الانتخابات التشريعية الايرانية.. غياب للاصلاحيين وللمرشد القول الفصل

أحمدي نجاد يستعد لانتخابات المنافس الوحيد له ولمناصريه هم المقرّبون من المرشد علي خامنئي

ستشهد إيران في الثاني من مارس المقبل انتخابات برلمانية على مرحلتين. ففي المرحلة الأولى يجب أن يمر طالبو الترشيح في الانتخابات من قنوات عدة، إذ لابد أن يتم تقييم أهليتهم من خلال التقارير التي يقدمها كل من وزارة الاستخبارات و الادعاء العام و السلطة القضائية و منظمة السجل المدني و الشرطة الدولية ووزارة الداخلية، ثم تقوم جميع هذه الأجهزة الحكومية بإرسال تقاريرها مجتمعة حول كل مرشح، كل على حدة، إلى "مجلس صيانة الدستور" الذي يقوم بتقييم وضع المرشحين من جديد و إصدار قراره بالسماح للراغبين بالترشح للانتخابات أو عدمه.

لكن الأهم في هذا كله هو عدم السماح للمغضوب عليهم من قبل المرشد الأعلى للثورة في إيران "علي خامنئي" فإن ثبت لدى مجلس صيانة الدستور أن أحد طالبي الترشيح هو من بين المغضوب عليهم يتم رفض طلب ترشيحه حتى لو توفرت جميع الشروط المطلوبة لقبول ترشيحه.

المرحلة الثانية تبدأ عند بدء فتح باب التصويت للشعب لكي ينتخب مرشحيه.. وقد قدم 5045 شخصاً طلبات ترشيحهم للجنة الانتخابات من أجل المنافسة على 295 معداً برلمانياً. و حسب بيان وزارة الداخلية التي تنبثق منها لجنة الانتخابات فإن اللجنة رفضت طلب ترشيح 17 في المائة من هؤلاء، (30 في المئة من هؤلاء الذين تم رفض طلب ترشيحهم من العاصمة طهران و المدن الكبرى).

و الملفت للنظر أن مجلس صيانة الدستور رفض طلب ترشيح نحو 50 من النواب في البرلمان الحالي من الذين اتهموا بعدم ولائهم لولاية الفقيه، و غالبية هؤلاء عرف عنهم انتقادهم ولو الخجول بعض الشيء للمرشد علي خامنئي، وأبرزهم علي مطهري نجل المفكر الراحل مرتضى مطهري، لكن سمح له بعد ذلك بخوض الانتخابات بعد رسالة اعتراض مثيرة أحرجت القائمين على العملية الانتخابية.

وفي الوقت الحالي ينظر مجلس صيانة الدستور في صلاحية باقي طالبي الترشيح للمشاركة في الانتخابات البرلمانية المقبلة التي سيتم الإعلان عنها نهائياً في 22 من فبراير/ شباط المقبل.

وسيكون أمام المرشحين الذين تم قبول طلبات ترشيحهم أسبوعاً واحداً لكي يبدؤوا حملتهم الإنتخابية قبل يوم الاقتراع في الثاني من مارس/ آذار.

الانتخابات وتحديات الاحتجاجات

تكمن أهمية هذه الانتخابات في أنها الأولى منذ الانتخابات الرئاسية المثيرة للجدل التي جرت يونيو/ حزيران 2009 و التي سبقت اندلاع الاضطرابات و أعمال الاحتجاجات عقب الإعلان عن نتيجتها والتي فاز بها الرئيس الحالي محمود أحمدي نجاد لفترة رئاسية ثانية ستنتهي العام المقبل.

وتعتبر هذه الانتخابات أيضاً الأولى عقب اندلاع ما يعرف بثورات الربيع العربي التي اجتاحت عددا من الدول العربية، وهو ما يلقي بظلاله عليها بما يثير مخاوف من اندلاع اضطرابات جديدة. ولهذا السبب يواجه المرشد علي خامنئي و النظام الحاكم في إيران تحديات عدة.

