سيناء.. الرمال متحركة

سيناء..معركة الإخوان القادمة؟ سيناء..معركة الإخوان القادمة؟

سيناء..معركة الإخوان القادمة؟

لم يكن الهجوم الإرهابي الأخير على القوات المسلحة المصريّة أمرًا مفاجئاً لمتابعي الملف الأمني المصري، فالمصريون أجّلوا الملف الأمني منشغلين بالخلافات الدّاخلية، في وقت تتشقق فيه الأرض الصلبة وتتداعى، بفعل الهزّات السياسية، وتداخل الوطني بالإيديولوجي، بالإضافة إلى الاختراقات الإسرائيلية والفلسطينية للداخل المصري.

في أغسطس (آب) من العام 2011 دخلت خلية مسلحة (قيل إنها فلسطينية) إلى إسرائيل عبر سيناء، ونفّذت هجوماً في جنوبي إسرائيل بالقرب من إيلات (التليغراف، 18 أغسطس 2011)، وفي أثناء ملاحقة منفذي الهجوم تورّطت إسرائيل في مقتل خمسة رجال أمن مصريين، مما سبب أزمة بين الدولتين، والجدير بالذكر أنّ إسرائيل ركّزت في ردها على لجان المقاومة الشعبية الفلسطينية.

لم يكن الحادث إلا بداية ما كان يظهر في مخاوف رجال الأمن، فالثابت أن هروب من 200 إلى 300 من الإرهابيين من السجون المصريّة في أيام الانفلات الأمني بعد 25 يناير(كانون الثاني) 2011، أدَّى حسب الباحث "روبن سيموكس" إلى نشوء لبنة داعمة لتنظيم القاعدة في شبه جزيرة سيناء، مستشهدًا بمنشور وزِّع باسم "بيان من تنظيم القاعدة في شبه جزيرة سيناء"، دعا إلى تشكيل إمارة إسلامية، وقتال إسرائيل، وتبنّى تفجير خط الغاز المصدّر إلى إسرائيل والأردن وسوريا، ولقي إشادة من أيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة، فهل تحوّلت سيناء إلى "إمارة إسلاميّة" ولماذا؟

شعب سيناء من البدو، لاعب رئيس في كل المعطيات الجديدة، فتهريب الأسلحة والمخدرات والبشر (من الجنسين) إلى داخل إسرائيل، والتعاون مع تنظيم القاعدة، يحفِّزه الفقر وإحساس الظلم المتنامي لدى البدو، لذلك فإن الخطاب الإرهابي الموجود، يدمج بين الطموحات الجهادية ومظالم البدو، ويبني عليه، كما يبني على ذلك أيضًا تجار الأنفاق، والعديد من النشاطات التي تحوّلت إلى مجرّد أنشطة تجارية، بعيدًا مسميات القضية "الفلسطينة".

يقول الدكتور إيلي كارمون (خبير بمعهد هرتسليا لشؤون مكافحة الإرهاب بإسرائيل) "إنَّ بعض القراءات ترى أن تفجيرات الأنابيب المصدّرة للغاز (15 تفجيرًا) لا تنحصر الاتهامات فيها على القاعدة، بل تمتد أيادي الاتهام إلى حزب الله وإيران"، أيًا كان المتورّط في التفجيرات، ومحاولات تحويل سيناء إلى "منطقة فاشلة أمنيًا" وخارجة عن السيطرة، فإنه يستخدم ويستغل التعقيدات الفنيّة في اتفاقية كامب ديفيد، والحالة الأمنيّة الهشّة في شبه جزيرة سيناء، والمظلوميّة الحقيقية لبدو سيناء، وكلّها أمور يمكن حلها لو وجدت إرادة إنقاذ السلام أذنًا سامعة.

يرصد المنتقدون للرئيس المصري محمد مرسي، تصريحات كثيرة نُسبت إليه، تفيد بأنّه لم يرد على أي اتصال إسرائيلي - أيًا كانت أهميته -، وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي حاول الاتصال به، ومن حق من ينتقده أن يتساءل عن أهميّة المعلومات التي كان بإمكانها إنقاذ الجنود المصريين، يحاول المتشائمون قياس ذلك من باب المسؤولية الدستورية، هل يجوز للرئيس الرد بسلبية على الخطوات الإيجابية التي يبذلها الآخرون، وهل له الحق في قطع العلاقات الضرورية مع بعض الدول، استجابة لإملاءات إيديولوجية، وتغاضيًا عن الواقع على الأرض ومصلحة مصر العليا.

