• العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari
مدوّنات, من واشنطن

المثقّف الشقي

كريستوفر هيتشنز
كريستوفر هيتشنز
كريستوفر هيتشنز

رحل البريطاني – الاميركي كريستوفر هيتشنز، احد ابرز المثقفين في العالم، عن 62 عاما كانت حافلة بالمواقف المتناقضة، فهو تحول من ثوري معارض للحرب الاميركية في فيتنام في السبعينات الى كاتب مؤيد للحرب في العراق بعد ثلاثة عقود.

هيتشنز اكتسب شهرة واسعة لاشهاره الالحاد، ولخوضه في حوارات مع رجال الكنيسة. كما عرف عنه ايضا حسه النقدي اللاذع، واستخدامه للغة بشكل لا يضاهى، واناقته في الحوار وفي تقديم الافكار، مما اجبر محاوريه على احترامه دوما.

ولهيتشنز، الذي سكن واشنطن، تجربة طويلة في الدول العربية، كانت آخرها في رحلة قام بها مع عدد من الصحافيين الاميركيين الى بيروت في شباط – فبراير 2009. في احدى ليالي اقامته في بيروت، خرج هيتشنز يتمشى بصحبة اثنين من زملائه في شارع الحمراء ووصل الى ما يعرف بتقاطع “الويمبي”، نسبة لمقهى اشتهر في الثمانينات ولكنه اغلق ابوابه قبل سنوات.

وللويمبي قصة، مفادها انه اثناء الاحتلال الاسرائيلي لبيروت في العام 1982، جلس ضابط اسرائيلي برفقة جنديين في هذا المقهى. وصدف في تلك الاثناء جلوس عضو في “الحزب السوري القومي الاجتماعي” خالد عليوان، الذي ذهب الى بيته، وجاء بمسدس، وقتل الاسرائيليين. وبعد ذلك بفترة، تم اغتيال عليوان في حملة تصفيات داخل الحزب نفسه، الا ان الحزب اقام لوحة تذكارية تحمل شعار الحزب وصورة عليوان، ونصبها امام المقهى.

رأى هيتشنز اللوحة وعليها شعار الحزب، المعروف بالـ “زوبعة”، والذي يشبه كثيرا شعار النازية الالمانية، فاستل قلما من جيبه، وحاول تشويه الشعار، وصادف وقتذاك مرور اعضاء في الحزب القومي، الذين اعتدوا على هيتشنز بالضرب.

في واشنطن، رأيت هيتشنز صدفة بعد عودته من بيروت بعدما اطلعني الاصدقاء على حادثة “تقاطع الويمبي”. تقدمت منه معبرا عن اسفي لتعرضه للأذى، فبادرني بسرعة بديهته بجملة لخصت مجمل وضع الاحزاب التي تسمي نفسها “مقاومة” في لبنان، وقال: “المفارقة هي في ان تتحول لوحة ترمز الى مقاومة الاحتلال الاسرائيلي لبيروت الى رمز لقمع الرأي الآخر في لبنان والاعتداء على الناس بالضرب”.

مدخّن شره قتله ادمانه على السجائر
مدخّن شره قتله ادمانه على السجائر

وحدثني هيتشنز كذلك عما سماها “مغامراته” مع بعض الانظمة العربية، وقال انه زار بغداد يوما في السبعينات عندما كانت تحتضن مقاتلي “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين” من امثال وديع حداد وكارلوس. “جاءني رجل وقال لي ان صدام يرسل الي تحياته وانه ترك لي هديه صغيرة في غرفتي في الفندق”. واضاف: “لم اعرف ان كان يتوقعني ان ابادره بالشكر لاقتحامه غرفتي بغيابي واختراقه خصوصيتي، ثم ذهبت الى الغرفة وكان هناك ظرف فيه رزمة من مئات الدولارات… لم آخذها ولم ازر بغداد ولا اتصلت بأي عراقي منذ ذلك اليوم”.

