..بل دفاعاً عن النخبة

قامت الشعوب بالثورات وجاءت الأحزاب لجمع الغنائم

قبل الثورات كانت المجتمعات العربية تختلف حول التغيير الاجتماعي كيف يحدث، في اللحظة التي احترق فيها جسد البوعزيزي قهراً توقف الاختلاف، أصبح الجميع ييمم وجهه نحو الثورة كحل وحيد ومقدس، لا يجوز أن يرفض أو يختلف فيه.

الحديث عن التنمية البشرية، أو النهضة الاقتصادية أو حتى "المقاهي الثقافية" اختفى تماما من الطرح، لقد توقفت كل دعوات التغيير الاجتماعي في الموسم الثوري، فهل فعلا يمكن للثورة أن تقوم مقام كل تلك الدعوات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية المتنوعة والثرية باختلافها؟

من المفهوم أن يعتبر الإنساني العربي دعوات التغيير الاجتماعي السابقة، دعوات مهزومة وغير مجدية، لأنه لم يشعر بنتائجها المباشرة في حياته، لكن من الخطأ الإساءة لتلك الدعوات بتقزيم فكرتها، من الخطأ الفادح مهاجمة المفكرين العرب، الذين يتوسعون في نقد الثورات، لأن قدرة الثورة على الاطاحة بأطغى الدكتاتوريات، لا يعني قدرتها على تغير منهج تعليمي أو بناء مدرسة.

اليوم اتضح للجميع أن الثورة لم تصل إلا لهدفها الأول بإسقاط النظام، وربما لم تكن تعرف هدفا سواه، وعلى الرغم من أن التغيير الاجتماعي لم يكن ليتأتى من خلال ثورة شعبية غاضبة وحانقة يحركها انفعال صادق فقط، إلا أن ذلك لم يمنع الجميع من الانخراط في كلاشيهات اسقاط النخب ومهاجمة الدعوات التنموية التي تفكر في نهضة اجتماعية من خلال حقيبة مدرسية للأطفال.

المجتمعات العربية اليوم تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى دعوات التنمية، فمن المؤسف أن يفقد الكاتب نشاطه في نقد التخلف الاجتماعي، لينشغل في تمجيد الثورات، لقد مضى عام تقريبا ومازال الجميع على موجة النشوة، وكأن الواقع العربي لم يتوقف به الزمن 365 يوما عن الحياة الحقيقية، العمل والدراسة وحتى دوري كرة القدم، الذي تعطل سنة كاملة هو تعطيل من عمر الإنسان العربي.

بعد الثورة.. الشعب يريد العمل والكرامة

لقد ثار العرب، وبدت الصورة جميلة وجذابة في عنفوان اللحظة، لكن الوقت يمضي على الصورة وعلى الواقع المعطل، لقد عادت المجتمعات العربية لتواجه حقيقتها هيَ بعيدا عن صخب الحاكم والنظام، عاد الآباء للتربية السيئة، وعادت النساء لبيوت مظلمة تهزمها، الجميع عاد للجوع والفقر والأحلام.

المجتمعات العربية تعشعش في ثقافتها أنظمة فكرية فاسدة، أنتجت المظالم العائلية مثلما أنتجت المظالم السياسية، المجتمعات العربية تحتاج إلى دعوات تحفزها حد الغليان، لتثور لجسد طفل عربي ضربته والدته، تماماُ مثلما ثارت لجسد البوعزيزي. المجتمع العربي بحاحة دعوات فكرية تثير الشك في معاني الثورة، التي لا تعترف بالحريات الشخصية وحقوق الأفراد في الشذوذ عن الجماعة.

الإنسان العربي الذي يدفع حياته كاملة ثمناً للحرية، لم يتوقف لحظة واحدة من عمره ليسأل نفسه ما هي الحرية، لقد توقفت معاني الحرية لدى العربي تاريخيا عند حرية الوطن من الاستعمار، لهذا لم تصل به اليوم إلا إلى معنى الحرية من الاستبداد السياسي للنظام، لم يسأل العربي نفسه ما هي الحرية التي يريدها لعقله من التابوهات الفكرية، لم يسأل عن الحرية التي يريديها لجسده من وصاية المجتمع والمخاوف الخرافية.

المجتمعات العربية تحتاج الكثير من الدعاوي الفكرية التي تبدأ بالسؤال عن معنى الحقوق والحريات والعدل والمساواة ماهو، ماهي المعاني المختلفة لها، هل فكر العربي الذي يطالب بالقانون من سيسن له هذا القانون، من هي السلطة التشريعية التي سيخولها لتفصل مدونة أحواله المدنية وحقوقه الشخصية.

التغيير الاجتماعي يحتاج أن نعيد البوصلة إلى الدعوات التنموية والثقافية الصادقة التي لا تجامل الجمهور الغاضب ولا تخاف من أن تقول له: إبدأ بنفسك..


اشترك في النقاش