خامنئي هو من يقرر الذي ينتخب والذي يترشح والذي يستبعد

المرشد علي خامنئي هو وحده من يقرر الذي ينتخب والذي يترشح والذي يستبعد

من بين تلك التحديات التي يواجهها خامنئي و نظام الجمهورية الإسلامية في ظل ثورات الربيع العربي، هو كيفية إظهار إيران للرأي العام المحلي و العالمي وهي تتمتع بنوع من الديمقراطية وأنها تجاوزت أزمة الانتخابات الرئاسية السابقة، و ذلك لإعطاء المزيد من الحريات على الأقل لمناصري النظام و خامنئي.

و من المستحيل أن يقبل النظام الحاكم في إيران في ظل الظروف الحالية التي تمر بها المنطقة بوجود أي احتجاجات أو اضطرابات سياسية أو اجتماعية. و يخشى الساسة في إيران من أن تتحول الحملة الانتخابية المقبلة إلى ساحة لإبداء الشارع الإيراني عدم رضاه من الوضع السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي الذي تمر بها البلاد رغم الوعود التي قدمها كبار المسؤولين من بينهم الرئيس أحمدي نجاد، بخاصة في ظل الظروف الحالية التي تمر بها إيران حيث تواجه ضغوطاً متزايدة من المجتمع الدولي و المتمثلة في فرض المزيد من العقوبات الإقتصادية التي أنهكت كاهل المواطن الإيراني، و قد تكون ساحة الحملات الإنتخابية متنفساً للشارع فيتمكن من إبداء اعتراضه على غلاء المعيشة و سوء الأوضاع الاقتصادية خصوصاً و أن الريال الإيراني شهد هبوطاً مفزعا في قيمته أمام العملات الأجنبية الأخرى، و هذه قد تكون الشرارة التي تشعل نار الاحتجاجات و الإضطرابات المتوقع حدوثها فعلا في البلاد.

خامنئي أشار في خطبه الأخيرة التي ألقاها في صلوات الجمعة، كالعادة، إلى أهمية الانتخابات المقبلة و طالب الشعب بالمشاركة في الانتخابات البرلمانية لدرجة أن كلا من وزير الإستخبارات حيدر مصلحي و قائد الحرس الثوري محمد علي جعفري و باقي قيادات الأجهزة الأمنية و الإستخباراتية أعلنوا في تصريحاتهم مراراً عن اتخاذ تدابير لقمع أية احتجاجات محتملة أثناء و بعد الانتخابات.

الانتخابات.. خبز محروق!

هذه الانتخابات تأتي والنظام يواجه خلافات داخلية بين مختلف المسؤولين و التيارات الموجودة في البلاد، لم تشهد مثيلاً لها منذ إنشاء الجمهورية الإسلامية على يد مؤسسها آية الله الخميني قبل أكثر من ثلاثة عقود.

فمنذ الانتخابات الرئاسية التي جرت صيف 2009 حتى الآن، اشتدت حدة الصراع الداخلي من جهة بين الإصلاحيين الذين لن يشاركوا في الانتخابات المقبلة و من جهة أخرى تيار المحافظين بقيادة المرشد علي خامنئي.

حتى أن هذه الاختلافات بدأت تثقل كاهل التيار المحافظ الذي يشهد هو أيضا انقسامات داخلية، خصوصاً بين من يصفون أنفسهم بالأصوليين.

وقد تصاعدت وتيرة الصراع الداخلي منذ أن نشب خلاف بين المرشد علي خامنئي و الرئيس محمود أحمدي نجاد، بعدما عزل الأخير وزير الإستخبارات في حكومته حيدر مصلحي، ثم أعاده " خامنئي " إلى منصبه مستخدماً صلاحياته.