وختم هيتشنز حديثه بالقول ان “القوى الثورية العالمية تحولت الى بنادق مأجورة لدى الانظمة الديكتاتورية المختلفة في العالم”، وهو على الارجح ما ساهم في انقلاب موقفه من ثوري معارض لـ”الامبريالية” الى صديق لـ “المحافظين الجدد” وابرز مؤيدي الحرب في العراق للاطاحة بحكم ديكتاتور اختبره هيتشنز شخصيا.

رحل هيتشنز ورحلت كتاباته اللاذعة في مجلة “فانيتي فير”، واطلالاته التلفزيونية المتكررة مع الساخر “بيل ماهر”، وكتبه التي غالبا ما تضمنت ذكرياته عن زياراته الى معظم دول العالم. الا ان اناقة هيتشنز الفكرية واللغوية، والتي فرضت احترام خصومه له، ستبقى، وهو شأن المثقفين عموما، على اختلاف مواقفهم ولغاتهم وازمانهم.

“المجلة” وبمناسبة رحيل كريستوفر هتشنز تقدم لقرائها عرضا لأحد أهم كتبه «هتش 22» الذي يعتبر كتاب مذكرات لهذا الرجل الذي تميز طوال حياته بآرائه ومواقفه المثيرة للجدل.

«هتش 22» مذكّرات

كريستوفر هتشنز.. جرأة بلا حدود

رغم ما يمكن أن يقوله منتقدوه، فإن كريستوفر هتشنز، هو كاتب متحرر من الأكليشيهات ينظر إلى المفارقة كفضيلة يجب الاعتزاز بها. وفي مذكراته «هتش 22» يعالج هتشنز موضوعاته المفضلة من الإلحاد وأزمات سياسات اليسار، والأدب الإنجليزي وكراهيته للفاشية. وفي داخل تلك المعالجة، تحدث حول صراعاته وأصدقائه المقربين من الشخصيات العظيمة – من سلمان رشدي إلى إدوارد سعيد – وهو ما عمل، بالتضافر مع عناصر أخرى على إلقاء الضوء على التهديد الواضح للآيديولوجيات الأصولية. ويبرر التكرار الدائم للأنماط الرئيسة والمبادئ القوية لهتشنز السبب والكيفية اللذين جعلا هتشنز يتعلق بفكرة «هتش 22».

كيف يمكن لكاتب يكره الأكليشيهات أن يتعامل مع ذلك الشكل المكرر من الأشكال الأدبية، المذكرات؟ فهو وسيط يتمحور أساسا حول الذات، ومحمل بقرون من التقاليد العريقة التي يمكن أن تشعر المرء بخوف أصيل من السقوط في شرك سرد الأحداث دون مفارقة. كريستوفر هتشنز، رغم ما يمكن أن يقوله منتقدوه عنه، هو كاتب يكره الأكليشيهات ويعتبر المفارقة فضيلة يجب الاعتزاز بها. ولذلك كتب مذكراته «هتش 22» بالطريقة الوحيدة التي بقيت أمامه، حيث ربط الأحداث المهمة في حياته بطريقة تبتعد عن الأكليشيهات وتعتمد بشكل أساسي على المفارقة والحس الفكاهي الحي.
ومن خلال تلك التقنية، عالج هتشنز موضوعاته المفضلة من الإلحاد، ونزوات السياسات اليسارية، والأدب الإنجليزي، وكراهية الفاشية. وعبر تلك المعالجة، تحدث حول خصومه وأصدقائه المقربين من الشخصيات العظيمة – من سلمان رشدي إلى إدوارد سعيد – والتي عبرها، وبالتضافر مع عناصر أخرى، ألقى الضوء على التهديد الموضوعي للإسلام الأصولي.

