عبد الإله بن كيران.. ميكافيلي السياسة المغربية

عبد الإله بن كيران

الاستقلاليون المغاربة رفعوا راية القلق عالية تجاه حزب "العدالة والتنمية" ورئيسه رئيس الحكومة المغربية عبد الإله بنكيران، فقالوا إن "حزب العدالة والتنمية ينفرد بالقرارات، ورئيس الحكومة يتسرع في التصريحات، من دون أن يأخذ بعين الاعتبار أنه رئيس حكومة ائتلافية مكونة من أربعة أحزاب". ومن هذه الأحزاب "الحركة الشعبية" و"التقدم والاشتراكية"، اللذان هما نفساهما ليسا على وفاق.

ما زال الوقت مبكرا للحكم على أداء عبد الاله ابن كيران وحكومته، لكننا نستطيع أن نتلقف ترنح عبد الاله بن كيران بين حنكة السياسيين وبراءة الطيبين، عندما وقع وسط حبائل مؤتمر دافوس الذي حضره باعتباره رئيسا لوزراء المغرب في يناير (كانون الثاني) الماضي.

فقد تسببت تصريحات على هامش هذا المؤتمر، نسبتها إذاعة (صوت إسرائيل) إلى رئيس الحكومة المغربية عبد الإله بن كيران، ورئيس حزب النهضة التونسي راشد الغنوشي، في بلبلة في كلا البلدين المغاربيين المغرب وتونس. فقد أوردت الإذاعة المذكورة في موقعها الإنترنتي كلاما لكلتا الشخصيتين. وركزت الإذاعة في الخصوص على علاقات إسرائيل بهذين البلدين. وقالت في هذا الصدد إن زعيم حزب النهضة الإسلامي التونسي راشد الغنوشي أبلغ مراسلا لها في دافوس (سويسرا) أن مستقبل علاقات بلاده مع إسرائيل يحكمه التوصل إلى حل للقضية الفلسطينية، وأشار موقع «عربيل» أيضا إلى أن رئيس الوزراء المغربي بن كيران زعيم حزب العدالة والتنمية الإسلامي عبر عن موقف مماثل، وأضاف الخبر يقول: «قال الاثنان لمراسل (صوت إسرائيل) في المنتدى الاقتصادي العالمي المنعقد في دافوس بسويسرا إن على الفلسطينيين أن يقرروا بأنفسهم طبيعة علاقاتهم مع إسرائيل. وأكدا أن الحركات الإسلامية ستتصرف بموجب القرار الفلسطيني".

دين ودنيا

ولد عبد الإله بنكيران في الرباط عام 1954 وقضى طفولته فيها.

وعلى الرغم من أن أباه يتحدر من عائلة صوفية إلا أن عبد الإله اختار الفيزياء بدل علوم الدين مبتعدا عن مجالي أسرته الديني والتجاري، حيث كانت اسرته تعمل بالتجارة.

كان أبوه يصر على تعليمه القرآن منذ الصغر في المرحلة الأساسية. وعلى الرغم من نشأته الدينية، إلا أنه درس الفيزياء حتى أصبح استاذا فيها.

ويقال إن من فتح عيونه على أوضاع مجتمعه هي والدته التي كانت شغوفة بحزب الاستقلال المغربي وحريصة على حضور تجمعاته الجماهيرية. وربما كان لهذا تأثيره على شخصية ابن كيران، حيث شغل حزب الاستقلال حيزا من حياته السياسية. إضافة إلى اهتمامه بأحزاب أخرى على رأسها الاتحاد الوطني المغربي للقوات الشعبية، وهو حزب كان قد انشق عن حزب الاستقلال عام 1959، والذي كان على رأس مؤسسيه المهدي بن بركة.

كان قياديا بارزا في حركة الشبيبة الإسلامية المغربية (المحظورة) إثر انضمامه لها عام 1976. ولكن ما أن بدأت الحركة في لقاءاتها السرية في حي «بلفدير» بالدار البيضاء، حتى غادرها مع مجموعة من الشباب. وبذلك سلم من الاعتقالات التي طالت أعضاء هذه الحركة عام 1983.

