ما بين العلم واستغلاله.. فضائيات للشَّعوذة والطَّائفية!

يوري غاغارين.. أول إنسان يتمكن من الطيران إلى الفضاء الخارجي والدوارن حول الأرض يوري غاغارين.. أول إنسان يتمكن من الطيران إلى الفضاء الخارجي والدوارن حول الأرض

يوري غاغارين.. أول إنسان يتمكن من الطيران إلى الفضاء الخارجي والدوارن حول الأرض

لو علم رواد الفضاء الأوائل، أنهم سيفتحون طبقات الفضاء لقنوات تعلم النَّاس الشَّعوذة، وأخرى تؤهلهم عبر دروس الطَّائفية المقيتة؛ لوفروا جهودهم وأرواحهم، فكم رائد فضاء نزل جثمانه رماداً، في سبيل سبر الفضاء والوصول إلى الكواكب والنُّجوم، بعد أن صار القمر كأنه من ضواحي الأرض، لا يلفت النَّظر الصعود إليه. كان العام 1957 عام الانطلاق إلى الفضاء الرحيب العجيب، لما طاف يوري غاغارين (ت 1968) حول الأرض لأكثر من مائة دقيقة، لكنه لم يقض نحبه في سفينة فضائية، إنما في طائرة حربية ضمن تمارينه استعداداً لرحلة فضائية جديدة.

بعد غاغارين صار الفضاء في متناول اليد، ومن بعد أن جرت التَّجربة على الكلبة "لايكا" في ارسالها إلى الفضاء والبقاء فيه عدة أيام، وأَوصلت نباحها إلى أهل الأرض عن طريق الميكرفون، لمعرفة تأثيرات الفضاء على الكائن الحي، كان ذلك العام 1957 أيضاً. بعدها بنحو اثني عشر عاماً، تم صعود الإنسان إلى القمر، وتلك حادثة مشهودة، فالجيل الذي عاش تلك اللحظات، في يوليو (تموز) 1969 ما زال الغالب منه على قيد الحياة.

قرأت أن أفضل أشكال السفن الفضائية مناسبة للانطلاق إلى الفضاء، ولها قدرة في مواجهة الطارئات وسط غوره الرهيب، السفينة ذات الشّكل الدائري، لذا كانت السفينة أو المركبة التي انطلق فيها غاغارين، ولسرية المهمة أُخبر بها قبل يوم مِن انطلاقه، دائرية الشَّكل (المجلة الثقافية، الصادرة عن الجامعة الأردنية).

لا نعلم إذا ما كان إخوان الصَّفا وخلان الوفا (القرن الرابع الهجري) قصدوا مميزات في رسائلهم للشِّكل الدائري، واعتبروه هو أشرف الأشكال عندما قالوا: وأشكال تلك الكواكب أو الأفلاك كروية والشَّكل الكروي أشرف الأشكال "لأن الباري جلَّ ثناؤه لا يفعل إلا الأحكم والأتقن، ومِن أجل هذا جعل الأفلاك كروية الشَّكل، لأن هذا الشَّكل أفضل الأشكال، وذلك لأنه أوسعها وأبعدها مِن الآفات، وأسرعها حركة، ومركزه في وسطه، وأقطاره متساوية، ويحيط به سطح واحدٌ، ولا يماس غيره إلا على نقطة، ولا يوجد شَكل غيره فيه هذه الأَوصاف"(الرسالة الثانية من القسم الرياضي).

تلك مقدمة لفداحة ما استغلت فيه نتائج علم الفضاء، التي هيأت المجال لاختراع وصناعة الأقمار الصناعية، وهي التي تقرب البعيد وتحول الكرة الأرضية إلى مجرد دائرة صغيرة أو قرية في مجال الاتصال، كيف استحالات الشهور وربما السنون إلى لحظات في إيصال الصوت والصورة معاً. قبل 1991 لم يكن للمشاهد سوى التلفزيونات الرَّسمية، ولكل دولة طابعها وتقاليدها، وما تبث وما لا تبث، ونشرات أخبارها هي الأكثر ميلاً للمحلية، وكذلك برامجها، فبثها لا يعبر حدودها، وقد لا يغطي كلَّ حدودها، فالتقنيات كانت محدودة، وليس في الفضاء أقمار باثة ولا على سطوح المنازل أطباق لاقطة.

