• العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari
مجتمع

أين ينتهي الكابوس ومتى يبدأ الحلم؟

معمر القذافي
معمر القذافي
معمر القذافي

بعد خمسة أسابيع، سيكون قد مضى على مقتل العقيد القذافي، عام كامل. عام كامل يسرح فيه الليبيون ويمرحون غير مصدقين ما حدث لأحلامهم من دون أوامر القذافي أو توجيهاته أو قراراته المزاجية. عشرة شهور من دون الرجل الذي عرفوه لأكثر من أربعة عقود.

نظرة شاملة على ما جرى ويجري في ليبيا، منذ أن اجتاحها «ربيع العرب». فهل استطاع الليبيون أن يضمدوا جراحهم، ويضعوا بلدهم على «السكة» التي كان خارجها أكثر من أربعة عقود متواصلة، أم أن هذه السكة غير قادرة على حمل بلد أهلكته الحرب، وقيده مسلحون معربدون، ويفتك به «تناطح قبلي»، يذكرنا بحكاية «الجمهورية الطرابلسية»، وما جرى قبلها وأثناءها وبعدها؟!
للخوض في هذا الموضوع كان لا بد من إشراك بعض المسؤولين الليبيين أنفسهم، ومواطنين ليبيين عاديين، لأنهم أدرى بشعاب ليبيا ومدنها ووديانها. كما كان من البديهي بل من الضروري استطلاع رأي بعض الكتاب والصحافيين العرب، في محاولة لتوضيح المشهد الليبي.

لقد دفع الليبيون ثمنا باهظا من أجل التخلص من نظام القذافي.. من نظام أحال ليبيا إلى قلعة عسكرية معزولة عن العالم تحولت سراديبها ودهاليزها إلى سجون وساحاتها إلى مواقع نصبت فيها علنا أعواد المشانق في بث تلفزيوني حي.
ليبيا الحرة الجديدة مازالت في طور الحبو ومازالت تتعلم – بصعوبة شديدة – أبجدية الحرية غير المألوفة لديها ومازالت في حاجة ماسة إلى مساعدة دول العالم الأخرى، لكي تتمكن من تعلم المشي والكلام في واقع محلي ودولي ظلت بعيدة عنه قسرا لعقود أربعة متواصلة.

كوابيس

المشهد السياسي الليبي الجديد لم تتضح تفاصيله بعد، إلا أن المؤشرات الأولية التي كشفت عنها انتخابات المؤتمر الوطني العام في 7 يوليو (تموز) الماضي، تؤكد أن الشعب الليبي الذي فاجأ العالم بانتفاضته وثورته وتضحياته وشجاعته مازال قادرا على مفاجأة دول العالم وشعوبه.
والحقيقة التي لا تقبل جدلا، هي أن ليبيا الجديدة مازالت رغم كل ما حققته، لم تتخلص بعد من كوابيس عديدة تقض مضجعها وقد تهدد مستقبلها كدولة واعدة قادرة على أن تلعب دورا ايجابيا في محيطها العربي والأفريقي، أهمها وأخطرها انتشار الميليشيات المسلحة الخارجة عن سيطرة الدولة وأي دولة.. الواقع أنه ليست هناك دولة.
غياب القذافي مع أولاده عن الساحة، لا يعني أن الطريق نحو تحويل الحلم إلى واقع معيش قد صار ممكنا على الليبيين، فأنصاره مازالوا مسلحين بالسلاح والمال، كامنين في ليبيا وخارجها يتحينون الفرص للايقاع بالدولة الوليدة يشجعهم ويحفزهم في ذلك ما كشف عنه حال المجلس الوطني الانتقالي من ضعف وعدم دراية وافتقاد للخبرة السياسية، وما صارت إليه حكومة عبد الرحيم الكيب من عجز وشلل في تحويل قرارتها إلى واقع معيش.

