نجم الدين العكاري
التاريخ: : الأحد, 22 يناير, 2012
0
طباعة طباعة

حسونة مصباحي: بورقيبة رجل عظيم ولا شأن لتونس بتحرير القدس

المجاهد الأكبر

أكد الروائي التونسي حسونة مصباحي أن تونس بعد 14 يناير 2011 تحتاج الى رجل مثل الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة الذي جنّب، بسياسته الحكيمة والعقلانية، تونس من الوقوع في المستنقعات السياسية والإيديولوجية للشرق الأوسط. وقال مصباحي في حوار مع "المجلة" بمناسبة صدور كتابه الجديد "رحلة في زمن بورقيبة" إن الحكام الجدد من الاسلاميين انحازوا الى "حماس" ويريدون توريط تونس في قضايا هي ليست قادرة على حلها فتحرير القدس شأن فلسطيني وتونس ليست دولة شرق أوسطية بل متوسطية مغاربية لا بد أن تحافظ على علاقاتها المتينة مع الغرب.
الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة

الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة

أصدر الروائي التونسي حسونة مصباحي أخيرا كتابا تحت عنوان “رحلة في زمن بورقيبة” هو عبارة عن سيرة تاريخية من زاوية نظر روائي تعرض فيها لسيرة الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة أول رئيس للجمهورية التونسية متناولا مسيرة الزعيم التونسي في النضال ضد المستعمر الفرنسي و بناء الدولة الحديثة بعد الاستقلال و كذلك السقوط في نظام القائد الواحد و الحزب الواحد.. إلى نهاية حكم بورقيبة.

“الرحلة” تضمن عديد التفاصيل عن حياة “المجاهد الأكبر” كما كان التونسيون يطلقون عليه وكما كان بورقيبة نفسه يحب أن يسمى من خلال رسائله ومطالعاته وعلاقاته بالأشخاص كالسياسيين و غيرهم.
و حسونة مصباحي كاتب غزير الإنتاج ألف روايات عديدة استحضر في بعضها ذكرياته و ذكريات أبناء جيله عن بورقيبة و زمنه.

المجاهد الأكبر الحبيب بورقيبة

المجاهد الأكبر الحبيب بورقيبة

مصباحي الروائي التونسي الذي غادر تونس مطلع الثمانينات ليجوب معظم العواصم و المدن الأوروبية كان قرر الاستقرار بمدينة ميونيخ الألمانية هربا من جحيم المهاجرين و المثقفين العرب الذين امتلأت بهم العواصم و المدن الاوروبية التقليدي.
بعد سنوات الغربة قرر حسونة في النهاية الاستقرار بتونس ليحط رحاله بمدينة الحمامات الساحلية السياحية ليتفرغ كليا للكتابة و القراءة. وألف هذا الكتاب ليتحدث عن سيرة بورقيبة ليحذو حذو كبار الكتاب الغربيين الذين تفننوا في الكتابة عن سير عظماء الشخصيات الاوروبية.

نشر مصباحي “رحلة في زمن بورقيبة ” في تونس من خلال “دار آفاق – برسبكتيف للنشر بتونس” كما نشرته ببيروت دار جداول للنشر، وهو كتاب في 142 صفحة من الحجم المتوسط، يتناول فيه
بأسلوب روائي جميل, سيرة حياة أشهر زعيم تونسي في القرن العشرين.
وفي الحقيقة فان المؤلف كتب كثيرا عن الفترة البورقيبية و استحضر في هذا الكتاب ذكرياته و ذكريات أبناء جيله مع بورقيبة و تحدث عن زمنه بأسلوب قصصي جميل.

وللمؤلف علاقة عاطفية ببورقيبة تحدث عنها في كتابه , إذ ذكر أن” دمعة سخينة نزلت على وجهي المبلل بالعرق ” عندما أبلغه صديق يوم 6 أفريل 2000 بنعي بورقيبة.
ويبرر الكاتب انجاز كتابه عن بورقيبة بعد الثورة وبعد كتابة عشرات الكتب عنه بان “بورقيبة لا يزال شخصية مثيرة للجدل والاهتمام من دونه لا يمكننا أن نتوغل في التاريخ التونسي خلال القرن العشرين ”
وبوب مصباحي سيرة حياة بورقيبة في 25 فصلا رسم كل فصل محطة تاريخية من محطات الزعيم السياسية و أورد فيها حكايات عن علاقات بورقيبة بوالدته و أصدقائه ووزرائه و المقربين منه .

