السودانان: رماد الحروب ومَواسِم الحَرِيق.. وغياب العرب! - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

آخر الرواق, مدوّنات

السودانان: رماد الحروب ومَواسِم الحَرِيق.. وغياب العرب!

عمر البشير و سلفا كير ميارديت
عمر البشير و سلفا كير ميارديت
عمر البشير و سلفا كير ميارديت

لم يَتخيل أحد أن يمرّ انفصال جنوب السّودان كحدثٍ عادي، على المستوى العربي، ولكن تزامنه مع الاحتجاجات المُفاجِئة التي انشَغل بها الجميع جعلَ مِنه حَدثًا أقلّ إثارة، على الرّغم من تأثيراته على ملفات الأمن القومي لدول عربيّة مهمة مثل مصر وليبيا، ملفات أبرزها المياه والأمن الغذائي وغيرهما، إلا أنّ الثورات أتت على جَمل الأنظمة بما حمل من ملفات، وغيّرت كل الأولويّات.

بعد الانفصال المستعجل، وحينما بدأت الإشكالات بين الدّولتين في البروز، لم يَظهر أيّ دور عربي جِدي في السّودانين، وافتقدت دولتا الجنوب والشّمال، زيارات وزير الخارجيّة المصريّة ومعه مدير المخابرات لحل أزمة أو تقدير حل أو إسداء النُّصح، وبدأت الوفود الإفريقيّة بالتوافد على الخرطوم وجوبا، فظهر الدور الإفريقي بحكم رعايته لاتفاقيّة السّلام (نيفاشا – 2005) التي تمخّض عنها الاستفتاء والانفصال.

فشلت المفاوضات الإفريقية لحل مسألة تصدير النِّفط الجنوبي عبر الموانئ الشِّمالية، بعد رفض جوبا خطة الطريق التي قدمتها الدّول الإفريقيّة وتقضي بدفع 6.5 مليار دولار سنويًا للخرطوم لغاية العام 2014.
واتهمت جوبا الخرطوم بسرقة النفط، إذ نُقل عن د. باقان أموم مسؤول التفاوض في حكومة الجنوب قوله: “جاءت (الشركات الصينية) إلينا وقالت إنها آسفة.. كل نفطكم لشهري ديسمبر(كانون الأول) ويناير(كانون الثاني) أخذته حكومة السودان إلى المصافي، ويبلغ 2.4 مليون برميل!”، وهو ما لا تُنكره الخرطوم جملةً، ولكنها تُكيّفه بأنه استقطاع لنصِيبها الشّرعي الذي لم تكن جوبا تسدده طِوال الفترة الماضية!

السودان بعد التقسيم.. هل هي الحرب!
السودان بعد التقسيم.. هل هي الحرب!

يعرف كثيرون أن ملف النّفط هو ورقة للضغط، وكل التكابر على آثار “عدم السلام” لا يَعدو أن يكون تصابرًا بغرض تفادي الابتزاز، كما أنّ التهديد بالحرب هي ورقة للضغط أيضًا ولكنها قابلة للانفجار في أية لحظة، فخِيار الحرب الذي يُلوِّح بِه الطرفان، خِيار مجافٍ للمنطق بمعناه العسكري، وليس مُحبذًا سواء لحلفاء جوبا في واشنطن وغيرها أو لحلفاء الخرطوم، فلا أحد يُريد دفع فاتورة حربٍ غير ضروريّة، ولكِنّ هذا لا يعني استبعاده بالكليّة فقد يستعيض الطرفان عن الحرب المباشرة بدعم التمرّد في الدولتين ودفعه لخوض حرب بالوكالة، على عادة الدول الإفريقية البائسة.

الغياب العربي مريب، ويُنذر بضمور الدور العربي في إفريقيا عمومًا لا في السّودان وجنوبه فحسب، بخاصة بعد الجفوة بين حكام ليبيا الجدد والأفارقة بعد دعم الأفارقة للقذافي، وعَدم تَبيّن مَلامح السِّياسة الخارِجيّة المصريّة تجاه إفريقيا بعد، لذلك بدا مُبررًا سعي جنوب السّودان إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل، فما يتناقله النافِذون أن تعهداتها القديمة كانت أمام القذافي ومبارك اللذين عمِلا لتحييد الدّولة الجديدة – في حال ظهورها – من لعب دورٍ مضاد لهما في النزاع العربي الإسرائيلي، وبطبيعة الحال لم يكن ذلك حبًا في شمال السّودان فقط، بل حِفاظًا على أمنيهما القومي، وهو ما لم يتم تناوله – بوضوح – بعد من قبل السلطات الجديدة في الدّولتين.

لذلك فإن ملف التفاوض حول النِّفط، قد يكون بداية جيّدة لهما لو قدّرا استعادة ما فقداه في الفترة الماضية جرّاء الانشغال بالقضايا الدّاخلية المرحليّة على حساب الملفات الاستراتيجية التي يدوم أثرها لسنين.

بين هذا وذاك، والآمال المعلّقة، يبقى النيل حزينًا على بلدٍ ضاع بسبب رفض الآخر بدعاوى الدِّين والمقدسات، وممارسة الجهل، يحاصره الآن رماد الحرب وتتهدده مواسِم الحَرِيق، والعرب يتفرجون، ويجهِّزون أصابع الندم لعضّها! ويجوز لشعب الجنوب أن يستعير لسان الشمال ليتأسى بأبي الطيب المتنبي “أنا الغني وأموالي المواعيد”.

Previous ArticleNext Article
عمر البشير الترابي
باحث وكاتب سوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.