الجامعة العربية بعد الربيع العربي.. تكون أو لا تكون - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

قضايا

الجامعة العربية بعد الربيع العربي.. تكون أو لا تكون

نبيل العربي أمين عام جامعة الدول العربية
نبيل العربي أمين عام جامعة الدول العربية
نبيل العربي أمين عام جامعة الدول العربية

لقد أحاطت العديد من التساؤلات القاسية بالهيئات متعددة الأطراف كجامعة الدول العربية، والتي تتعلق بمدى فعاليتها في السنوات الأخيرة. فقد أكد روبن نبلت، مدير المعهد الملكي للشؤون الدولية (شاثام هاوس) أن: «الدولة القومية يتم تمكينها وليس إضعافها، ومن حيث الحوكمة العالمية، فنحن لدينا عالم تنتقل فيه القوة إلى الجنوب والشرق، وهو ما يمثل تحديا خطيرا أمام النظام الحالي متعدد الأطراف». وعلى الرغم من أن غالبية الهيئات العالمية متعددة الأطراف تطالب بضرورة إصلاح كل من الأمم المتحدة ومجلس الأمن اللذين عفى عليهما الزمن، هناك إرهاصات لتغير دور وأهمية المنظمات الإقليمية متعددة الجنسيات مثل جامعة الدول العربية.

ووصف كريس دويل، مدير مجلس التفاهم العربي البريطاني (كابو) جامعة الدول العربية قائلا: «الكثيرون يرون أنها لا علاقة لها بالواقع، حيث إنها تعكس فقط أهواء الحكام وليس آراء الشعوب، وأنها لا تستهدف سوى الحفاظ على أوضاع ما بعد الاستعمار، فحتى القادة العرب لا يعبؤون بها في الغالب». على أية حال، ربما يؤدي الربيع العربي إلى إحداث تغييرات في مسؤولية الجامعة ونطاقها كلاعب دولي. حيث إن هدف الجامعة المعلن هو تعزيز العلاقات بين الدول الأعضاء، وتنسيق سياساتهم، وكذلك تنمية مصالحهم المشتركة.

ولكن المصالح المشتركة للدول الاثنتين والعشرين اختلفت في ظل الثورة التي شهدتها بعض الدول الأعضاء (تونس)، والثورة الجزئية في كل من مصر واليمن، والحرب الأهلية في كل من ليبيا وسوريا. وعلى الرغم من أن الربيع العربي لم ينته بعد، أو يتم استيعابه تماما، فمن الواضح أن الأولويات في جميع أنحاء المنطقة تشهد تغيرا، وأن البنى الديمقراطية أسفرت عن منظمة مختلفة تماما. ولذلك، هناك إمكانية كبيرة في وجود جامعة عربية قوية، وذات نفوذ ولها شرعية متزايدة، تصبح صوتا تستطيع الدول العربية عبره مواجهة التحديات الرئيسية، التي تواجه المنطقة وشعوبها.

الاختبار السوري

إن تدخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) في ليبيا والذي أدى بدوره في النهاية إلى سقوط القذافي، كان قد لاقى دعما سياسيا من قبل جامعة الدول العربية، التي أكدت أن «الانتهاكات البالغة والجرائم الخطيرة» التي مارسها النظام الليبي ضد شعبه، قد جردته من شرعيته. وتلا هذا اتباع منهج أكثر تدخلا تجاه الوضع السوري الأكثر تعقيدا، حيث تلعب الجامعة العربية ولأول مرة في تاريخها، دورا تدخليا من خلال إرسالها مراقبين إلى البلاد. وستكون سوريا بمثابة اختبار حاسم لمدى مصداقية الجامعة العربية وفعاليتها. ففي جلسة طارئة للجامعة العربية في أكتوبر (تشرين الأول)، ردا على استمرار القمع السوري، ظهر الانقسام بوضوح، حيث وقفت كل من الجزائر واليمن ولبنان ضد المساعي لتعليق عضوية سوريا بالجامعة العربية. فبخلاف ليبيا، وهي دولة عربية لديها القليل من الأصدقاء وتقع على مسافة كبيرة من مناطق التوتر الرئيسية في المنطقة، فإن سوريا، تمثل سيناريو أكثر تعقيدا وصعوبة من أن تعالجه الجامعة العربية. فطالما ادعت سوريا أنها طليعة العروبة، وأنها معنية بشدة بالسياسة في لبنان والعراق والصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