“المجلة” التقته بأحد الفضاءات بمدينة الحمامات لتحاوره حول كتابه الجديد وعن سرّ العودة إلى البورقيبية في تونس بعد نهاية حقبة زين العابدين بن علي و كذلك عن الواقع السياسي التونسي بعد صعود حركة النهضة الإسلامية للحكم في تونس.

فضائل بورقيبة

•لماذا “رحلة في زمن بورقيبة ” الآن و هذا الصنف تحديدا من الأدب بخاصة و أنك عرفت بميلك للرواية؟
-في الحقيقة شرعت في هذا الكتاب قبل 14 يناير 2011 (تاريخ هروب بن علي) و بالتحديد عندما توفي بورقيبة في أبريل 2000. قبل ذلك طلبت مني جريدة الشرق الأوسط اللندنية التي عملت مراسلا لها أن أنجز ملمحا “بورتريه” عن بورقيبة لأنهم حدسوا أن موت بورقيبة أصبح وشيكا و ذلك النص الذي أنجزته شجعني على تأليف هذا الكتاب.
أنا لست مؤرخا و لم أكن قريبا من بورقيبة مثل وزرائه الذين كتبوا عنه من أمثال الطاهر بلخوجة و أحمد المستيري و الباجي قائد السبسي و محمد مزالي و كتاب آخرون و صحفيون أجانب تناول كل واحد منهم و من زاوية خاصة ومن وجهة نظره سيرة الزعيم بورقيبة.
أنا بالأساس معجب بالسير التي يكتبها الكتاب الغربيون عن شخصيات سياسية أو غيرها من أمثال ستيفان زيفاغ النمساوي الذي كتب أروع السير عن ماري أنطوانيت و الرحالة ماجلان و تولستوي الذي هو مثالي في كتابة السير و حاولت أن أحذو حذوه و أن أكون شبيها به في كتابي عن بورقيبة فهي إذا سيرة من خلال روائي و ليست من خلال مؤرخ و من هنا جاء اهتمامي بالتفاصيل الصغيرة في حياة بورقيبة من خلال رسائله و مطالعاته و علاقته بالأشخاص كالسياسيين و غيرهم.

•هل قمت بعمل استقصائي لسيرة الزعيم بورقيبة بعيدا عما كتب و روي عنه؟
-أهم شيء أريد قوله إن بورقيبة كان شخصية محورية في حياتي ككاتب و إنسان، أولا لأنني من جيل ولد وكبر ونضج في عهد بورقيبة، ثم أنني قابلت بورقيبة مرتين لذا كان الرجل حاضرا ليس في مثل هذا الكتاب فحسب وإنما في رواياتي و قصصي مثل الآخرون وهلوسات ترشيش ورماد الحياة. و كتبت عنه قصة من أجمل ما كتبت، وهذا برأي النقاد، وأعني بذلك قصة عيد ميلاد الزعيم.
فقد كان عيد ميلاد بورقيبة الموافق 3 أغسطس احتفالا وطنيا بامتياز ينشغل به التونسيون وهو ما أوحى لي بقصة أسخر فيها بطبيعة الحال من هذا الاحتفال الذي تحول مع تقدم بورقيبة في السن إلى مهزلة وطنية يبرز فيها القبح أكثر مما يبرز فيها الجمال.
لقد قرأت الكثير من الكتب و الدراسات و المقالات التي تناولات سيرة الزعيم بورقيبة لكن ما يهمني هو رؤيتي الشخصية لبورقيبة.

•في كتابك إعجاب و انبهار ببورقيبة وتذكر أنه كرّمك و منحك جوائز كان لها دور كبير في ما أنت عليه اليوم.. كيف ذلك؟ وهل هذا الكتاب عرفان بجميل بورقيبة عليك؟
-هذا الكتاب هو تقدير شخصي لرجل من أعظم الشخصيات التونسية التي كان لها تأثير كبير على جميع المستويات في مسار بلادنا فأنا كنت قد كتبت عن محمد علي الحامي و فرحات حشاد و هما من رموز الحركة النقابية، وعن الزعيم الوطني صالح بن يوسف وعلي البلهوان.. وأنا الآن بصدد كتابة سيرة عن المناضل الكبير عبد العزيز الثعالبي وأيضا الطاهر صفر كما كتبت أيضا عن المصلح خير الدين التونسي و كذلك القديس أوغستين وهو من أعظم الشخصيات التي طبعت التاريخ التونسي دينيا وفلسفيا قبل الإسلام.
وكل هذا يندرج ضمن اهتمامي بالتاريخ التونسي القديم و الحديث على حد السواء و الشخصيات الفاعلة فيه.