جنون الحرب

ويشير العنوان بوضوح إلى «كاتش 22»، وهي الرواية المرجع للكتابة الفكاهية والتي تكشف بجرأة عن جنون الحرب من بين أشياء أخرى. ربما تفكر ما هذه الجرأة والوقاحة، قبل أن تدرك أن الأمر لا يتعلق فقط بالتلاعب اللفظي بعنوان رواية جوزيف هيلر الإبداعية. بل لقد تم بناء المذكرات بأسرها إلى حد ما بأسلوب يحاكي بنية كتاب هيلر التي تشبه الدوامة. وفي مركز تلك الدوامة، يوجد جزء سيكون أكثر الأجزاء التي يتم تذكرها، ربما للأسف، وهو الجزء المتعلق بتأييده لغزو العراق في 2003. وفي الغالب فإن قارئ تلك المذكرات، وذلك ما يدركه هتشنز بوضوح ولكنه لا يقر به أبدا، يرغب في قراءتها لكي يطلع على الجزء الخاص بتخلي الكاتب عن معتقداته «الاتجاه لليمين». ويماثل ذلك الحدث غير المصرح به إشارة بطل هيلر، يوساريان، المستمرة لمقتل سنودون في «كاتش 22».

وعلى غرار مقتل سنودون، فإن إغضاب هتشنز لليسار له إرهاصاته في الازدواجية التي اشتهر بها أثناء الطفولة – الاحتفاظ بمجموعتين من الكتب – ثم اتهامه لاحقا بالاشتراكية ثم تبنيه لاحقا لجنسية جديدة – الحصول على الجنسية الأميركية في 2007 – وبالتالي فإن هتشنز يعد يوساريان، في إشارة إلى الطيار الذي يكره الطيران، وقاذف القنابل الذي لا يرغب في إلقاء القنابل.

تعج السيرة الذاتية بالازدواجية والسخرية والتناقض، وحتى الجزء الأساسي المتعلق بطفولته وسنوات طفولته الأولى لم يربط فيه ببساطة بين عدد من ذكريات الطفولة ولكنه جاء ليوضح على نحو مفارق المكان الذي كون فيه المؤلف كراهيته للفاشية – نظام التعليم الإنجليزي الأساسي – وهو «العالم الذي كان سكانه يخضعون طوال الوقت لقواعد لم يكن من الممكن دائما فهمها، ناهيك عن الالتزام بها». ومنذ ذلك الوقت أصبح من الواضح أن سخف طغيان القرن العشرين سوف يصبح هو الوحش الذي يحتشد الشاب في مواجهته.

ولا يسعنا إلا تصديق رواية المؤلف بأنه عندما كان في أكسفورد، كان طالبا راديكاليا مدركا بوضوح وعلى نحو ساخر الانقسامات التي يعاني منها اليسار رغم أنه لم يكن يستطيع التمييز بين قناعته التروتسكية وغيرها من الفرق الاشتراكية. ومن الصعب أن نتخيل شابا أكثر جدية وإقناعا مما تم تصويره هنا ولكن السيرة الذاتية تسمح بلا شك بقدر من الزهو.

زمرة هتشنز

وفي كتابه «هتش 22» لم تكن الدعابة – وبعض الدفء المفاجئ – على مبعدة أكثر من عدة صفحات. وستجد أن قراءة افتخاره المتواضع بلقائه نيلسون مانديلا والتوازن الذي طمأنه عبره رئيس جنوب أفريقيا الأسبق بأن رسالة أرسلها نادي هتشنز للعمال المبتدئين إلى جزيرة روبين أيلاند قد أسعدت يومه. وعادة تكمن متعة قراءة المذكرات في الإثارة التي تخلفها تلك الحكايات والروايات المتعلقة بالمشاهير. وكان هتشنز محظوظا ليس فقط لأنه كان على مقربة من المشاهير ولكن لأنه تمتع بصحبة مشاهير عظماء وموقرين. وإقرارا بذلك، سميت بعض الفصول بأسماء الأفراد. وعلى نحو غير مفاجئ، يتكرر ظهور أثر مارتن أميس طوال الكتاب، حيث يعمل كمعادل شعري للمزاج الأدبي العملي لهتشنز – وهنا تبرز الازدواجية رأسها مرة أخرى – حينما يظهر أميس كتوأم الروح. كما أن المغامرة الغريبة التي قام بها الصديقان المقربان مثيرة بما يكفي، ولكن الفصول المخصصة لإدوارد سعيد وسلمان رشدي تكشف الكثير حول صراع هتشنز من أجل التوصل إلى مواءمة مع سخف العالم.