حتى أوائل عامنا هذا وصل عدد الفضائيات العربية إلى نحو السبعمائة فضائية، منها مقيدة بالدول، فلكل دولة فضائيتها الرَّسمية، ومنها فضائيات حرة مستقلة، أو تعلن عن نفسها هكذا، مع أن الاستقلال، في الإعلام على وجه الخصوص، غاية لا تدرك، وإن نشده القائمون على هذه الفضائية أو تلك، إنما هناك نسبة من الضد أو الميل إلى هذه الجهة أو تلك، ويبقى المورد المالي هو اللاعب الأساس في الأمر.

فضائيات عربية بالمئات يبث بعضها الكراهية والجهل بين الناس فضائيات عربية بالمئات يبث بعضها الكراهية والجهل بين الناس

فضائيات عربية بالمئات يبث بعضها الكراهية والجهل بين الناس

لا تحتاج الفضائية اليوم إلى أكثر من غرفة وستلايت، ومذيع وكاميرا، ورابط بالقمر، مع أن استخدامه يكلف مالاً بالساعات. والأقمار الباثة على ما أعلم ثلاثة. هناك حرية معروفة بالبلدان الغربية، وأحياناً مقصودة، لاستضافة فضائيات ينطبق عليها اسم الدّكان، منها التي تعالج المسحورين، وتطرد الجن، وتداوي الأمراض العصبية النفسية والأمراض العصية، وتقدم الدِّين عبر دروس شعوذة لا فقه، ومثلها لها جمهورها أيضاً، لأنها تصل إلى كلِّ بيت في المعمورة، ببثها عبر القمر الصناعي، وكم تكون المفارقة كبيرة بين تردي وتخلف ما يبث وتقدم وتطور الوسيلة التي يبث منها من جهة، وبين العقل المبثوث والعقل المخترع للآلات والأدوات المستغلة لهدم العقل من جهة أخرى.

نوع آخر مِن الفضائيات، وتلك الأكثر خطراً، فالشَّعوذة وإن كانت تهدم العقل لكنها لا تميز بين مذهب وآخر أو عِرق وآخر، ولا تدفع إلى الكراهية وسفح الدِّماء، فليس في برامجها اختلاق معارك بين الأولين كي يبتلي بها المتأخرون.

نجد الفضائيات التي ترتكب منها فاحشة الطَّائفية تتكاثر، وربَّما تقدر بنصف العدد الإجمالي للفضائيات العربية.

تبدأ الطَّائفية فيها مِن الاسم إلى تمثيل القضية وكأنها وقت الساعة، ولم يمض عليها ألف عام ويزيد، مع اختيار المذيعين والخطباء اللبقين والمؤثرين، والقادرين على ملء الأدمغة بالبغضاء.

عدد من هذه الفضائيات يتخذ مِن العواصم الأوروبية مقرات له، يعيش صاحبها والمشرف عليها بأمان ويتنعم بالحرية، التي يوظفها في صناعة الشَّرِّ. هذا الطَّائفي الذي كان ينشر سمومه عبر خطبة أو تجمع محصور بمائة أو يزيد مِن الأتباع والمستمعين حول منبره، أخذ يبثها الآن عبر الفضاء على الملايين! ولمحمد صالح بحر العلوم (ت 1992): "بعض العقائد وهي غاز قاتل/في نشرها تتسمم الأجواء"

(الخاقاني، شعراء الغري). يقصد عقائد الطَّائفيين الطارئين على الدِّين، وينبطق القول على ما يجري اليوم أكثر من الزمن الذي قيلت فيه قصيدة "الطائفية" 1934.

نعم إنها مفارقة كبرى بين نتائج علم الفضاء، واستغلاله لهدم العقل والشَّحناء بين النَّاس.


اشترك في النقاش