ويمثل بقاء نظام الأسد أهمية بالغة لحلفائه الرئيسيين في المنطقة وهما إيران وحزب الله على حد سواء، ولبلدان مثل الجزائر واليمن اللذين يساورهما القلق، بعد محاولة الجامعة غير المسبوقة تغيير النظام. وفي الوقت نفسه، فإن الدول العربية، التي ترى أن وقت الرئيس السوري بشار الأسد قد انتهي، تترأسها السعودية وقطر وتونس ودول أخرى في مجلس التعاون الخليجي مثل البحرين والكويت وسلطنة عمان ودولة الإمارات العربية المتحدة.

في نوفمبر (تشرين الثاني)، قررت الجامعة العربية تعليق عضوية سوريا، وأقرت 19 دولة من بين الدول الأعضاء البالغ عددها 22 دولة قائمة العقوبات، بما في ذلك وقف التعاملات مع البنك المركزي السوري، ووقف التمويل الحكومي العربي لتنفيذ المشروعات في سوريا. وعلى الرغم من أن قرار التعليق كان مفاجئا للعديد من الأعضاء (هي الدولة الثالثة فقط في تاريخ الجامعة التي يتم تعليق عضويتها)، فإن قرارها بإرسال مراقبين في 26 ديسمبر (كانون الأول)، كان قرارا غير مسبوق في تاريخ الجامعة، وهو يعكس توجها أكثر فعالية ودرجة الاهتمام أو القلق التي تحيط بالنظام السوري. وعلى الرغم من أن الجامعة العربية وصفت وصول المراقبين بأنه «فرصة أخيرة» لسوريا، كانت الشكوك تحيط بفعالية تلك البعثة من البداية. ففي حين ادعى البعض أن وجود مراقبين يرتدون ستراتهم الفاخرة ساهم في منع قتل المدنيين، أشارت سوزان رايس، سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة بأنه «منذ أن بدأت بعثة الجامعة العربية عملها على أرض الواقع، قتل ما يقدر بنحو 400 شخص آخرين، أي بمعدل 40 قتيلا في اليوم الواحد، وهي نسبة أكبر بكثير مما كان الوضع عليه قبل انتشار البعثة».

وبالطبع تمثل الطبيعة السرية للنظام السوري عقبة أمام مهمة مراقبي الجامعة العربية. فكان النظام قد قتل بالفعل 5000 من مواطنيه قبل وصول فريق بعثة المراقبين، وكان من الواضح أن النظام السوري أكثر اهتماما بكبح الاحتجاجات من اهتمامه بالالتزام بالوعود تجاه الجامعة العربية. جدير بالذكر أن برقيات «ويكيليكس» كشفت كيف يرى المسؤولون الأميركيون الذين يعملون في البلاد أن المسؤولين السوريين «يكذبون على كافة المستويات». كما كتبت مورا كونيلي، القائمة بالأعمال الأميركية في دمشق، عام 2005 أن المسؤولين في الحكومة السورية «يصرون على الكذب، حتى في وجود الأدلة التي تثبت عكس ذلك، فهم لا يشعرون بحرج إذا ما اكتشفت أكاذيبهم».

مقعد سوريا في الجامعة العربية.. القطيعة
مقعد سوريا في الجامعة العربية.. القطيعة

في هذه الحالة، كانت «الكذبة» هي قبول سوريا لخطة السلام العربية التي طالبت القوات المسلحة السورية بالانسحاب من مناطق الاحتجاجات، وسعت إلى إطلاق سراح جميع السجناء السياسيين، والسماح للمراقبين العرب وكذلك الصحافة العربية والدولية بالتجول في البلاد من دون عوائق. وفي حقيقة الأمر، لم يتم السماح للمراقبين برؤية الصورة الكاملة للأحداث في سوريا، فخلال مهمتهم، كان المراقبون يناورون السلطات، من خلال أشرطة الفيديو والصور التي تم نشرها، والتي تظهر محاولات النظام السوري إخفاء المركبات المدرعة ومواقع القناصة. وفي كثير من الأحيان، كان النظام يعلن أنه سيتم سحب القوات من المدن فقط من أجلهم، ثم يعودون أدراجهم بعد فترة وجيزة. وعلى الرغم من أنه كان هناك إطلاق سراح للسجناء، وزيادة في عدد الصحافيين الدوليين المسموح لهم بدخول البلاد، فمن الصعب أن نعطي أهمية كبيرة لهذه النجاحات الصغيرة نظرا لارتفاع حصيلة القتلى بشكل كبير.