المجلس الوطني الانتقالي الذي دفعت به الأحداث إلى خشبة المسرح الليبي، كان رداً سريعا وذكيا سياسيا وايجابيا أفرزه واقع الانتفاضة المفاجأة إذ تحول إلى كيان سياسي التف حول أنصار الثورة ومنحوه القوة والشرعية اللازمتين لوجوده، وصار لسان حال الثورة يتحدث ويفاوض باسمها ويقودها في طريق التحرير حتى تحررت البلاد، وسانده في ذلك مجلس تنفيذي (حكومة) ترأسها رجل محنك استطاعت في غضون أشهر قليلة أن تنجح في تكوين رأي عام دولي، قدم لها التأييد والدعم السياسي والعسكري.
العلاقة بين المجلس الوطني الانتقالي الذي يقوده المستشار مصطفى عبد الجليل والمكتب التنفيذي برئاسة الدكتور محمود جبريل اتسمت في البداية بالتكامل بين الكيان التشريعي والتنفيذي، ربما بسبب شدة حرارة الظروف السياسية والعسكرية آنذاك، ثم سرعان ما بدأت تتدهور حتى وصلت مرحلة التنافر، وانتهت بخروج جبريل وحل الحكومة وإحلال أخرى محلها. الأسباب عديدة وراء ذلك لكن أهمها هو أن المجلس الوطني الانتقالي كان في معظم الأحيان يتجاوز مهامه التشريعية بإصدار قرارات تعد من اختصاصات الحكومة. وقد يقال إن الأمور هذه كانت في بدايتها نتيجة فقدان رئيس المجلس الوطني الانتقالي للخبرة الإدارية والسياسية اللازمة، لكن في مرحلة متقدمة صار التجاوز مقصودا ومتعمدا، ويهدف إلى تقليص صلاحيات رئيس المجلس التنفيذي بالاعتداء عليها، وأيضا في محاولة لوقف ازدياد شعبيته. والحقيقة أن طيبة وتسامح رئيس المجلس الوطني الانتقالي وفقدانه للخبرة، فتحت الباب أمام العديد من الانتهازيين للتسلل إليه والتأثير فيه بحجج عديدة.

حكومة الدكتور عبد الرحيم الكيب، رغم حصولها على دعم رئيس وأعضاء المجلس الوطني الانتقالي ولدت ميتة، ذلك ان الكيب لم يكن معروفا على الساحة السياسية المناهضة لنظام القذافي ولم يعرف عنه اشتغاله بالسياسة، وكل ما عرف عنه أنه كان يعيش في المهجر منذ عقود طويلة، ويعمل أستاذا في احدى الجامعات الاميركية متخصصا في الهندسة الكهربائية، ثم تحول إلى العمل في شركات دول الخليج. باقي أعضاء الوزارة الكثيرو العدد هم من نفس الشاكلة، وسميت الحكومة بحكومة التكنوقراط، وبدأت في ممارسة أعمالها وكشفت منذ أيامها الأول في الحكم عن أنها مثل «الأطرش في زفة» واقع كان في أشد الحاجة لخبرة سياسيين محنكين على علاقة وثيقة بواقعهم وأناسه ونفسياتهم واشكالياتهم، وليس في حاجة لأصحاب لحي محفوفة بالمسطرة والفرجار ولحاملي شهادات دكتوراه في مختلف التخصصات، عاشوا بعيدا في المنافي وافتقدوا الخبرة بمعرفة الواقع الليبي أو التعامل مع مكوناته المختلفة.
كانت قرارات هذه الحكومة مجرد حبر على ورق، وظل المستشار عبد الجليل يمسك بين يديه زمام الأمور في أروقة الحكم، وفي الشارع ظل قادة الميليشيات المسلحة أصحاب الكلمة الأولى والأخيرة، وكان أفراد الشعب الليبي وأعضاء المجلس الانتقالي وأعضاء الحكومة على علم ودراية بذلك، ولم يكن بيد أحد منهم القدرة على تغيير الأمور.

المؤتمر الوطني العام الذي انتخب أعضاؤه شعبيا، قدّم فرصة تاريخية للشعب الليبي لتصحيح الأمور وللتخلص من المجلس الوطني الانتقالي وحكومته العرجاء.
هذه أولى الايجابيات التي عرفتها ليبيا عقب عام من قتل القذافي.

إشكالية المدينة – الدولة

يحق للبعض أن يسميها «دولة داخل دولة» لكن تعبير المدينة – الدولة ليس جديدا ويعود لأيام الإغريق حيث انتشرت المدن – الدول، أما في ليبيا فالحالة جديدة ومثيرة للاهتمام، وتتسم أيضا بالخطورة، وبدأت هذه الظاهرة عقب سقوط النظام ومقتل القذافي وأول ما ظهرت في مدينة مصراته، ثم سرعان ما انتقلت للزنتان وبنغازي وغيرها، خاصة بعد انتخاب المجالس المحلية بهذه المدن، التي صارت تتعامل وكأنها حكومة محلية مكتسبة للشرعية، لها كتائبها المسلحة وسجونها الخاصة ومخابراتها وعلاقتها بالحكومة المركزية في طرابلس لا تتجاوز الشكلانية، ذلك أن الحكومات المحلية التي تشكلت في المدن المذكورة لا تهتم بالحكومة المركزية ولا بقراراتها، ولا تريد منها سوى تزويدها بالأموال وعلى سبيل المثال فشلت الحكومة المركزية حتى الآن في اقناع مدينة مصراتة بتسليم المعتقلين المحتجزين في سجونها إلى السلطة المركزية، خاصة بعد التقارير العديدة التي نشرتها المنظمات الدولية المهتمة بحقوق الانسان، كما فشلت الحكومة في اقناع مدينة الزنتان بتسليم نجل القذافي سيف المسجون لديها رغم أن الحكومة المركزية بنت سجنا خاصا له في طرابلس، وزودته بكافة أنواع التسهيلات، ووفرت له الحماية القوية.