يبدو أن موجات الغضب المتصاعدة، على الرئيس المصري الجديد، تأججت تبعد تغيّبه عن تشييع الشّهداء لدواعٍ أمينّة، وكان يُشار إلى أن خروج الرئيس في جمعة القسم "الرمزي" من دون درع واق من الرصاص، قد ساهم في رفع شعبيته وبيان اقترابه من الشعب، إلا أنّ التصرّف الأخير، سجّل أن الأشياء ليست بالسهولة التي كانت تبدو عليها، وأنّه يحتاج لإجراءات أمنيّة يُجبر عليها الرئيس.

مؤيدو الرئيس المصري، أعلنوا على لسان محمود غزلان "إن هناك أياد خبيثة تعبث بأمن مصر" وهي "ذات رغبة مشبوهة لخلق مشكلات للرئيس مرسي في الداخل والخارج"، فلخّصوا الهجوم على "مصر" بأنه استهداف لبرنامج رئيسهم! وقال مرشد الإخوان "إن الهجمات يمكن أن تنسب إلى الموساد"، ودعا إلى مراجعة اتفاقيّة كامب ديفيد، وهي تصريحات قريبة لدعاوى الدولة العميقة، ونظرية المؤامرة.

الشعب المصري يشيع قتلاه ضحايا الاعتداء الارهابي في سيناء الشعب المصري يشيع قتلاه ضحايا الاعتداء الارهابي في سيناء

الشعب المصري يشيع قتلاه ضحايا الاعتداء الارهابي في سيناء

ارتباط حكّام غزة "حماس" وحكام مصر في الإيديولوجية المشتركة، ربما يفسِّر ما سرّبته الواشنطن بوست من أنّ "الرئيس مرسي طلب من قيادات حماس المساعدة"، وفي جانب آخر يطرح سؤالاً حول جدّية التحقيقات وإمكانية تعليق اللوم على "حماس"، لسماحها بتسلل الإرهابيين، الذين نفذوا العمليّة.

بدا واضحًا، أنّ المعلومات حول العملية كانت موجودة لدى أكثر من جهة، ولكن عدم التنسيق، وربما اختلاط المصالح الوطنية والإيديولوجية، وضبابية الموقف، حال دون إيقاف هجومٍ كان من الممكن إيقافه، وتجنِّيب مصر الخسارة المعنويّة والمادية.

الهجوم له، قراءة اقتصادية، وسياسية، وأمنية، وقانونية، فقد ضربَ السِّياحة المصريّة "حسب وزير السياحة المصري هشام زعزوع" بخاصة وأنه يأتي بعد حادثي "دهشور" و"أبراج النيل"، كما إنه يهز أمان المصالح الاقتصادية لمصر وهو ما أغرى دولاً كانت تستورد الغاز المصري ودفعها للبحث عن بدائل آمنة (مثل الأردن)، أما الإشكاليّة القانونية فإنّ عدم قدرة مصر على تأمين المعابر قد يحدث ثغرات قانونية حقيقية تمكّن جهات غير مصرية من فرض سيطرتها على شبه الجزيرة في حال ثبات عجز القوات المصرية (وهو ما استغلته إسرائيل في احتلالها القديم للجزيرة).

السؤال العريض الآن، حول استراتيجية مكافحة الإرهاب المصريّة، يتلخص في مدى إيمان القيادة المصرية الجديدة، بمكافحة الإرهاب، والأسئلة هذه المرة لا تثيرها قائمة العفو التي يستصدرها الرئيس، ولا محاولة إفراجه عن إرهابيين، ولكن تصدرها مصلحة مصر العليا، فإلى أي حد الرئيس جاهز لاتخاذ إجراءات ضد الإرهابيين، حتى لو شاركوه الإيديولوجية.


اشترك في النقاش