كما أن هناك سببا آخر لفشل بعثة الجامعة العربية وهو التهديدات الحقيقية للمراقبين أنفسهم. فقد أدانت الجامعة العربية الهجوم الذي استهدف قافلة المراقبين في اللاذقية في يناير (كانون الثاني) على يد حشد من الموالين للنظام وتسبب في جرح 11 شخصا. وأعلن ممثلو الجامعة العربية أن الحكومة السورية لم تلتزم بأحكام البروتوكول التي تتضمن حماية أعضائها. بالإضافة إلى أن محطة «بي بي سي» ذكرت أنه خارج الفندق الذي كان يقيم فيه الوفد كانت «نوافذ سيارات الجامعة العربية قد تحطمت، وتم إلصاق لافتات على نوافذها تشيد بالرئيس الأسد، كما تم خلع رفارف السيارات وتفريغ الإطارات». وقدم أنور مالك، عضو جزائري بالبعثة، استقالته لأنه استشعر بأن مجرد استمراره في البعثة يعد خدمة للنظام. ووصف مالك بعثة الجامعة بأنها «مهزلة»، مدعيا أنه رأى جثثا لضحايا التعذيب والأطفال. وأضاف مالك أنه شهد بعينه إطلاق النار على الأشخاص.

وتعرضت كفاءة البعثة للانتقاد من قبل الخبراء، حيث ادعوا أن الفريق أول محمد مصطفى الدابي، رئيس البعثة والرئيس السابق للاستخبارات العسكرية في السودان، لديه سجل غير مشرف لدى منظمات حقوق الإنسان. وأثار الدابي غضب الجميع عندما وصف ما رآه أثناء زيارته لحمص بأنه «لا يوجد شيء مخيف»، وتزامن تصريح الدابي مع ما ذكره المتظاهرون في المدينة ذاتها بأن هناك قصفا وقنصا وقتلا مستهدفا على يد قوات الأمن. وفي الوقت الذي تساءل فيه آخرون عما إذا كانت أهداف البعثة واقعية أم لا، انتقد كل من المرصد السوري لحقوق الإنسان (جماعة معارضة تتمركز بالمملكة المتحدة) جامعة الدول العربية «لإلقائها بطوق النجاة» للنظام من خلال السماح له بكسب الوقت.

ومع ذلك، فعندما قدمت البعثة أول تقاريرها المبدئية، كشف مراقبو البعثة أن النظام السوري فشل في الوفاء بوعده إنهاء العنف، وأقر التقرير بأن الجيش السوري لم ينسحب من البلدات والمدن المضطربة. وفي نهاية الأمر، وعلى الرغم من تمديد مهمة البعثة لشهر آخر مبدئيا، أجبر انسحاب دول مجلس التعاون الخليجي الجامعة على تعليق مهمتها بنهاية يناير. ووصف جيم موير، مراسل «بي بي سي»، تعليق مهمة البعثة بأنه إشارة إلى «أن الجهود الإقليمية لوقف المذبحة قد باءت بالفشل، والبديل الوحيد هو تدويل الأزمة».

فكر جديد لعهد جديد

هناك مساران مختلفان للأزمة السورية في الوقت الحاضر. من ناحية، فنحن لدينا أحداث تتم على أرض الواقع وتتسم بمستويات متسعة تدريجيًا ومواقع محددة يمارس فيها العنف. وقد أسفر مقتل أكثر من 5000 شخص عن إضفاء «زخم على الاستشهاد» الذي تصاعد بعودة الاعتقالات العنيفة من قبل النظام ضد الأطفال الذين قاموا بالرسم على الجدران في مارس (آذار) 2011. كما أن الاستيلاء على مراكز المدن مثل حمص وحماه وضواحي دمشق، وإن كان ذلك وضعا مؤقتا وبطريقة دموية متنازع عليها، فضلا عن إنشاء شبكة واسعة من جماعات المعارضة، وظهور جيش سوريا الحر، جميعها كانت عوامل تدل على كيف تحولت المظاهرات أولا إلى انتفاضة تتحول تدريجيا الآن إلى حرب أهلية.

حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني رئيس الوزراء ووزير الخارجية في دولة قطر يعرض على مجلس الأمن مشروع العقوبات العربية على دمشق
حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني رئيس الوزراء ووزير الخارجية في دولة قطر يعرض على مجلس الأمن مشروع العقوبات العربية على دمشق

وتسير آليات السياسة الدولية على نحو متوازٍ مع الأحداث في سوريا، فهناك أسس عدة في ذلك، فالواقع أن القوى الغربية ليس لديها أدنى رغبة في التدخل على خلاف الوضع في ليبيا (فرض حظر الطيران والقصف الجوي) وبالتأكيد ليس الوضع كالعراق (غزو كامل واحتلال طال أمده). وبينما يبحثون فرض عقوبات دولية على سوريا، لا توجد فرصة أمام الجيوش الغربية لوقف تصرفات النظام السوري. فحتى محاولات الأوروبيين لتنسيق عقوبات الطاقة كانت متضاربة، نظرًا لوجود فجوة واسعة بين القول والفعل. وفي الوقت نفسه، رفضت كل من روسيا والصين، المقربتين للنظام في دمشق، تمرير مشروع قرار للأمم المتحدة من شأنه أن يهدد مصالحهما التقليدية في البلاد.

وعلى خلفية المأزق الدموي على الأرض والعجز الدبلوماسي للأمم المتحدة، يمكن رؤية الجامعة العربية القوية. ففي بداية فبراير (شباط)، دعا نبيل العربي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، مجلس الأمن لاتخاذ «إجراء سريع وحاسم.. وألا يدع الشعب السوري وحيدا في محنته». إن الخطة العربية، التي طالبت الرئيس بشار الأسد بنقل السلطة إلى نائبه وتشكيل حكومة وحدة وطنية في غضون شهرين، تم رفضها من قبل سوريا، كما أكد التعنت الروسي أن الأمم المتحدة لم يكن لها دور من البداية. وبالفعل، اعترف كارن روس، الخبير بالأمم المتحدة ومؤسس «إندبندنت دبلومات»، بأن الروس لن يغيروا رأيهم حول رفضهم لمشروع القرار في مجلس الأمن، قائلا إن «لافروف شخصية عنيدة، ولا يثق نهائيا في نوايا الحلفاء، كما أنني أشك في أي إجراء من قبل مجلس الأمن حتى سقوط الأسد».

على الرغم من أن بعثة المراقبة لم تتمكن من وقف العنف في سوريا، فإنها خلقت قوة دافعة قادت الجامعة العربية لتصبح جزءًا فعالا في اتخاذ أي قرار محتمل لسفك الدماء المستمر. وفي هذه الحالة ماذا يمكن أن تفعل الجامعة؟ وعلق كريس دويل قائلا: «ويظل السؤال عما إذا كان لدى الجامعة العربية من التماسك والإصرار ما يمكنها من الضغط على النظام السوري لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه أم لا؟». وكتب الصحافي إيان بلاك بصحيفة «الغارديان» عن «شعور جديد بفعالية الجامعة العربية». وأضاف أن الجامعة «باتت مهتمة أكثر من أي وقت مضى».. ولكي لا تُفقد هذه القوة الدافعة لبعثة المراقبة الرائدة، يجب على الجامعة العربية متابعة الضغط المتواصل على سوريا (وحليفتها، روسيا)، فضلا عن الضغط من أجل مناقشة حلول أكثر ابتكارًا ربما بالتنسيق مع تركيا، بما في ذلك استكشاف فكرة إنشاء ممرات إنسانية، وملاذ آمن في البلاد. وستكون الأشهر المقبلة اختبارًا حاسمًا عما إذا كان بالفعل لدى الدول العربية جامعة خاصة بهم أم لا؟!

Previous ArticleNext Article
كاتب صحافي مختص في الشؤون الأمنية وسياسات الشرق الأوسط بكنغس كولدج لندن.. يكتب بانتظام لصحيفة الغارديان البريطانية حول سوريا ولبنان والعراق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.