و إذا ما عدنا إلى المعارضة الداخلية و التي تتمثل في التيار الإصلاحي و بعض رموز النظام المغضوب عليهم، فإن هذا التيار الذي يشكك في سلامة أي عملية انتخابية منذ الانتخابات الرئاسية الأخيرة، رفض المشاركة في الانتخابات البرلمانية المقبلة، حيث امتنع رئيس مجمع تشخيص النظام أكبر هاشمي رفسنجاني الذي يعتبر من النخب السياسية المغضوب عليها من قبل خامنئي و الرئيس السابق محمد خاتمي الذي يمثل التيار الإصلاحي عن تقديم أي قائمة انتخابية والمشاركة في الانتخابات. وتجلى ذلك في تصريحات خاتمي الأخيرة أثناء اجتماعه بأنصار الحركة الإصلاحية حيث حثّهم على عدم المشاركة في الانتخابات عندما قال: "ليس علينا أن نشارك في الانتخابات المقبلة، لأن مشاركتنا فيها ستزيد من حرارة فرن الانتخابات ولن نحصل حتى على فتات الخبز المحروق".

و يعتقد معارضو المنفى من جهتهم أنه وخلال العشرين عاماً الماضية سعى النظام الحاكم إلى بلورة فكرة المنافسة الداخلية بين التيارين المحافظ و الإصلاحي، من أجل شغل الرأي العام المحلي و الدولي به و جعل العالم يصدق أن ما يدور في إيران هي ديمقراطية حقيقية، إلا أن انسحاب الإصلاحيين من الانتخابات البرلمانية المقبلة جعل المنافسة فيها تقتصر على أنصار التيار المحافظ، من دون منافسة حقيقية تذكر.

غياب الاصلاحيين.. تحول استراتيجي

ما يميّز هذه الانتخابات عن كل التي سبقتها هو غياب الإصلاحيين بسبب عدم السماح لرموزهم البارزة للترشح، ومقاطعتهم لها لانهم لايعتقدون بنزاهتها ولايثقون بمجلس صيانة الدستور الذي يشرف عليها ويحدد صلاحية وأهلية المرشحين.

وتعتبر هذه المرة الأولى التي لا تشارك فيها الحركة التي تضم غالبية القوى المعارضة للوضع الحالي. فالكثير من المنتقدين لحكومة أحمدي نجاد يعتبرون الانتخابات المقبلة صورية، وأن المشاركة فيها تتعارض مع قيم و مبادئ الديمقراطية و حقوق المواطنة و المصالح القومية، بل وحتى مع دستور الجمهورية الاسلامية نفسها، والشعارات التي نادى بها الامام الخميني الراحل حول دور الشعب، وما يسمى بالمشاركة الشعبية الاسلامية.

وعلى رغم امتناع الإصلاحيين عن المشاركة في العملية السياسية في ظل الظروف الحالية التي تمر بها إيران وذلك بسبب الإنسداد السياسي و التشتت في أيجاد حلول بديلة عن عدم المشاركة في الانتخابات، إلا أن المراقبين يستبعدون حدوث إضطرابات مماثلة، في الحد على الأقل، كما حصل عقب الإعلان نتائج الانتخابات الرئاسية 2009، مادامت النتائج ستكون محسومة لصالح تيار المحافظين بشقيه الاصولي المقرب من المرشد علي خامنئي، والمنحرف كما يسميه خصومه، وهو الذي يلتف حول الرئيس ويقوده نسيبه اسفنديار رحيم مشائي.

النظام الإيراني بعدم سماحه بمشاركة الإصلاحيين في العملية السياسية في البلاد أقدم على نوع من التحول الإستراتيجي في تركيبة القوى المشاركة في الانتخابات البرلمانية المقبلة التي ستقتصر المشاركة فيها على بعض التيارات و الأحزاب الأصولية و التي هي بدورها منقسمة بين مناصري المرشد المؤيدين للرئيس.

وحتى قبل هذه الانتخابات كانت العادة مشاركة فصيلين سياسيين، الفصيل الأول كان يضم رجال الدين من التيارين الأصولي و المحافظ، و في الفصيل الآخر الإصلاحيين والحركة الخضراء.. انتخابات كان المرشد علي خامنئي يقرر نتائجها بتدخله المستمر فيها.

