لا أريد ربيعكم.. فقد مرضت من أخبار الدم!

..ويستمر مسلسل القتل

لا أريد ربيعكم العربي المحموم.. إنني أموت كل يوم آلاف المرات!..

لا أريد ربيعا عربيا تحاصرني فيه صور القتلى.. والأشلاء.. والأطفال.. والدماء تسيل.. وصوتٌ بائس مكلوم يصرخ من خلف الكاميرا: (أين أنتم يا عرب؟) .. لكن العرب مازالوا يتغنون بهذا الربيع، ويتغزلون بالروح العربية الثائرة... الروح العربية التي تنحر كل يوم باسم السلطة والطغيان والجبروت والعرش!

لا أريد ربيعاً عربياً.. لا أريد خريفاً ولا صيفاً ولا شتاء.. ولا حراكاً، ولا ثورة، ولا انفتاحاً، ولا صراخاً ولا لهيباً ولا شباباً.. أريد روحاً آمنة مطمئنة، وأماً تكف عن العويل والبكاء من أجل ابنها، وطفلاً يخرج إلى مدرسته مبتسماً وفرحاً، ويعود في الظهيرة لاحضان أمه مشاكساً، حتى لو كان البيت خرابة في أرض يحكمها مستبد أوحد.

لا أريد ربيعاً عربياً.. لا أريد مستقبلاً واعداً، ولا أملا مشعاً.. فقط أعيدوا لنا ذلك الإنسان الذي تناثر وتفتت بين وديان الربيع المزهر بالدم.. أعيدوا لنا كرامة الموت، وهيبة الأحزان التي فقدناها.. حتى الوقت.. لم يعد يسعفنا الوقت لنحزن بالشكل اللائق كما كنا.

لا أريد ربيعاً عربياً.. أعيدوا تلك الروح إلى سابق عهدها، حتى لو كانت تكافح من أجل لقمة العيش، وتئن تحت وطأة الاستبداد، أعيدوها فقد كانت تتنفس وتحزن وتبكي كالبشر.

لا أريد ربيعاً عربياً تتداعى فيه روحي كل يوم.. تتفتت كل يوم.. تتمزق.. تُرمى.. وتُداس بقاياها المتهالكة كلوحة عتيقة ملقاة في متحف مهجور تقرضها الجرذان بكل بطء.

دعوني اقتتل على رغيف الخبز في الصباح، وألاحق جوالي الماء في الظهر، كما كنت أفعل قبل ربيعكم، بدلاً من أن اقتتل بحثاً عن جثة صديقي، أو ابني، أو ألاحق أشلاء طفلي.

لا أريد ربيعاً عربياً يموت فيه أخي من أجل كعكة تقاسمها المتحالفون في ليلة ذات خفاء.. أو من أجل أرض تنازعتها فصائل الثوار.. فتوسع الشقاء.. وذهب دم أخي هباء!

لا أريد ربيعاً أترحم فيه على الخريف.. وأبحث عن الأمل في أكوام المجهول، وأعلق طوق نجاتي يائساً ببصيص الشتاء!

كفاية دماء

لا أريد ربيعاً عربياً أتوسل فيه الرحمة من غول.. شيطان.. متجبر.. يسفك دمي.. يمتصه.. ينثره في الطرقات.. ذات الطرقات التي كنا ننثر فيها الورود لاستقباله.

لا أريد ربيعاً عربياً تكون فيه أخبار الموت هي قهوتي في الصباح، ونداءات الاستغاثة الموجعة هي غدائي في الظهيرة، وخزعبلات الساسة وألاعيبهم هي سهرتي في المساء.. لقد تعبت.. لقد مرضت.. لم أعد أطيق أخبار الربيع الموشح بالدم.

لا أريد ربيعاً عربياً أتداول فيه أرقام الموتى بكل جمود.. تماماً كتلك الأرقام التي أحسبها في مقعدي المرفه بالشركة، أو أدرسها في الجامعة!..

وما لا تعلمونه.. وما لا تكشفه الأرقام.. قصص الحزن المنسوجة خلف كل رقم.. خلف كل إنسان قتيل.. كل إنسان مصاب.. قصص: فجيعة والديه.. دموع إخوانه.. نحيب أبنائه.. وجوم أصدقائه.. وأزيز أرواحنا التي تقاوم النزع الأخير.

كم قصة حزن خلف هذه الأرقام (8263 قتيلاً في سوريا منهم 547 طفلا، و249 امرأة، 50 ألف قتيل في ليبيـا، 1000 قتيل و6467 مصاباً في مصر).!

لك الله أيتها الروح العربية المصلوبة في مذبح الربيع!

ما أسهل الموت، وأسرعه، وما أصعب الحياة، وأعقدها.. قالها الفيلسوف الثائر فولتير: "الإنسان يحتاج إلى عشرين سنة كي يبلغ أشده، منذ كان جنيناً في بطن أمه، فحيواناً في طفولته، وشاباً حيث يبدأ نضوج عقله، وثلاثة آلاف سنة ليكتشف القليل عن بنائه، والأبد إلى أن يعرف شيئاً عن نفسه.. ولكن دقيقة واحدة تكفي لقتله". وما علم فولتير أن دقيقة واحدة في هذا العالم المتوحش، تكفي لقتل العشرات وربما المئات. ولذلك كان صادقاً جداً وهو يكره الحرب أكثر من أي شيء آخر "فالحرب أم الجرائم وأعظم الشرور، وكل دولة تحاول إلباس جريمتها ثوب العدل.. القتل حرام، وجميع أنواع القتل يُعاقب عليها في زمن السلم، أما إذا نفخ في الصور، وأعلنت الحرب فيصبح القتل بالألوف مباحاً".

كان "الربيع" يمرّ في لحمي جنازة برتقال

قمرا نحاسياً تفتته الحجارة والرمال

وتساقط الأطفال في قلبي على مهج الرجال

كل الوجوم نصيب عيني.. كل شيء لا يقال..

ومن الدم المسفوك أذرعة تناديني: تعال!

فلترفعي جيداً إلى شمس تحنّت بالدماء

لا تدفني موتاك!.. خليهم كأعمدة الضياء

خلي دمي المسفوك.. لافتة الطغاة إلى المساء

(محمود درويش/ الموت مجاناً)


اشترك في النقاش