بورقيبة.. باني تونس الحديثة

بورقيبة.. باني تونس الحديثة

•ماذا يميّز بورقيبة عن باقي هذه الشخصيات و غيرها؟
-كانت لبورقيبة فضائل كبيرة جدا على تونس والتونسيين أولا على مستوى بناء الدولة الحديثة التي شملت إصلاح التعليم واجباريته وسنّ قوانين لتحرير المرأة و تحديد النسل وأيضا على مستوى السياسة الخارجية من خلال ربط علاقات مع كل الدول على أساس سياسة معتدلة بعيدة عن التطرف والتشنج الذي تميزت به السياسات العربية في زمنه مثل سياسة عبد الناصر و سياسة الزعماء البعثيين في كل من سوريا و العراق وانا أقدر جدا موقف بورقيبة من القضية الفلسطينية اذ أن التاريخ أبرز أن مواقفه كانت صحيحة وأنه كان على حق في مجمل مواقفه و الدليل على ذلك أن الذين اتهموه بالخيانة بعد خطاب أريحا التاريخي منيوا بهزائم مريعة و مذلة بسبب السياسة التي انتهجوها، والرئيس المصري الراحل عبد الناصر كان أبرز هؤلاء ثم يأتي بعد ذلك صدام حسين والعقيد القذافي و حافظ الاسد و أسامة بن لادن.
لقد كان بورقيبة مثالا للعقلانية العربية التي لازلنا نطمح أليها و نريدها أن تكون متحكمة في قراراتنا و في توجهاتنا وفي علاقتنا مع الغرب بالخصوص.

نصيحة رئيس

•ذكرت في كتابك أنك التقيت الزعيم بورقيبة، حدثنا عن هذه اللقاءات؟
-أنا مدين لبورقيبة لما أنا عليه الآن، فمن خلال سنّه لقانون أوائل الستينيات من القرن الماضي يضمن لأبناء الريف من أمثالي الدخول إلى المدرسة و هم فوق السن القانونية تمكنت من الالتحاق بالمدارس والتميز فيها و أذكر أنني في سن الخامسة عشرة من عمري كتبت قصيدة نشرت في المجلة المدرسية بالمعهد الذي درست به في مدح بورقيبة بعد الهجومات التي تعرض لها بعد زيارته للمشرق العربي. في هذه القصيدة أعبر عن تأييدي له و عن إكباري لموقفه تجاه القضية الفلسطينية و لكن بعد ذلك تحمست للنضال الطلابي الذي كان يتزعمه اليساريون آنذاك و أصبحت من ألد أعداء بورقيبة و نظامه و قد دفع بي هذا الحماس إلى كتابة منشور انعت فيه بورقيبة بالعميل الأكبر للسخرية من وصفه بالمجاهد الأكبر.
وهذا المنشور كلفني حكما بالسجن لمدة عامين غير أنني لم أقض سواء أربعة أشهر من هذه المدة إذ أن بورقيبة أصدر عفوا بشأني و بشأن مسجونين من الطلبة و ذلك بطلب منا و كانت مقابلتي به عقب هذا العفو حدثا كبيرا في حياتي إذ حظيت هذه المقابلة بنقل مكثف من قبل وسائل الإعلام وكان بورقيبة وقتها رحيما إذ أنه لم يغضب بسبب نعتي له بالعميل الاكبر بل أكتفى أن قال لي هل يمكن أن تصفني بهذه الصفة وأنا الذي حررت تونس وبهدوء قال لي انا أنصحك أن تهتم بنفسك قبل أن تهتم بالسياسة.
وسألني أيضا كيف تسمح لنفسك بأن تكون ماركسيا لينينيا من دون أن تقرأ رأس المال وهذا شيء مخجل مقدما لي النصيحة التالية عليك أن تقرأ قبل أن تتبنى أفكارا لا تفهمها.
كانت نصيحة ثمينة أعمل بها إلى حد هذه الساعة. ولابد أن أذكر أيضا أن بورقيبة كان قد استقبلني وأنا في السابعة عشرة من عمري وتحديدا في صائفة 1967 احتفالا بيوم العلم. وقتها كنت قد نجحت الأول في الجمهورية التونسية ومنحني جائزة تتمثل في ثلاثة كتب مهمة سيكون لها تأثير كبير في مساري الفكري و الأدبي و هي رواية الأب لبلزاك والأم لمكسيم غوركي وروح الشرائع لمونتسكيو.