ويعود هذا التقليد السياسي إلى فترة حياة مؤسس الجمهورية الإسلامية الإمام الخميني، و بالتحديد في عام 1981 عندما أُقر نظام الحزب الواحد عقب إقصاء الأحزاب و التيارات السياسية الأخرى من المشاركة في العملية السياسية، و التي تعترف فقط بالأحزاب و التيارات السائرة على خط مؤسس الجمهورية الإسلامية. إلا أن النظام الحالي يعترف فقط بالأفراد الذين يلتزمون بقيم و مبادئ الثورة الإسلامية وأصل النظام و الدستور ومن يطيع تعليمات وأوامر المرشد علي خامنئي بشكل عملي، وهذا يقرره مجلس صيانة الدستور.

و كما يبدو من النهج التي يتبعه النظام الحاكم في إيران منذ الانتخابات الرئاسية الأخيرة، فإن السماح بعودة الإصلاحيين للحياة السياسية في نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، منوط بتوبتهم، وبعودتهم لعباءة ولي الفقيه المتمثل بالمرشد علي خامنئي .

الاصلاحيون ينسحبون مكرهين من الانتخابات

إن هذا الأمر من شأنه أن يزيد في التوجهات المعارضة للنظام ويدفع الى خروج التيارات التي كانت تعتبر و لوقت قريب من داخل النظام التيار الإصلاحي، ما يعني الاتجاه نحو الحكم المطلق بحيث لا تعود أي حاجة لمشاركة الأحزاب و التيارات المنتقدة له في العملية الإنتخابية و لا حتى الحاجة لإشراكهم في الحياة السياسية، ما قد تظهر على أنها علامة ضعف من النظام أمام خصومه السياسيين، خصوصاً في ظل خضوع البلاد لضغوط خارجية.

التيارات المشاركة في الانتخابات

حتى الاصوليون الذين يدينون بولائهم للولي الفقيه المتمثل بالمرشد علي خامنئي تراهم منقسمين على أنفسهم في هذه الانتخابات ويعانون من صراعات داخلية أضعفت وحدتهم التي يسعون الى إظهارها للرأي العام. و هذا الصراع قسم الأصوليين إلى ثلاثة تيارات مختلفة، إلا أن المتفائلين في التيار الأصولي يعتبرون أن هذه التيارات الثلاثة هي أضلاع المثلث الذي يحيط بالمرشد خامنئي.

التيار الاول:

هو التيار الأصولي التقليدي و الذي يعرف نفسه بإسم "جبهة الأصوليين المتحدين" و الذي يقوده رجل الدين المتشدد محمد رضا مهدوي كني الرئيس الحالي لمجلس خبراء قيادة الثورة، بالإضافة إلى علي أكبر ولايتي الذي يتقلد منصب مستشار خامنئي في الشؤون الدولية، ورئيس البرلمان الحالي علي لاريجاني ورئيس بلدية العاصمة (طهران) محسن قاليباف المرشح المفضل للحرس الثوري للانتخابات الرئاسية العام 2013.

التيار الثاني:

هو التيار الذي يعرف بإسم "جبهة الإستقامة" بزعامة رجل الدين المتشدد مصباح يزيدي إلا إنه و بسبب الخلاف الذي نشأ بين الرئيس أحمدي نجاد و المرشد في أبريل/ مايو الماضي حول عزل وزير الإستخبارات حيدر مصلي أعلن هذا التيار أن الرئيس و أنصاره لم يعودوا من أعضاء تيار جبهة الإستقامة وإنهم سيستمرون في ولائهم للمرشد علي خامنئي.

التيار الثالث:

تيار يعتبر منشقا عن جبهة الإستقامة الأصولي و الذي يصنف على أنه من مؤيدي الرئيس أحمدي نجاد و رئيس مكتبه الحالي إسفنديار رحيم مشائي، فهذا التيار يتشكل من عدد من الوزراء الذين عزلهم نجاد خلال السنوات الست الماضية من مناصبهم، بالإضافة الى عدد من نواب البرلمان الحاليين المؤيدين لحكومة أحمدي نجاد.

