• العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

من الأرشيف

صالح القلاب يستذكر “أوراق راشد الغنوشي”

راشد الغنوشي في العام 1988
راشد الغنوشي في العام 1988
راشد الغنوشي في العام 1988

عندما بادرت إلى إعداد هذا الملف :”من أوراق الغنوشي” في عام 1988 لم أكن أتوقع إطلاقاً أن الأمور ستتطور إلى ما جرى بعد ثلاثة وعشرين عاماً وأن زين العابدين بن علي ،الذي كان وعد بأنه لن يبقى في القصر الجمهوري في قرطاج إلاّ لدورة رئاسية واحدة، سيستمر عقدين وثلاثة أعوام وانه سيخرج من بلاده هارباً وأن راشد الغنوشي الذي قضى كل هذه الفترة في المنافي الباردة والبعيدة سوف يعود عودة الأبطال الميامين وأن حزبه “حزب النهضة”، الذي لم يكن قد استقر على هذا الاسم بعد، سوف يصبح الحزب الحاكم وسوف يحل محل الحزب الذي كان الحبيب بورقيبة قد حكم باسمه والذي في حقيقة الأمر انتهى إلى أن يكون مطية لعدد من قيادات ما يمكن تسميته “اللحظة المريضة”.

الغنوشي في شبابه
الغنوشي في شبابه

كانت هذه الحلقات قد جرى تسجيلها في منزل الغنوشي المتواضع جداً في شارع قناة السويس في منطقة بن عروس في تونس العاصمة وكان هذا الرجل ،الذي بدأ ناصرياً واشتراكياً وانتهى من خلال بوابة جامع الزيتونة إلى الحركة الإسلامية، قد خرج من السجن تواً بعد حركة السابع من نوفمبر (تشرين الثاني) 1987 التي نفذها زين العابدين بن علي وأنهى بها حقبة طويلة من حكم “المجاهد الأكبر” الذي لا يستطيع أيّ كان إنكار أنه كان أحد رموز القرن العشرين مثله مثل مصطفى كمال “أتاتورك” وأنه حقق إنجازات اجتماعية هائلة لشعبه رغم أن نظامه كان ديكتاتوريا وتسلطيا وأنه في آخر أيامه غدا لعبة في أيدي كبار المحيطين به وأقربائه الذين دفعوه لتطليق زوجته وسيلة بن عمار المرأة الفاضلة والمجاهدة والتي قاسى طويلاً قبل أن يدفعها إلى الافتراق عن زوجها الأول وقبولها بأن تصبح زوجة له.

في هذه الأوراق، التي أشعر الآن وبعد كل هذه الأعوام بقيمتها التاريخية، قال الشيخ راشد الغنوشي ،الذي أرجو أن يبتعد عن تجربة “الإخوان المسلمين” وتكون له ولحزبه تجربة خاصة تلائم واقع تونس الذي يختلف اختلافاً كبيراً عن واقع مصر وواقع كل الدول العربية التي تعتبر هذه الجماعة نفسها العامل الرئيسي فيها: “أجد نفسي ملزماً بتوضيح مسألة هامة وأساسية وهي أننا لم نكن نخطط لتسلم الحكم ولا إلى إسقاط السلطة… فقد كنا نتحاشى التعرض للسلطة بصورة مباشرة وكان همنا منصبّا على الأمور التربوية والتثقيفية”.

الغنوشي معلم الابتدائي قبل توجهه الى مصر
الغنوشي معلم الابتدائي قبل توجهه الى مصر

لكن ها هو راشد الغنوشي ،الذي عندما خرجت من بيته في ناحية بن عروس في تونس العاصمة بقيت المخابرات التونسية تطاردني إلى أن وصلت إلى الفندق الذي كنت أقيم فيه في الجهة الأخرى من هذه المدينة التاريخية الجميلة، غدا حاكم هذا البلد العربي الذي أعطى للأمتين العربية والإسلامية “ابن خلدون” والعديد من المبدعين والطلائعيين وهنا فإنني أجد أنه عليَّ أن ألزم نفسي ،هذا إذا قدر الله جلّت قدرته، أن أشارك هذا الرجل الذي كان قد ذاق الأمرين قبل أن يصل إلى هذه المكانة التاريخية في إعادة قراءة هذه الأوراق في ضوء ما أصبح الوضع عليه بعد ثلاثة وعشرين عاماً ثم وأنني أجد أنه لزاما عليَّ أن أذرف دمعة حزن على مجلة “المجلة” التي كنت عملت فيها لأكثر من عشرة أعوام مع كوكبة من الزملاء المبدعين في مقدمتهم عبد الكريم أبو النصر وعماد الدين أديب وعثمان العمير والصديق العزيز حقاً عبد الرحمن الراشد والتي وللأسف توفت وهي في ريعان شبابها والتي أرجو أن تعود في حلَّة جديدة مواكبة لهذا العصر وهذه المرحلة.. وأيضاً مواكبة لفرسان هذه المرحلة من الشباب المبدعين الذين يفكرون بطريقة تختلف عن تفكيرنا نحن جيل ما قبل “الفاكس”.. وكل هذه القفزة الهائلة في ثورة التقنيات الإعلامية.