إن براعة رشدي ومهارته البالغة في معالجة الكلمات تتناقض مع رغباته الصبيانية، وهو المزيج الذي أهّله بامتياز للانتماء إلى زمرة هتشنز اللندنية. فقد كان الجدل القاسي الذي أحاط بالفتوى التي أصدرها آية الله الخميني هو ما أجبر هتشنز على إظهار مخالبه في مواجهة الشمولية الرجعية. وفي أول حادثة يخوض فيها معركة مع زملائه السابقين، كان هتشنز مرتعبا من عدم وجود استجابة لما اعتبره هجوما مباشرا على المبادئ الأساسية للمجتمع الحر.

وقد عملت محنة رشدي كقاطرة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001. وقد أثار ذلك الهجوم العنيف على الولايات المتحدة من قبل قوى التطرف الإسلامي أسى حقيقيا وغضبا في قلب هتشنز – لم يكن التروتسكي المتحمس يرى أي شيء راديكالي في ذلك الهجوم الإرهابي – ولم يكن لديه وقت لسلسلة المبررين لجرائم ذلك اليوم، الأشخاص الذين يفترض أنهم كانوا من المقاربين له فكريا.

وربما يمثل إدوارد سعيد عاشق الأدب الإنجليزي الذي كان هتشنز معجبا به كصديق، نوع المبررين الذين اعتبرهم هتشنز استثناء. وربما يمكن التعامل مع الفصل المخصص لسعيد على غرار كافة الفصول المخصصة لرفاق هتشنز السابقين من اليسار. صداقة قوية واحترام متبادل يتراجع تدريجيا لكي يتحول إلى عداء مهني، نظرا لما يعتبره هتشنز تخليا عن المسؤوليات وإخفاقا في تقديم أحقية واضحة من جانب هؤلاء المدافعين عن الحرية الشخصية، دون تردد يعتمد على الملابسات.

وتدور حكايات هتشنز واستدعاؤه للأحداث حول الفصل الرئيسي (على نحو استعاري) من الكتاب. وتهيمن حرب العراق 2003 على المذكرات إلى حد أن كل شيء قبل أو بعد هو من قبيل الإطار. وقد أثار تأييد هتشنز لتغيير النظام في عراق صدام حسين غضب بعض أصدقائه وجمهوره. ولكن على غرار الانتباه للتفاصيل في مذكراته، فإن التكرار المستمر للأنماط الرئيسية ومبادئه الصارمة، والتي تتضح في النهاية – حتى بالنسبة لنقاده الصرحاء – هو السبب الذي جعل هتشنز يعلق بـ«هتش 22».
ولم يكن اعتباره نفسه يوساريان الكتاب أكثر ملاءمة من الوقت الذي علم فيه بمصير جندي أميركي شاب مات في ملابسات درامية في العراق. ويبدو على نحو ما أن دفاع هتشنز عن الحرب هو ما أقنع الشاب بالمشاركة في الخدمة.
وفي مسار مؤثر، تمكن عبره من امتداح الروح الأميركية بطريقة خالية من المحاباة، كان واضحا أن هتشنز يدرك الجنون اللانهائي الذي واجهه في حياته وهو واثق تماما، مثلما كان يوساريان، من أننا جميعا عالقون بين الشيطان والبحر داكن الزرقة.

Previous ArticleNext Article
حسين عبد الحسين
صحافي وكاتب لبناني، مقيم في الولايات المتحدة الأمريكية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.