هذه التيارات الثلاثة تعلن عن ولائها لولي الفقيه المتمثل بالمرشد علي خامنئي، على الأقل في العلن، وهم كلهم لم يتوقعوا أبداً رد فعل رفسنجاني و خاتمي بالعدول عن تقديم أي قائمة انتخابية للمشاركة في الانتخابات البرلمانية المقبلة و تفاجأوا بهذه الخطوة.

فالإصلاحيون يسعون من خلال هذه الخطوة الى إعادة الثقة لأنصارهم، فمن جهة يسعون الى المحافظة على اتحادهم النسبي ومواجهة التيار المحافظ بكل ما أوتوا من قوة، و من جهة أخرى يسعون إلى إظهار الانتخابات المقبلة على أنها منافسة داخلية في التيار المحافظ، من دون وجود أي منافسة حقيقية، وبهذا سيبررون شكوكهم المستمرة في نزاهة أي إنتخابات مقبلة، واعتبار نتائجها معدة سلفاً.

تقييد المنافسة ومخاوف من اقبال ضعف

يتوقع التيار الأصولي انخفاض نسبة المشاركة الشعبية في الانتخابات المقبلة، الأمر يبرر مخاوفه من اندلاع أزمة انتخابية أخرى على غرار الانتخابات الرئاسية التي جرت في يونيو/ تموز 2009.

ويعتقد المتشائمون من التيار الأصولي، أنه و بسبب ما حدث في صيف 2009 لن يشارك الكثير من الناس في الانتخابات المقبلة.

ومن المقاطعين للانتخابات، أساتذة و طلبة الجامعات الذين لا يزالون غير راضين عن الإجراءات و السياسيات التي اتبعها النظام في الأحداث التي تلت الانتخابات الرئاسية في 2009.

كما أن هؤلاء يعزون السبب الآخر إلى عدم وجود أي أجواء تنافسية حقيقية في الانتخابات، بالإضافة إلى التغييرات التي أصابت قيادات الحرس الثوري و الباسيج بسبب الخلافات الداخلية التي نشبت داخل التيار الأصولي و من أبرزها الخلاف الذي نشب بين خامنئي و أحمدي نجاد.

من جهة أخرى فإن النظام الحاكم في إيران يعتقد أن ما شهده صيف 2009 من اضطرابات سيؤدي إلى قصر عمر الجمهورية الإسلامية، لو تكررت تلك الأحداث في الانتخابات المقبلة. و لهذا السبب عملت وزارة الداخلية بالإضافة الى مجلس صيانة الدستور على رفض طلبات كل من كان له توجه منتقد للمرشد علي خامنئي، كما حدث أخيراً برفض طلب ترشيح عدد من نواب البرلمان الحاليين من بينهم أعضاء بارزين في التيار الاصولي ومن بينهم النائب علي مطهري الذي عرف بانتقاده المستمر لأحمدي نجاد و خامنئي.

أساليب انتخابية: تيار الرئيس !

تحركات حلقة المقربين من الرئيس الإيراني قد تكون أوسع مما كان متوقعا بحيث يحاول أحمدي نجاد بسط سيطرته على مختلف مناحي الحياة في إيران و من بينها البرلمان و ليس من المستبعد أن يلجأ لترغيب بعض المرشحين الذين ليس لديهم أي برنامج انتخابي بالمال.

ومن المعروف أن الرئيس الإيراني كان و لا يزال يلجأ لبعض الخطوات غير المتعارف عليها في المجتمع السياسي في إيران لرفع شعبيته في الشارع من بينها، صرف أموال طائلة لإعمار المناطق النائية التي يضمن فيها أصوات الناخبين، و الدخول في صراع سياسي مع المرشد علي خامنئي و الترويج لأفكار مناهضة لرجال الدين، و السماح لانفتاح ثقافي نسبي للتقرب من الطبقة المتوسطة و مثقفي البلاد و استغلال الإمكانيات الإعلامية و المالية الحكومية لذلك.

