«الحج: رحلة إلى قلب الإسلام» في المتحف البريطاني بلندن - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

ثقافة

«الحج: رحلة إلى قلب الإسلام» في المتحف البريطاني بلندن

الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ
الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ
الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ

السفير السعودي في لندن الأمير محمد بن نواف بن عبد العزيز الذي افتتح المعرض قال: «هذا المعرض يقوم عبر الصور والقصص الشخصية والقطع الأثرية بمنح الحضور لمحة خاطفة لهذه الرحلة التي يقوم بها المسلمون من جميع أنحاء العالم. الحج في جوهره رحلة روحانية، إنها أهم رحلة يقوم بها المسلم في حياته».
عند زيارة المعرض للمرة الأولى، يستشعر الزائر تماما الأجواء الداخلية والتأملية التي تثيرها فريضة الحج كما يشعر بالإجلال العظيم الذي يشعر به المشاهدون الآخرون.

ويقع المعرض في المكتبة البريطانية القديمة ذات القبة الرائعة، ويمكن الوصول للجزء الرئيس به عن طريق الطواف عبر طرقة طويلة ذات إضاءة خافتة وصدى خفيف لموسيقى ملهمة وصور كبيرة لحجاج يجتمعون حول هدفهم في جانب واحد.
«المجلة» زارت المعرض، فكان لها حوار حصري مع فنيتيا بورتر أمينة كل من «معرض الحج: رحلة إلى قلب الإسلام»، وقسم الفن الإسلامي والشرق أوسطي الحديث في المتحف البريطاني.
تقول بورتر: «كان من الضروري نقل أجواء تلك الرحلة الروحانية العميقة، الركن الخامس من أركان الإسلام. وكان من الصعب فعل ذلك من خلال مجرد مجموعة من الأشياء، لذا أضفنا أصوات الحجاج عند وصولهم إلى مكة: التلبية والكلمات التي يقولونها، ليس فقط عند الوصول وإنما أيضا عند رؤية الكعبة للمرة الأولى، وقولهم «أنا هنا.. أنا هنا، يا الله».

وقد تم افتتاح أول معرض على الإطلاق عن الحج إلى مكة، وهو أحد الأركان الرئيسية في العقيدة الإسلامية، في المتحف البريطاني والذي سيستمر حتى الخامس عشر من أبريل (نيسان) 2012. وما لا شك فيه أن الزائرين سوف يأتون من كل مكان في العالم لمشاهدة هذا الحدث تماما كما ينوي الحجاج المسلمون الرحيل إلى مكة لتأدية شعائر الحج على الأقل مرة واحدة في الحياة.

فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ
فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ

ويتناول المعرض ثلاثة مواضيع رئيسية: الموضع الأول هو الرحلة في الطرق الرئيسية عبر الأزمنة المختلفة من الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا وأوروبا. والثاني هو محاكاة تجربة الحج في الحاضر وأداء المناسك والمغزى منها لدى الحاج. والموضوع الأخير هو مكة ذاتها، أصولها وأهميتها كقبلة للحج.
وأخيرا، كتبت ريم الفيصل، وهي مصورة فوتوغرافية تقوم بعرض صورها في المعرض: «من الصعب الإشارة للحج في كلمات أو صور لأنه أكبر من أي وصف ممكن. لا يوجد كتاب أو صورة تعطي للحج حقه، حتى هؤلاء الذين يقومون بالشعائر لا يستطيعون فهم الحج بشكل مطلق».

ثروة تاريخية

وما يزيد من قيمة المعرض أنه أقيم بمشاركة مكتبة الملك عبد العزيز العامة بالرياض التي تضم ثروة من القطع التاريخية والفنون المعاصرة الحديثة تم جمعها من مجموعات هامة مختلفة من المتحف البريطاني والمكتبة البريطانية ومجموعة الخليلي ومصادر أخرى في السعودية.
ويشير نيل ماك غريغور مدير المتحف البريطاني إلى أهمية تلك الأشياء التي تثري الصور والأفلام والأصوات تأثيرها.. «إنها تساعد على رواية قصة تلك الرحلة الروحانية ونقل قوة هذا الفعل الإيماني الجماعي والخاص جدا في الوقت نفسه».
إذن فما أهمية هذا المعرض لبقية العالم؟ يقول ماك غريغور: «الحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام، ولكنه الوحيد الذي لا يستطيع غير المسلمين مشاهدته أو المشاركة فيه». ويضيف: «لذا من المهم إيجاد طرق أخرى لاكتشاف تلك التجربة وفهم معناها بالنسبة للمسلمين الآن وماذا كانت تعني عبر القرون الماضية».

