الجهاديون في ليبيا: حلفاء اليوم.. أعداء الغد

عبدالحكيم بالحاج الحاكم العسكري لطرابلس

ولكن هل ستصمد القيم التي حرّكت الناس ودفعتهم لبدء التغيير وبذلوا لأجله المال والأهل والوقت، أم يتحول الثوار إلى حُكام يستبدون، يُعيدون إنتاج ما سلف؟ وهل ستطغى معاني الديمقراطية، والحرية، والمساواة، والعدالة، أم سُتزيف بستار جديد، وتغلّف بغلاف يُصيب الناقد برهاب؟ وهل الجواب عن هذه الأسئلة يحتاج الانتظار إلى أن يستبد الثوّار، أم أن قراءة المزيج الثوري توفر لنا أجوبة، وربما حلولاً، تستدعي إعادة النظر.

صدر عن تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي بيان يتبنى الهجوم الإرهابي الذي تعرّضت له "الأكاديمية العسكرية في شرشال" بالجزائر، ندد البيان بما سمّاه دعم النظام الجزائري لنظام العقيد القذافي في ليبيا. و تزامنت العملية الإرهابية مع بداية انهيار نظام العقيد، وبداية غروب شمسه، وبداية شروق شمس جديدة، لنظام جديد في ليبيا.

لا تُخفي الجزائر تخوّفها من لون النظام القادم في ليبيا، في ظل شواهد تُرَجح ألاّ يستطيع الحكام الجدد محاربة تنظيم القاعدة، ولا يستبعد الجزائريون تحالف بعض القادة الجدد في ليبيا مع تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي ومجموعات جهادية أخرى. فيتم تأمين تحركات التنظيم والحركات الجهادية، وربما تغطيتها ودعمها لوجستيًا وغير ذلك.

القذافي.. الهروب الكبير



ظهرت العديد من الشواهد المؤيدة لهذه الطروحات، مثل سيطرة قوات القاعدة على طرق صحراوية في الجنوب الليبي لفترة محدودة، إلا أن ذلك يمكن أن يعتبر في إطار استغلال القاعدة للوضع الأمني المنفلت في ليبيا. ولكن الظهور الكبير لرموز الجهادية الليبية يعتبر من الإشارات المقلقة للعديد من الدوائر، بخاصة بعد أن ظهر أمير الجماعة الإسلامية المقاتلة عبدالحكيم بالحاج حاكمًا عسكريًا لطرابلس، يُعين مجلسها الانتقالي و يوجهه.

التخوّف الجزائري من حُرّاس "ليبيا المستقبل"، وإصرارها على أن تتحصل على تعهد واضح منهم ينص على محاربتهم للقاعدة، أعاد للأذهان التساؤل عمّا ستؤدي إليه الاحتجاجات العربية في مجملها، وعن لونية الوضع الجديد في المنطقة، فأعيد السؤال الذي طُرح مع بداية الاحتجاجات: أهو ربيع عربي أم صيف ديمقراطي أم خريف إسلاموي؟ ليُطرح هذه المرة بعيدًا عن التخويف من استخدام الفزّاعات.

المتفائلون بـ"الربيع العربي"، بنوا آمالهم عليه وعمّدوه ليكون جالب الديمقراطية إلى العالم العربي، ويفترضون أن "الثورات" أثبتت وعيًا عربيًا، ورغبةً في التغيير، ويراهنون بأن العالم العربي دخل مرحلة "ما بعد الإسلاموية". فالأحداث في تونس ومصر كان يقودها شباب ليبرالي بعيد عن الإيديولوجية الإسلاموية، حيث تعتمد هذه النظرة على أن الإسلامويين كانوا في المؤخرة. بينما يشير باحثون - على النقيض من نظرة المتفائلين- إلى أن تعدد القوى في المزيج الثوري، يجعل التفاؤل مجرد اجتهاد متسرع، فلم يكن لأحد أن يحدد أي القوى سيسود في مرحلة مابعد الثورة، بخاصة وأن الاستراتيجية الإسلاموية تمثلت في "القيادة من الخلف"، وهؤلاء لا يؤمنون بوجود عالم ما بعد الإسلاموية، فهم يعرفون أن الأفكار العميدة تجذب قدامى الإسلاميين، حتى حينما يضطرهم الواقع لتغيير مدارهم، تبقى القوى الدافعة هي ذاتها والأفكار.

في ليبيا، يسيطر على الغطاء السياسي الآن مجلس انتقالي معتدل، يتعاون مع المجتمع الدولي، فيوفر الغطاء اللازم ويُكسب الدولة الشرعية، ويجلب التمويل، ويتابع الأموال المجمدة، ويحظى على دعم مستحق من الدول العربية والغربية، بينما يسيطر على الأرض إسلاميون على شاكلة بالحاج و الصلابي، وإلى الآن لا يبدو أن خلافًا كبيرًا بين السياسي والعسكري، و لكن لا يستطيع أحد أن يقطع همس بعض العسكر من الإسلاميين "المجلس الانتقالي لا يعنينا كثيرًا"، و لا يمكن أن يتم تجاهل السؤال الحقيقي الذي يحاول أن يختبر هذا التحالف: إلى أين تساق ليبيا الغد!


اشترك في النقاش