ويمكن الإشارة إلى ترشح بعض المقربين من أحمدي نجاد للإنتخابات البرلمانية اللذين يستعينون بالإمكانات الحكومية التي يوفرها أحمدي نجاد لهم، ومن بين هؤلاء شقيقته بروين أحمدي نجاد و عباس أميري فر الذي يعتبر أحد المقربين لرئيس مكتب رئاسة الجمهورية و مستشار أحمدي نجاد السابق إسفنديار رحيم مشائي.

و لا ننسى كذلك أن عناصر حلقة المقربين من أحمدي نجاد قد يلجؤون إلى حيل أخرى من شأنها خفض شعبية منافسيهم من التيار الأصولي في الانتخابات، من بينها، الترويج لفقدان تيار أحمدي نجاد الأمل في الحصول على مقاعد كافية في البرلمان و التدخل في المنافسة الإنتخابية بشكل يحدث خللا في الانتخابات و حث وسائل الإعلام المقربة على التشكيك المستمر في مشاركة الناخبين في الانتخابات البرلمانية بحيث يصيب رغبة وحماس الشارع الإيراني الفتور وينخفض مستوى مشاركتهم في الانتخابات.

الجيش والحرس الثوري خلف المرشد

حتى أن بعض الأوساط الأمنية كـ "حسين طائب" مسؤول وحدة استخبارات الحرس الثوري قال إن حلقة المقربين من أحمدي نجاد عمدوا إلى إيجاد قوائم وصفها بالتضليلية عبر وضع أسماء بعض مرشحي "الجبهة الأصولية المتحدة" في قوائم مرشحيهم من أجل تضليل الرأي العام و الناخبين و حتى يتمكن من تخريب الحملة الإنتخابية للتيار الأصولي.

كذلك أشارت بعض الأوساط الأمنية إلى قيام حكومة أحمدي نجاد بالسماح لرؤساء الحملات الإنتخابية للمرشحين من قائمة تيار أحمدي نجاد من الوصول بسهولة إلى معلومات استخبارية ووثائق سرية للغاية من اجل تخريب و تشويه صورة منافسيهم و إعطاء أرقام غير واقعية عن نسبة المشاركة في الانتخابات وذلك من أجل تقليل نسبة المشاركة في الانتخابات بحيث ينتهي الأمر لصالح المرشحين من قائمة تيار نجاد.

تحديات أمنية!

في وجود التصدع الداخلي، واغتيال العالم النووي مصطفى أحمدي روشن، وما تسرب من معلومات عن حرب خفية سرية تشنها اسرائيل عبر عناصرها في الداخل وبالتنسيق مع منظمة مجاهدي خلق - بحسب زعم طهران -، يمكن القول إن الرهان الغربي هو الان على اندلاع صراع داخلي بخاصة في ضوء الحديث عن تورط جهات داخلية في تسريب معلومات سرية لأعداء ايران في الخارج لاغتيال العلماء النوويين، وهو ما كشفه يوم الأربعاء 11 يناير 2012 العضو البارز في لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الايراني كاظم جليلي موجها أصابع الاتهام الى جهات في الداخل (تيار الرئيس) بتسريب معلومات الى أعداء ايران في الخارج في عملية الاغتيال، وما قاله قائد الباسيج محمد رضا نقدي نفس اليوم حول وجود أياد للاستكبار في الداخل، دعا الى قطعها!.كل هذا يشكل تحديات أمنية خطيرة تشمل حصول تفجيرات واغتيالات، بعضها ليس مرتبطا بالخارج لتبرير ممارسة قمع أكبر في الداخل، مع احتمال وقوع اضطرابات في الخارج في بعض دول الخليج العربية تكون ايران المحرضة عليها دون أن تترك أثرا لأنها ستتم بواسطة انصار ايران في تلك الدول.

ايران تحضر بالفعل لمثل هذا التصعيد، وأكثر، عندما دعت صحف ايرانية متشددة محسوبة على التيار الاصولي الموالي للمرشد آية الله علي خامنئي الى الرد بالمثل على اغتيال عالم الذرة مصطفى أحمدي روشن وطالبت بعمليات مماثلة تستهدف علماء ومصالح اسرائيلية وأمريكية.