لكنه بعد ثلاث سنوات من خروجه من الشبيبة اختير قائدا للجماعة الإسلامية المغربية عام 1986 وتمكن بعد 8 سنوات من العمل فيها من الخروج العلني وطرح برنامجه على الشارع المغربي، بعد أن كان يعمل في الخفاء، ولكن تحت اسم جديد هو (حركة الإصلاح والتجديد)

وقد شهدت الحركة صراعا كبيرا وخاصة من لجنتها التنفيذية، على نوعية نظام الحكم في المغرب، مما حدا بابن كيران إلى تقديم استقالته، لوقوف اللجنة التنفيذية ضد تصوراته، لكنها رضخت لهذه التصورات في نهاية الأمر.

ولكي يتسنى له ممارسة العمل السياسي علنا أسس (حزب التجديد الوطني) لكن السلطات لم ترخص له، فلجأ إلى صديقه عبد الكريم الخطيب ليضوي الحركة تحت لواء حزبه الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية، ومن هذه الحركة تولد (حزب العدالة والتنمية) الذي ساق ابن كيران للتربع على رئاسة الوزراء في المملكة المغربية.

خصوم ومريدون

يقول خصومه إن ابن كيران مهادن للسلطة وأنه يمكنه أن يقدم تنازلات تمس ثوابت حزبه في سبيل الحفاظ على السلطة، وتحقيق مكاسب انتظرها طويلا ولا يمكن التفريط فيها، فهذا من طبيعة الحركات الإسلامية ويمكن ملاحظته من تاريخها الطويل في العديد من البلدان العربية، ولن تكون المغرب هي الاستثناء، مدللين على ذلك بالتجربتين المصرية والسودانية في تقديم التنازلات في سبيل المصلحة الحزبية، والأولى اختارت المهادنة طوال عهدي عبد الناصر والسادات حتى خرجت من عباءتها الحركات التكفيرية، وأخيرا القاعدة، والثانية تماهت مع سلطة النميري حتى بايعته إماما للمسلمين وأخيرا قبرت التجربة الديمقراطية بتحالفها مع العسكر.

ويضيفون أن مرونته خالفت كافة تجارب الأحزاب الدينية في المغرب، والتي كانت مصادمة طوال تاريخها ترفض المنهج الميكافيلي، الذي كان منهج ابن كيران بامتياز. لكنه يبدو أنه الآن يحن إليه ثانية.

من جانب آخر، يقول مريدوه إنه معتدل في سياسته ومراوغ ماهر بحكم مهنتة السابقة في تدريس مادة الفيزياء بمدرسة الأساتذة العليا في الرباط، حيث أدرك أن مكونات السياسة يمكن التحكم فيها من خلال معادلات محسوبة مثلها مثل الفيزياء.

ويشيرون إلى صدق حدسه في انفكاكه المبكر من فكر الزعيم الإسلامي الراديكالي عبد الكريم مطيع، وانه تقرب من القصر واستطاع أن يقنع السلطة بأن تترك صناديق الاقتراع تقول كلمتها وتسلم الإسلاميين الحكومة، لأنه طوق النجاة من موجة الربيع العربي القادرة على الوصول إلى شواطئ المغرب.

واستطاع أن يعطي اشارات للداخل والخارج لطمأنة الجميع، وقال إن حزبه لم يأت لفرض الحجاب على المغربيات أو لإقفال محلات بيع الخمور، بل جاء ليعالج مشكلات أخرى كبيرة يرقد في تفاصيلها الاقتصاد والمشكلات الاجتماعية، ووضع البلد بين أمم العالم.

إنها آمال وتطلعات كبرى، كان ابن كيران يطمح إليها. بيد أن وظيفته تفرض عليه اليوم أن يكون رجل توافقات في ظل حكومته الائتلافية هذه، لكنه نجح من دون شك في الاختبار الأول، وذلك أنه استطاع أن يوافق إلى حد بعيد بين التقارب مع الملك وبين كسب أصوات جزء مهم من الشارع. وفي واحد من أحاديثه للصحافة قال بن كيران "الحزب فضل أن لا يغامر باستقرار المغرب والخروج إلى الشارع ومال إلى قاعدة ذهبية تبنى على الحفاظ على الاستقرار والملكية والمطالبة القوية بالإصلاح". فهل سيحقق ابن كيران طموحات ناخبيه وآمالهم، أم أن بذخ السلطة سيجرفه كما جرف كثيرين قبله؟


اشترك في النقاش