زمن طائفي بامتياز.. أين الأَسوياء! - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

أحوال, مدوّنات

زمن طائفي بامتياز.. أين الأَسوياء!

لا سنة ولا شيعة.. أصوات آن لها أن تفتك الشارع والمنبر من المتطرفين والمتعصبين
لا سنة ولا شيعة.. أصوات آن لها أن تفتك الشارع والمنبر من المتطرفين والمتعصبين
لا سنة ولا شيعة.. أصوات آن لها أن تفتك الشارع والمنبر من المتطرفين والمتعصبين

لا نأتي بجديد إذا قلنا ليس العلِة بوجود الطَّوائف والمذاهب وتعدد الأديان، فالبشر خلقوا هكذا، وسيبقون هكذا، فلا دين ولا مذهب يجمعهم جميعاً، في مشارق الأرض ومغاربها، وهذه حقيقة ساطعة كالشمس لا يحجبها غربال. فالعِلة فيمن لا يريد إدراك وجود الاختلاف، أو يحاول التغافل، بالتَّشدد والتَّعصب خارج المعقول مثلما نرى ونسمع. حتى بتنا نخشى مِن الثَّورات، أو ما عُرف بالرَّبيع العربي، لأنها أخذت تفرز حالة عِصاب غير مسبوق بين النَّاس.

كان قبل ثورة التكنولوجيا، التي أصابت وسائل الاتصال والإعلام، يتحدث دعاة الطَّائفية لجمهور ضيق، قد لا يزيد على المائة شخص، وفي الحالات القصوى يجتمع حول المنبر الطَّائفي مائتا مستمع ومشاهد لا أكثر، وفي منطقة محدودة، بقرية قصية أو بحي مغمور مِن أحياء المدينة.

لكن ما يحدث اليوم خطير وخطير جداً، فالمائة مِن المستمعين صاروا ملايين، والقرية المحصورة بطائفتها فتحت على العالم، مِن سهوله وهضابه وجباله، فأخذت السُّموم الطَّائفية تُبث عبر الأقمار الصِّناعية، وعبر الإنترنيت، في ندوات مستمرة ومستعرة بلظاها، فيها مِن السب والتكفير ما لا تُطيقه الأسماع!

كانت عندما تفتح الدَّولة تلفزيونا تكون مسؤولة عنه، لأنه تلفزيونها الرَّسمي، وكذلك الحال مع الإذاعات، أما الآن فلا مسؤوليات ولا حِساب ولا اعتبار! فإذا توافر المال، وهو يسقي تلك الوسائل بالملايين، لم تعد أُجرة ساعات للقمر الصِّناعي بمشكلة.
أما رعاة تلك الفضائيات بين جنسين: خبث النفس قاصد الإيذاء مِن أجل المال الذي تأتي به الإثارة الإعلامية، أو ساذج يعتبر نصرة الطَّائفة تحمله إلى الجنة، وهي الحق وغيرها الباطل.

خطبٌ وأناشيد معلبات تبث صباح مساء، ومِن دول لا رقابة فيها على الإعلام، بل مَن يتحدث عن رقابة فيها يُتهم بالعنصرية، مع أن العنصرية أن تُكفر الآخرين وترجم مقدساتهم.
الزَّمن الطَّائفي زمن غير سوي، مثله مثل الإنسان الطَّائفي، يحتاج إلى علاج نفسي، والأخذ بيده للخلاص مِن تلك العاهة! زمن لا منطق فيه، وعندما تسير الأمور هكذا ستكون النتائج غير منطقية.

مصر لجميع أبنائها
مصر لجميع أبنائها

الأخطر مِن هذا أن العِصاب الطَّائفي أصاب الأطفال والصِّبيان والشَّباب، على حدٍ سواء، إنها عدوى غير واعية، مثلها مثل الأمراض المستعصية المعدية يُصاب بها الإنسان بلا وعي منه، لا يشفى إلا إن يتوافر لديه وعي بطلب الشَّفاء منها، والحال ينطبق على العِصاب الطَّائفي.

لو جلس الإنسان الطَّائفي لحظة مع نفسه، إذا كان مؤمناً لكفاه إيمانه شرَّ التعصب، ورد عنه جذام الطَّائفية، لأنه يوفر له القناعة، ولو كان مِن غير المتدينين وما أكثرهم بين الطَّائفيين، فالظَّاهرة ما باتت مرتبطة بالالتزام الديني، فعليه أن يفكر قليلاً بالخسارة الفادحة، لجهده وأعصابه، فالطَّائفي عادة يكون عصبياً وعدوانياً، وربَّما أصابه مرض السُّكري والضَّغط أكثر مِن غيره، لأنه روض نفسه على الكراهية، وشدة الغيظ، ومحاولة قهر الغير.

أرى مِن خلال المشهد السِّياسي، على مستوى الأفراد والجماعات إنه زمن، أو قرن، طائفي بامتياز، فعلى الأسوياء، غير المصابين باللَّوثة، أن يحسبوا لتبعات هذا الزَّمن ألف حساب. أما الكارثة أيها السَّادة فقد أخذ كلُّ شيء يفسر بالطَّائفية، ما بين الأحزاب وما بين الدُّول أيضاً، لقد استحضر الماضي وبرواية مشوهة. نصرخ أين الأسوياء!

Previous ArticleNext Article
باحث عراقي متخصص في الفلسفة الإسلامية. من كتبه "100 عام من الإسلام السياسي بالعراق".

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.