كتبت صحيفتا "جام جم" و "روزغار" يوم الخميس 12 يناير 2012، أن الطريقة الوحيدة لوقف سلسلة اغتيالات العلماء النوويين في ايران هي انتهاج سلوك "الرد بالمثل" مشيرتين الى أن الاغتيال وهو الخامس خلال سنتين، عمل نفذته اسرائيل بمباركة أمريكية. وهناك اعتقاد أن الرد الإيراني قد يتمثل في عمليات في الخليج أو في قصف صاروخي من قبل حزب الله وحماس ضد إسرائيل، أو في كليهما معا.

كذلك تنشر وسائل الإعلام و الصحف الإيرانية بين الحين والآخر صورا لوثائق قالت إنها دليل آخر على سعي الأمريكيين والاسرائيليين لضرب إيران بأي وسيلة متاحة.. بين هذه الوثائق على سبيل المثال ما نشره موقع "تابناك" المقرب من التيار الأصولي ويديره قائد الحرس الثوري الأسبق محسن رضائي وقال إنها صورة لما يبدو أنها رسالة موقعة من ثلاثة نواب في الكونجرس موجهة للرئيس الأمريكي باراك أوباما، يطالب فيها هؤلاء النواب الرئيس أوباما باللجوء إلى خيار العمليات السرية والحرب الإلكترونية ضد إيران و مصالحها من أجل إيقاف برنامجها النووي بأي ثمن.

الاصلاحيون.. في مهبّ الريح

يستمر غياب التيار الإصلاحي عن الساحة السياسية الإيرانية، بعد مرور أكثر من سنتين على الانتخابات الرئاسية الأخيرة، والأزمة الداخلية التي تبعتها إثر فوز الرئيس محمود أحمدي نجاد بدورة رئاسية ثانية في يونيو/ حزيران 2009، بعد أن وصفها التيار الإصلاحي بأنها غير نزيهة.

وتسلم أنصار الرئيس نجاد بعد ذلك مراكز مهمة بالسلطة، لكن سياستهم السياسية والاقتصادية لم تلق ترحيباً من قبل وجوه بارزة في التيار المحافظ التقليدي، مما أدى في النهاية إلى انقسام حاد داخل هذا التيار الذي تسلم زمام الأمور بالبلاد.

ويخطط الإصلاحيون لإنهاء حالة الغياب بالنزول بقوة في الانتخابات البرلمانية في فبراير/ شباط المقبل، ولكن ضمن شروط حددوها وقوبلت برفض شديد من بعض أفراد التيار المحافظ، كما قال الممثل عن التيار الإصلاحي في البرلمان سيروس سازدار.

شروط

الإصلاحيون يشترطون توفير أرضية مناسبة تضمن حضور الناخبين إلى صناديق الاقتراع، ويؤكدون ضرورة التعامل بشفافية مع جميع المرشحين مهما اختلفت أحزابهم، والسماح لهم بإطلاق حملاتهم الانتخابية، فضلاً عن فتح باب الصحافة والإعلام بحرية للإصلاحيين.

سرق صوت الاصلاحيين في انتخابات 2009 وتم استبعادهم في 2012

ويرون أن تحقيق هذه الشروط لن يعيد الوضع إلى طبيعته بمشاركة الإصلاحيين وحسب، بل يستطيع جذب ثقة الشارع الإيراني من جديد، ولاسيما بعد الأزمة الداخلية التي عصفت في البلاد قبل اكثر من عامين، مؤكدين على منطقية الشروط وعدم خروجها عن قانون الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

ورأى الاصلاحيون في رفض بعض المحافظين لمشاركة الإصلاحيين أمرا غير منطقي، معتبرين أنهم تسلموا زمام الأمور لمدة ست سنوات بعد تغييب الإصلاح من دون تحقيق بعض المطالب الأساسية.

ويتخوف الإصلاحيون من تدخل الحكومة بشكل مباشر بعملية الانتخابات البرلمانية، مشيرين إلى حق الإصلاحيين بالعودة للساحة كتيار سياسي لا يختلف واليمين المحافظ على مبادئ الجمهورية الإسلامية.

