مستبدا هو من يتخذها، لنذكر فقط كبير المسؤولين الماليين في كوريا الشمالية الراحل باك نام غي، الذي انتهى به الحال أمام فرقة إعدام، بعد رد فعل شعبي عكسي ضد خطة إصلاح للعملة قدمها نظام كيم عام 2010.

في الواقع، ربما يكون الحكام المستبدون، بسبب افتقادهم شرعية الانتخابات الشعبية، أكثر خوفا من إفساد الأمور من الديمقراطيين. على سبيل المثال في روسيا بوتين، لا يستطيع القادة تخفيض حجم الإنفاق العسكري الهائل الذي يحافظ على هدوء الناخبين، على الرغم من أن وزراءهم يدركون أنه لا يمكن تحمله. بالإضافة إلى ذلك، تفترض الإشارة إلى قدرة الدكتاتور على فرض سياسات أفضل على شعبه أنه على الأرجح يعرف ما هي تلك السياسات الأفضل. ربما تكون فكرة وجود حلول تكنوقراطية لمعظم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية مريحة، ولكنها غالبا خاطئة. مثل تلك المسائل نادرا ما تجد إجابات تقنية لا سياسية خالصة، ويمكن فقط في ظل النظام الديمقراطي التعبير عنها وحلها بطريقة تحظى بقبول عام على الأقل، إن لم يكن تاما.

«الثورات الرقمية تأتي بأخبار سيئة للحكام المستبدين». ليس بالضرورة. لاقت وسائل التكنولوجيا الحديثة – من جهاز الفاكس إلى الإنترنت إلى «فيس بوك» – ترحيبا مشابها كقوات لقلب الأنظمة الدكتاتورية. وبالطبع، إذا لم تحقق الهواتف الجوالة و«تويتر» اختلافا على الإطلاق، فلن يستخدمها النشطاء المدافعون عن الديمقراطية. ولكن الاختبار الحقيقي الذي تمر به التكنولوجيا هو قدرتها على تحويل ميزان القوة بين الدكتاتور ومن يحاول إطاحته، لكي تصبح الثورات أسرع أو أكثر نجاحا أو تكرارا. وعلى الرغم من أن الوقت ما زال مبكرا لتأكيد ذلك، لا يبدو منحنى الثورات في 2011 مختلفا كثيرا عن الثورات ذات إمكانيات تكنولوجية أقل في عام 1989، أو حتى 1848. ما يحقق الاختلاف هو مدى سرعة توصل الأنظمة المستبدة إلى كيفية التعامل مع الاختراع الجديد أو استخدامه بنفسها. في بعض الأحيان يحدث هذا بسرعة: كانت المتاريس التي ابتكرت في باريس وجعلت ثورات 1848 ممكنة ذات فائدة، ولكن سريعا ما توصلت قوات الجيش إلى كيفية استخدام المدافع ضدها. كذلك اليوم، يتعلم المستبدون بالفعل كيفية استخدام الهواتف الجوالة و«فيس بوك» للتعرف على خصومهم وتعقبهم.

على سبيل المثال في إيران، استخدمت مراسلات «فيس بوك» وما ينشر على «تويتر» ورسائل البريد الإلكتروني كدليل ضد المتظاهرين في أعقاب الثورة الخضراء الفاشلة. وكالعادة، ما زالت بعض من الاختراعات المستمرة لا تخرج عن كونها تكنولوجية على الأقل. كانت الاحتجاجات الحاشدة والمظاهرات والإضرابات، على الرغم من وجودها في كل مكان الآن، مجرد أفكار جديدة في البداية كما هو الحال مع «تويتر»، ولكنها استمرت لتلعب دورا حاسما في نشر الديمقراطية والحقوق المدنية حول العالم. ومن المفيد أن نتذكر أن ليس جميع الأدوات الجديدة المهمة تأتي في صندوق أو عبر اتصال الواي فاي.

شرارة الأمل



«الدكتاتورية في طريقها إلى زوال». ليس في عصرنا هذا. قامت الانتفاضات الأخيرة في الشرق الأوسط، على الرغم من أنها ملهمة، على خلفية كئيبة. ذكرت منظمة فريدوم هاوس أنه في عام 2010، للعام الخامس على التوالي، فاق عدد الدول التي ساءت فيها الحقوق المدنية والسياسية تلك التي شهدت تحسنا في تلك الحقوق، وذلك في أعوام متتالية هي الأطول منذ بداية تجميع المنظمة للبيانات في عام 1972. بعد عقدين من انهيار الاتحاد السوفياتي، ربما تزدهر الديمقراطية في وسط أوروبا الشيوعية وأميركا اللاتينية وأيضا البلقان، ولكن ظلت معظم دول الاتحاد السوفياتي السابق شمولية. وعلى الرغم من تحرر عدد قليل من الدول العربية من حكامها الطغاة حديثا، فإنها ما زالت تخوض مرحلة انتقالية. لا يستبعد الفقر أو الفساد، الموجودان على سبيل المثال في مصر وتونس، أن تصبح الدولة ديمقراطية – ومثال على ذلك الهند – ولكنه يجعل من الأصعب بناء نظام ديمقراطي مستقر. ولكن أشعلت الثورات العربية شرارة الأمل، تلك التي أقلقت بوضوح حكاما مستبدين في مناطق بعيدة تصل حيث موسكو وبكين.

السؤال الآن هو ماذا يجب على الأنظمة الديمقراطية الليبرالية في العالم أن تفعله أو لا تفعله من أجل الدفع قدما. بمراجعة تاريخ الولايات المتحدة الطويل في تعزيز الديمقراطية وما شهده من نجاحات وإخفاقات، والدرس الذي لا مفر منه، بعيدا عن المغامرات الأخيرة في العراق وأفغانستان، القليل غالبا ما يعني الكثير. إن تقديم المساعدات – كما فعلت الولايات المتحدة مع المعارضة في دول مثل صربيا وأوكرانيا وجورجيا – أو مجرد تقديم نموذج كوسيلة لإطاحة دكتاتور أفضل من القيام بإطاحة ذاتها. ولكن في كلتا الحالتين، من المهم أن نذكر أن الأصدقاء الغربيين الأقوياء ليسوا كل شيء. على أي حال، الدرس المستفاد من تونس ومصر هو أن الطغاة يسقطون في بعض الأحيان على الرغم من، وليس بسبب، المساعدة الأميركية.

* خاص بـ"المجلة"



غرايم روبرتسون - فورن بولسي 25 أبريل 2011


اشترك في النقاش