قبائل ومشردون

هناك مناطق في الجنوب الليبي مثل غات، زوية، أم الأرانب، مرزق، القطرون، الكفرة، وبسة، بها كثير من الأغراب. وبحكم انحلال الدولة الليبية، فإن هؤلاء الأقوام وجدوا فرصتهم للقدوم والعيش في ليبيا، نظرا لتوفر الرزق.
ففي سبها كانت حصيلة الاقتتال التي جرى بين قبائل التبو وأولاد سليمان في أبريل (نيسان) الماضي أكثر من147 قتيلاً، فيما كان عدد الجرحى يقترب من 400 شخص.
وتحدث بين الفينة والأخرى معارك في الكفرة بين قبيلة زوية والتبو الموجودين هناك، وتستخدم في هذه الاشتباكات أسلحة ثقيلة ومدافع الهاون والآر بي جي. لكن هذا الصراع بين هذه القبائل ليس جديدا، فقد كانت هناك توترات ومعارك حتى قبل انتفاضة 17 فبراير، إلا أن فتيلها تصاعد بعد سقوط النظام. وفي فبراير الماضي سقط أكثر من 100 قتيل في اقتتال دار بين القبائل المذكورة.
كما أن هناك توترات مستمرة بين قبائل الزنتان والمشاشية. ففي يونيو (حزيران) الماضي سقط من كلا الجانبين105 اشخاص وجرح 500 شخص آخر في مواجهات دامية. وهناك نزاعات بين زوارة ورقدالين.

هناك ايضا اشكالية المشردين من سكان مدينة تاورغاء شرق مصراته، حيث قامت الميليشيات المصراتيه بطرد سكان تاورغاء عن مدينتهم ورفضت السماح لهم بالعودة مما اضطر المجلس الانتقالي والحكومة الانتقالية إلى توزيع سكان المدينة الذين يتجاوزون الـ40 ألف نسمة في مناطق عديدة في شرق البلاد وغربها، بعد أن جهزت لهم مخيمات مؤقتة، كما أم هناك أكثر من 2000 شخص من هؤلاء سُكنوا في الأكاديمية البحرية العسكرية في طرابلس، ورفضت مصراته توسلات رئيس المجلس الانتقالي وتوسلات الحكومة والمنظمات الأهلية والدولية بعودة هؤلاء المهجّرين إلى بلدتهم كنتيجة للجرائم التي ارتكبوها في حق مصراته وأهلها، وكذلك فعلت قبائل الزنتان مع قبائل المشاشية، إذ رفضوا رجوعهم إلى ديارهم لأنهم وقفوا مع القذافي.

هذه الاشكالية تعد واحدة من أكبر النتائج السلبية لثورة 17 فبراير بعد عام من مقتل القذافي.

حدود مستباحة

لم تعرف حدود ليبيا مع جيرانها استباحة أكثر مما عرفته خلال السنة الأخيرة، حيث صارت الحدود مرتعا خصبا مفتوحا أمام المجرمين والمهربين سواء للسلع أو للسلاح أو للمخدرات من مختلف الدول المجاورة، وكذلك أمام المنظمات الارهابية التي استغلت الوضع وصارت تتجاسر بالدخول للاراضي الليبية من أجل الحصول على السلاح وتهريبه، من أجل تحقيق أجندتها الخاصة بها وهي كثيرة، وقد أثار الأمر قلق الدول المجاورة التي بدأت تشهد تصاعدا لانتشار تهريب المخدرات والاسلحة إليها من ليبيا، وما حدث في شمال مالي من أحداث أدت إلى وصول مجموعات دينية متطرفة إلى السيطرة على جزء كبير من أراضي مالي، مما شكل تهديدا خطيرا لأمن واستقرار الدول المجاورة وخاصة الجزائر.
والحقيقة أن حكومة الكيب في طرابلس ابدت بوضوح عجزا في التعامل مع هذه القضية الخطيرة، رغم استغاثات الدول المجاورة والمجتمع الدولي، لأنها عاجزة عن السيطرة حتى على العاصمة طرابلس، لعدم تمكنها من بناء جيش وطني، أو لعدم رغبتها في بناء جيش وطني، كما يقول البعض.