ومنذ عامين لم يغب أصحاب التيار الإصلاحي وحسب، بل لم يستطع أعضاؤه الاجتماع تحت قبة واحدة، بسبب الضغوطات من قبل التيار المحافظ، وكذلك بسبب الخلافات التي وقعت بين أعضائه، ولاسيما ما يتعلق بمفهوم الإصلاح وكيفية تطبيقه والتدخل الخارجي حيث رفضه الرئيس السابق بشدة.

ويؤكد الاصلاحيون ضرورة الاجتماع معاً وإعادة تعريف الفكر الإصلاحي وإنهاء حالة الغياب، بما يتناسب ومصلحة البلاد، مؤكدين عدم المساومة على الأمن القومي الإيراني وإن تعددت الأطياف.

وأشار خبراء إلى أن المشكلة لم يعد سببها ما حصل بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة فقط، بل إن سبب الخلاف الأساسي الحالي بين اليمين واليسار يكمن في كيفية توفير مناخ حقيقي للانتخابات البرلمانية المقبلة، حيث أن الإصلاحيين أكدوا عدم توفر حتى هذه الشروط حتى الآن .

ورأى خبراء أن الوضع سيستمر بين اليمين المحافظ واليسار الإصلاحي على شكل تجاذبات، متوقعين سعيا جديا للإصلاحيين للعودة للساحة السياسية بشكل عملي.

وكان بعض المصادر أعلن عن عودة ما يقارب 21 إصلاحياً لطاولات اجتماع أسبوعية منذ فترة ، وكانوا يعملون على التخطيط لانعقاد مؤتمر يضم أحزاب الإصلاح بعد شهر رمضان،الماضي لجمع الإصلاحيين، فضلاً عن وضع خطة عمل للمشاركة بالانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها في البلاد في فبراير/ شباط المقبل، معتبراً أنها فرصة قد تعيد الإصلاح لعمله. غير أن كل ذلك لم يتحقق ، وغاب الاصلاحيون عن الانتخابات.

خلاف

بالمقابل فإن هناك في التيار المحافظ من لا ينفي ولا يعارض وجود الإصلاحيين كتيار سياسي، وفق تعريف لا يتناقض ومبادئ الجمهورية الإسلامية.

وأشار بعضهم إلى أن اليمين نفسه يرفض مشاركة بعض مرشحي الإصلاح بالانتخابات البرلمانية القادمة، إذا ما كانوا قد ساهموا بإثارة ما سماها عوامل الفتنة خلال الأزمة الداخلية التي عصفت بالبلاد قبل اكثر من عامين.

مخاوف في إيران من عودة الاحتجاجات الى الشوارع

كما رأى هؤلاء أن البعض انشقوا عن القانون، ولا يحق لهم لا المشاركة ولا العودة لساحة العمل، مشيرين إلى رفض شروط التيار الإصلاحي.

وفي ظل انعدام التنافس بين اليمين المحافظ واليسار الإصلاحي، ظهر اليمين بقوة، ولكن برزت بعض الخلافات بين أعضائه، فوصف حيدر بور الخلافات بالأمر الطبيعي، ولكنه نفى حصول أي انشقاقات داخل التيار المحافظ نفسه.

واعتبر أن سبب الخلاف داخل اليمين المحافظ يكمن في طريقة تطبيق نجاد وأنصاره من المسؤولين لأعمال الحكومة، ولبعض السياسات الإدارية في حل مشكلات البلاد، مشددا على أن الفكر الأصلي المحافظ لم تؤثر فيه الخلافات.

ولكن هناك من رأى أن الخلاف على عودة الإصلاحيين من عدمها بين المحافظين أنفسهم فتح باب نقاش آخر داخل اليمين، معتبراً أن الانشقاق الذي حصل داخل صفوف الإصلاحيين كان له دور آخر ساهم بغيابهم، وليس الخلاف مع المحافظين وحسب.


اشترك في النقاش