وتعلق بورتر على أهمية ضم أعمال التصوير والرسم والنحت للفنانين المعاصرين، والتي حسب وصفها، «تشخص التاريخ وتسمح لنا باستشراف لمحة من تلك التجربة عبر الأشخاص وتعمق فهمنا لها وتسمح لنا بإدراك كيف تم استخدام الفن لخدمة الإسلام».

وتقول: «للأسف نحن في وقت يحظى فيه الإسلام بإعلام سيئ. كل ما يعرفه الناس هو ما يستمعون له في الأخبار. وبالطبع هناك عناصر متشددة، ولكنهم أقلية، ومع ذلك فهذا الأمر يلقي بظلاله السيئة على أفكار الناس بشأن الإسلام. ويجب أن يعزز هذا المعرض فهم الإسلام واحترامه، فالحج أمر مهم للغاية بالنسبة للمسلمين وإذا بدأت في فهمه سيتعمق فهمك للإسلام. أتمنى أن يستطيع المعرض تحقيق ذلك الغرض».
ويحتوي المعرض على أحد الأعمال الفنية المعاصرة وهو لافتة تشير إلى الطريق إلى مكة والذي ينقسم إلى معبرين أحدهما «للمسلمين فقط» والآخر «لغير المسلمين» الذين لم يسمح لهم بدخول مكة أو المدينة منذ بدء الحقبة الإسلامية.

وتعليقا على إمكانية فهم غير المسلمين لما يحدث في الحج أو خوض التجربة، تقول بورتر: «حسنا، لا يمكننا الذهاب، وعلينا أن نحترم ذلك، إذا كان هذا ما يشعرهم بالراحة، أن يحاطوا بإخوانهم المسلمين فقط، أظن أن ذلك منصف بما يكفي، وإلا سوف يصبح موقعا سياحيا ومشتتا بشكل كبير».

بوصلة عثمانية تشير الى اتجاه القبلة
بوصلة عثمانية تشير الى اتجاه القبلة

قضت بورتر عامين ونصف العام من أجل الإعداد لهذا المعرض. وتقول بورتر: «لقد استغرقت وقتا طويلا في دراسة وفهم الشعائر شديدة التعقيد ولكل منها معنى وأهمية خاصة. لذا فقد أنتجنا فيلما لعرض مجموعة الشعائر على المشاهدين، ويدعو الفيلم الجميع لرؤية خطوات عملية الحج في المدينة ثم مكة وما هو أكثر من ذلك خلال أيام الحج».

وبالإضافة إلى الأصوات التي تعبر عن الأجواء، نسلط الضوء على التجربة عن طريق الأفلام القديمة والملصقات، والعبارات التي يكتبها الحجاج على الحوائط والقصص المؤثرة حول رحلاتهم الطويلة والشاقة. وأخيرا، يستطيعون رؤية الكعبة المكسوة بكساء بديع، وهي أمثلة رائعة أيضا تثير إعجاب الحجاج الجدد. ويسهم احتواء الأصوات والأفلام التي تدور حول مسلمي بريطانيا الذين أدوا فريضة الحج في الماضي والحاضر في إثراء تلك التجربة التي تعكس أجواء الحج.
وتضيف بورتر: «يذهب نحو 15 ألف مسلم بريطاني في المتوسط إلى الحج كل عام، ونحن نحتاج إلى أن نسمع قصصهم، تسمعهم يقولون إنهم على الرغم من توجههم طوال حياتهم إلى مكة خلال الصلاة، فإنهم لم يتم إعدادهم بالفعل للذهاب إلى هناك – التجربة التي يصبحون فيها معا محاطين بمسلمين آخرين، الجميع سواء، الغني أو الفقير من الصين أو أفريقيا.

ولا يعبر هذا المعرض عن الماضي؛ حيث إن عرض التجربة المعاصرة يجعل المعرض آنيا للغاية. وتقول بورتر: «عندما تقارن كتابات الحجاج الأوائل بتلك الحالية يتضح أنه على الرغم من أن كلا من وسيلة السفر ومكة تغيرتا مع مرور الوقت فإن فعل الحج – تلك الحاجة إلى لمس المكان المقدس – لا يزال ذاته، إن رد الفعل على رؤية الكعبة للمرة الأولى لم يتغير على الإطلاق، إنها تجربة يرغب في خوضها المزيد والمزيد من الأشخاص كل عام».
وبالطبع، فإن إضافة فن حديث معاصر هو أمر ضروري لإضفاء «عامل الحاضر» على المعرض. وتضيف بورتر: «نحن نعرض أعمالا عن الكعبة والحجر الأسود لأنني أردت التركيز بقوة على الأمور من خلال تلك الأعمال باللونين الأبيض والأسود، وهو ما أتى صدفة، أردت وضع القليل فقط من الأعمال الرئيسية وعددها ستة لإبراز النقاط المهمة».