•شهدت الساحة السياسية التونسية بعد ثورة 14 يناير عودة قوية للفكر البورقيبي، و عديدة هي الأحزاب التي تبنت الفكر البورقيبي بماذا تفسر هذه العودة؟
-بورقيبة شخصية عظيمة لابد من العودة إليها ومن الواجب الاعتراف أنه حدث بعد 14 يناير فراغ سياسي رهيب شعر به التونسيون تمثل في غياب الزعامات التي تقنعهم ببرنامج سياسي واجتماعي واقتصادي مثل ما كان الحال مع بورقيبة.
ونحن نلاحظ أن هذا الفراغ لا يزال مستمرا إلى حد الساعة و سوف يستمر إلى سنوات لأن كل الأحزاب الفاعلة الآن بما فيها حركة النهضة الحاكمة تفتقر إلى برنامج مقنع وواضح يرتقي إلى حجم برنامج بورقيبة الذي كان صراحة ثورة قبل الاستقلال و بعده.

حسونة مصباحي: أنا لا أتظاهر في الشوارع و لا أصرخ... أنا  أكتب

حسونة مصباحي: أنا لا أتظاهر في الشوارع و لا أصرخ... أنا أكتب

•ماهو تقييمك لما كتب عن بورقيبة وما قيل عنه؟
-أنا لست هنا لتقييم ما كتب عن بورقيبة ومن خلال كتابي هذا أحاول أن أقدم رؤية كاتب لشخصية هامة في تاريخ البلاد.
نحن في العالم العربي نحتاج إلى كتب مختلفة عن شخصياتنا السياسية والفكرية مثل ما هو الحال في الغرب فعشرات الكتب صدرت عن الزعيم الفرنسي شارل دي غول وكذلك الزعيم الانجليزي وينستون تشرشل و كذلك ميتران وغيرهم و السبب الرئيس لغياب مثل هذه الكتابات في الوطن العربي هي الرقابة والخوف حيث يمنع في الوطن العربي نشر روايات أو كتب سير عن الرؤساء العرب وهم عل قيد الحياة.
كما أن الوثائق في الوطن العربي لا تزال إلى حد الآن ملكا خاصا للأنظمة الحاكمة في حين أن هذه الوثائق و في الدول المتقدمة ملك للجميع.
لذلك لا تزال الكتب المخصصة لسير الشخصيات الكبيرة فقيرة من نواحي عدة بما في ذلك كتابي فأنا كنت أتمني مثلا الحصول على وثائق نادرة تتعلق ببورقيبة بخاصة في الأيام الأخيرة لحكمه وكذلك لحياته فهو في هذه الفترة أصبح شبيها بالجنرال في متاهته في كتاب غابريال غارسيا ماركيز، فقد كان بورقيبة يعتقد أنه يعلم كل شيء عن البلاد في حين أنه كان مقطوعا عن كل شيء و هذا ما سهل على زين العابدين بن علي عملية الانقضاض على بورقيبة وعلى حكمه.

•كان الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي يقول إنه وفي للتراث البورقيبي و لفكره التحديثي هل ترى ذلك؟
-في البداية أقنع بن علي الكثيرين من سياسيين و مثقفين وهذا ما يفسر انضمام عدد مهم من اليساريين المناهضين لبورقيبة للحزب الحاكم ليصبحوا من المؤيدين الكبار لبن علي و لنظامه.
حاول بن علي في بداية حكمه الوفاء للتراث البورقيبي لكنه شيئا فشيئا بدأ في التخلي عن البورقيبية بل أصبح عدوا لها لذلك كان يعامل بورقيبة وكأنه أسير في بلده كما أنه رفض أن تنقل وسائل الإعلام مراسم جنازة بورقيبة وكان حريصا على تشويه الماضي البورقيبي وعلى تشويه كل الشخصيات التي كانت مقربة من بورقيبة، وكأنه أراد أن يقول للتونسيين وغيرهم إن عهد بورقيبة كان عهدا مظلما في حين أن عهده كان عهدا جديدا و متنورا.
لكن في النهاية انكشفت اللعبة و الخدعة و دفع بن علي و بطانته الثمن غاليا فهم الآن يعاملون كملعونين تاريخيا في حين عاد بورقيبة إلى الواجهة رغم سلبياته ليصبح رمزا تاريخيا من جديد.. بورقيبة هو الأب الوطني و نحن نريد اليوم أن يكون بورقيبة ملهما لنا بأفكاره التنويرية لمرحلتنا الجديدة.
وباختصار لا نريد بورقيبة المستبد نريد بورقيبة المتنور الذي صنع دولة تونس الحديثة بجميع معانيها.