من راشد الغنوشي إلى “المجلة”.. شكر وتوضيح

أحيي عملكم وقيامكم بنشر أوراقي الخاصة، وقد لاقت استحسانا لدى أوساط كثيرة. وإنني مرتاح بشكل عام للجهد الذي بذله الأخ الكريم صالح القلاب في إخراج الحديث صياغة. ولكنني أحب أن ألمّح إلى بعض الأخطاء العائدة حسب اعتقادي الى عملية نقل الحديث من صيغته الارتجالية الى الأسلوب الكتابي، الأمر الذي دعا الى ما يلي من التوضيح:
1- إن ما ورد من حديث عن الغرب في السياق الأصلي للأوراق لم يكن متجها لإدانة الحضارة الغربية وإنما الى فلسفتها المادية وتقزيمها لأبعاد الإنسان الرحبة، وكذلك لدورها الاستعماري والاستغلالي لخيرات الشعوب الأخرى، وتدميرها لثقافات تلك الشعوب وخصوصياتها، وفرض التبعية عليها، وهي سمات لم تكن تتعدل فيها غير الأشكال. وما اسرائيل والحكم العنصري في جنوب افريقيا إلا صورتان ونتيجتان طبيعيتان لتلك الفلسفة المادية ونهجها في التعامل. ولا يعني ذلك تجاهل ما قدمته هذه الحضارة من تطوير للتراث العلمي الإنساني ومناهج البحث والإدارة والتأكيد على حقوق الإنسان والديموقراطية، حتى وإن اقتصر أفقها الإنساني على الإنسان الغربي.

الغنوشي بعد هزيمة 1967
الغنوشي بعد هزيمة 1967

ولا يفوتني أن أسجل أنه لا يحق لمثلي أن يغفل عن التنويه بما تمتعت به وأخواني في حركة الإتجاه الإسلامي أيام محنتنا، واستهدافنا من طرف بورقيبة من مساندة فعالة من الرأي العام الغربي، فمثلا في قطاع واسع من إعلامه وجمعياته الإنسانية، وفي عدد وافر من حكوماته الديموقراطية. فإنها لعمري جديرة بالتنويه وحريّة أن تفتح صفحات مشرقة مبشرة بتطورات إيجابية في علاقة الإسلام بالغرب.
2- ورد في الحديث المنشور التأكيد على أن تونس لم تعرف الصراع المذهبي في تاريخها وهو صحيح في عمومه، عدا استثناءات حدثت خلالها صراعات مريرة بين السنّة المالكية والشيعة الإسماعيلية، التي لم يبق لها أثر في البلاد.
3- ورد التباس آخر في الأوراق يتعلق بما كانت قيادة حركتنا تزمع القيام به فيما لو حكم علي بالإعدام كما كان منتظرا، بما يفيد أن ذلك كان سيخرج الحركة عن النهج الديموقراطي، وهو خطأ. فلقد أوضح الأخ المجاهد حمادي الجبالي نائب الأمين العام للحركة خلال تلك الظروف، مؤكدا ثبات الحركة على نهجها وأنه اكتفى بإبداء خشيته من أن تفلت القواعد فيما لو وقع المحظور.
ومع رجائي نشر هذا التوضيح تفضلوا وقراء “المجلة” بقبول فائق الشكر والتقدير والرجاء أن تفتح “المجلة” أبوابها لمزيد من القلوب من أجل تنمية الحوار والتسامح مهما تعددت المشارب والمذاهب.

راشد الغنوشي – تونس
أكتوبر 1988

 

راشد الغنوشي

الموضوع: زعيم الاتجاه الإسلامي التونسي.. من أوراق الغنوشي
الأعداد : 440 و 441 و442 و443 و444 و445
تاريخ النشر: يوليو 1988

PDF Download تحميل العدد

 
Previous ArticleNext Article
صالح القلاب
كاتب وإعلامي وسياسي تولى عديد المناصب بينها منصب وزير الإعلام في الأردن.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.