ومن بين تلك القطع المعاصرة، العمل المؤثر والمفعم بالحياة «المكعب الأسود 11» للفنان الجزائري المولد قادر عطية. وهناك فنانة أخرى ولدت في مكة هي شادية علام التي عملت أسرتها في رعاية الحجيج لأجيال، وقد ابتكرت نحتا لامعا ومشعا تسميه «حجر من الجنة» وهو ما تصفه بأنه حجر يلمسه ويقبله الملايين عبر العصور والذي يعتقد أنه يعمل على تقوية الذاكرة والقدرة على التعلم.

تناغم الكون

يوجد في قاعة المحكمة الكبرى بالمتحف البريطاني مجسم نحتي مثير للفنان البريطاني إدريس خان يسمى «سبع مرات» وهو عبارة عن 144 مكعبا من الفولاذ ويشغل سطح كل مكعب مجموعة من الأذكار بالخط العربي تم كشطها بواسطة الرمل سبع مرات وهو ما يشير إلى مدى إلهام مشعر الطواف بالكعبة لهذا العمل. ويقول: «إن رؤية طواف الناس حول الكعبة سبع مرات ثم توقفهم لشيء جميل حقا».
ذهب مالكوم إكس، أحد رواد حركة «المسلمون السود» في أميركا إلى الحج عام 1964، وعندما سُئل عن أكثر ما أثر فيه خلال تلك التجربة أجاب «الأخوة، يجتمع الناس من جميع الأعراق والألوان من جميع بقاع الأرض كأنهم واحد. لقد أثبتت لي التجربة قدرة الله الواحد».

المحمل.. من أجمل محتويات المعرض
المحمل.. من أجمل محتويات المعرض

كما يحتفل أيمن يسري بروح الوحدة بين المسلمين من خلال صورة فوتوغرافية مؤثرة تظهر صفا من الحجاج الذين يرتدون الأبيض ويعبرون الصحراء وهو مشهد مأخوذ من فيلم عن مالكوم إكس وقد سماها يسري «كنا جميعا إخوة».
ومن أجمل الأشياء في معرض الحج هو المحمل المصري المطرز الذي يعد وصوله كل عام في موكب رائع إلى مكة حدثا كبيرا.. حيث تسافر النساء داخل المحمل ليتمتعن بالراحة والخصوصية.
وقد تغير الواقع المادي لأداء الحج عبر القرون، ففي الماضي كانت الرحلة شاقة للغاية حتى أن بعض الحجاج لم يكونوا يتوقعون عودتهم مرة أخرى إلى بلادهم وكانوا يرحلون حاملين معهم أكفانهم معتبرين زوجاتهم مطلقات ويواجهون الطاعون والفيضانات المفاجئة وقيظ الصيف الحارق.

اليوم، يسافر جميع الحجاج إلى السعودية وينتقلون إلى المدينة في حافلات مكيفة، وهو ما يستبدل بالتأكيد تجربة الحجاج في الماضي. ولكن، كما تعلق بورتر: «في الوقت الحالي يقول الناس إن الشيء المرهق هو تجمع ملايين الناس في مكان واحد وهو ما يكون صعبا بخاصىة اذا جاء موعد الحج في شهري يوليو (تموز)، وأغسطس (آب)». وعلى الرغم من أن الحج أسهل هذه الأيام فإن التجربة الروحانية لا تبدو مختلفة. فتقول: «كل شيء في المعرض سواء كانت تذكرة السفر بالسفينة من توماس كوك أو قطع الفن المعاصر، تجذبك جميعها نحو جوهر الحج، كما أن بعض الأعمال الحديثة تجعلك تفكر فيما ستأخذه معك من التجربة. وهناك عمل فني لأحمد مطر يشبه الدوامة ويسمى «ماجنتزم» ويكتب عليه من الداخل «ماذا أفعل الآن؟»

بالإضافة إلى صورة فوتوغرافية للفنانة ريم الفيصل والتي تصور مخيما ليليا تقول إنها «تكتشف ببطء تناغم الكون».. عندما تؤدي شعائر الحج ويسجل العمل، من خلال البساطة التامة للأبيض والأسود، جلوس الحجاج مع ذواتهم في سكينة أو في مجموعات صغيرة وتبعث الصورة على الشعور بالهدوء والتأمل، حيث تعلو الحجاج نجوم متلألئة تملأ السماء في الليل، فتقول: «على الرغم من أن الحج حدث جماعي فإنه أمر شخصي للغاية، فكل منا يجد الحج الذي جاء باحثا عنه».

Previous ArticleNext Article
جولييت هايت
كاتبة ومصورة متخصصة في التراث والثقافة المعاصرة في الشرق الأوسط. تعمل حاليا على تأليف كتابها الثاني «تصميم عمان»، بعد أن نشرت كتابها الأول «اللبان: هدية عمان إلى العالم» عام 2006.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.