حكمة سياسية

•صعد الإسلاميون اليوم للحكم في تونس متمثلين في حركة النهضة وهم للتاريخ من ألد أعداء بورقيبة الذين زج بقادتهم في السجن وحكم على بعضهم بالإعدام.. ما سرّ العداء بين بورقيبة و الإسلاميين حسب رأيك؟
-المشروع البورقيبي يتناقض مع مشروع الحكام الجدد لتونس و المتمثلون في النهضة و شركاؤها.. فالإصلاحات التي قام بها بورقيبة في التعليم و المرأة و الحداثة هي اليوم مستهدفة من قبل الحكام الجدد ثم أن بورقيبة كان يريد أن ينأى ببلادنا عن المستنقعات السياسية و الإيديولوجية للشرق الأوسط.

نسخة بيروت

نسخة بيروت

كان مثلا يسلك سياسة معتدلة لا يميز بين الفرقاء السياسيين في أي قضية من القضايا الشرق أوسطية.. كان يقول مثلا إننا مع الشعب الفلسطيني في حقوقه المشروعة لكن اليوم نرى أن الحكام الجدد يختارون حماس و يتجاهلون الفرقاء الآخرين وهذا دليل عن غياب الحكمة السياسية.
كما أن الحكام الجدد يريدون توريط بلادنا في قضايا نحن لسنا قادرين على حلها فحمادي الجبالي (الوزير الأول التونسي) يتحدث عن تحرير القدس في حين أن هذا من شأن الفلسطينيين وهذا أمر خطير جدا وتجاهل لتاريخنا.. فنحن لسنا دولة شرق أوسطية نحن دولة متوسطية مغاربية لا بد أن تحافظ على علاقاتها المتينة مع الغرب.
ولابد أن تظل بلادنا بعيدة عن الصراعات القاتلة التي سممت بلدان الشرق الأوسط وأدت ببلدانها إلى الخراب مثل العراق و مصر.
من هنا أنا مع بورقيبة ضد الحكام الجدد.. أنا مع الحكمة السياسية و لست مع الديماغوجيا الإيديولوجية.
إننا نعيش مرحلة خطيرة بحيث علينا أن نبقي تونس متوسطية معتدلة وإلا فإننا كشعب سوف ندفع الثمن غاليا مقابل هذه السياسات التي لا تمت لواقعنا بصلة بل هي مستوردة ومن وحي الزعامات السلفية التي لا تخضع لمعايير ولا علاقة لها بواقعنا السياسي والاجتماعي والثقافي.

نسخة تونس

نسخة تونس

•الشعب التونسي يحتفل هذه الأيام بالذكرى الأولى لثورة 14 يناير.. السؤال المطروح هو لماذا غاب المثقفون بشكل شبه كلي عن ثورة الشعب التونسي ولزموا الصمت ولم يسمع لهم الشعب موقفا إلا بعد سقوط بن علي؟
-أنا لست معنيا بهذا السؤال لأنني أيضا كنت غائبا ولم أسجل حضوري في الشارع لكن كنت موجودا في الكتابة.. أنا لا أتظاهر في الشوارع و لا أصرخ… أنا أكتب… لقد نأيت بنفسي عن أي عمل أو نشاط سياسي منذ مطلع الثمانينات وكان قدري الكتابة التي أعبر من خلالها عن مواقفي السياسية.
أنا عشت الغربة والوحدة التامة وقد نفيت نفسي بنفسي في عهد بورقيبة لما قاسيته من ظلم و إقصاء وفي الغربة كتبت معظم رواياتي وبعد عودتي إلى تونس تفرغت للكتابة و سيصدر لي عدد محترم من الروايات والكتب الملتصقة بالواقع التونسي قديما و حديثا.
لقد كانت إجابتي عن كل ما يحدث هي الكتابة و فيها العمل الثوري الوحيد بالنسبة لإنسان يحترم الكتابة و يحترم نفسه ككاتب.
وأريد أن أختم كلامي بالقول إن أكبر لعنة يمكن أن تصيب سياسي مثل بن علي أن يخرج من التاريخ بتلك المواصفات التي خرج بها من التاريخ التونسي بعد 23 سنة من الحكم المطلق.

أجرى الحوار: نجم الدين العكاري

نجم الدين العكاري

نجم الدين العكاري

صحافي وإعلامي تونس. نائب رئيس تحرير صحيفة الشروق التونسية

More Posts

شاركنا

أكتب تعليقا

يمكنك استعمال <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>


6 − 4 =