الفشل في حماية الحدود دفع البعض من أركان ورجالات النظام السابق، إلى القيام بعمليات تهريب ضخمة للاموال الليبية، الأمر الذي دفع بحسن زقلام وزير المالية، إلى التنبيه إلى خطورة الوضع، حيث قال إن أموال ليبيا تهرّب عبر الحدود بشكل يومي وبكميات كبيرة.
وهذه ثاني أخطر السلبيات التي تعاني منها ليبيا بعد عام من موت القذافي.

التدخلات الخارجية

أخطر هذ التدخلات الخارجية كانت عربية حيث ومنذ البداية لثورة 17 فبراير، تم تقديم دعم سياسي وعسكري ومالي، وساهم “هذا الدعم العربي السخي” بشكل كبير في القضاء على القذافي ونظامه، إلا أنه تبين بعد القضاء على القذافي أن هذا الدعم لم يكن لأجل عيون الليبيين، بل لتحقيق أجندة محددة داخل ليبيا، أهمها أن هذا “المحسن العربي” كان يريد ان يكون لاعبا مهما وفعالا في الساحة السياسية الليبية، وتمكن من استقطاب بعض قادة الجماعات الاسلامية في ليبيا إليها، وامدهم بالأموال والأسلحة والدعم السياسي، في محاولة لتمكينهم من الامساك بزمام الأمور في ليبيا، عبر حصد نتائج انتخابات المؤتمر الوطني العام، إلا ان هذه السياسة أتت بنتائج عكسية، إذ انتبه الناخب الليبي لهذا الدور وحرم الأحزاب الدينية المدعومة من الخارج من صوته الانتخابي، لأنه أحس بما يعد له من أجندة سياسية ذات تأثير مباشر على حياته اليومية وعلى سيادة بلاده.
لذلك يمكن لنا القول إن ما تحقق في الانتخابات وما كشف عنه الناخب الليبي من وعي وادراك، يعد ايجابية تحسب للمواطن الليبي ولمستقبله.

انتشار السلاح

نجاح الانتفاضة في التخلص من نظام القذافي، لم يقف حاجزا دون انتشار الملايين من قطع السلاح بمختلف أنواعه في كل مدينة وقرية، ممثلا في انتشار المجموعات المسلحة، وخاصة في مدينة طرابلس العاصمة، حيث تحولت أغلب هذه المجموعات إلى عصابات مسلحة لا هم لها إلا إرهاب الناس وتخويفهم وابتزازهم، والحصول على الأموال دون رادع.
ويقال إن تنظيم كل ثوار ليبيا، قدم في بداية اسقاط نظام القذافي مقترحا بجمع السلاح من الاهالي، سمي باسم (شراء أمننا) يقوم على دفع مبالغ مالية من جانب الحكومة لكل من يقوم بتسليم قطعة سلاح، إلا أن الحكومة والمجلس الانتقالي رفضا المقترح دون تقديم الاسباب.
وهذه ثالث أكبر السلبيات ومن أشدها خطرا على ليبيا، وعلى اي حكومة مستقبلية أن تتعامل مع هذه المسألة في غاية الجدية، عبر العمل على تشكيل جيش وطني قوي وأجهزة أمنية قوية مؤهلة، يمكنها التعامل مع هذه المجموعات وارغامها على تسليم سلاحها.

الفيدراليون

الفيدرالية ليست غريبة على ليبيا، لأن النظام الملكي الذي قام عقب اعلان الاستقلال كان فيدراليا، واستمر كذلك من ديسمبر (كانون الأول) عام 1951 وحتى أبريل (نيسان) عام 1963، إلا أن قادة الفيدرالية الجدد الذين ظهروا على ساحة الأحداث في ليبيا عقب الانتفاضة، وخاصة بعد مقتل القذافي، كانوا إلى حد ما مدفوعين بدوافع شخصية انانية، لعدم تمكنهم من الحصول على مناصب في الدولة الجديدة وتهميشهم، وقد حاول هؤلاء القادة خلق نوع من البلبلة السياسية في اذهان المواطنين العاديين، وخاصة من سكان برقة بإيهامهم أن الفيدرلية هي الحل الأمثل للتخلص من النظام المركزي، الذي عرفه الشعب الليبي خلال مرحلة القذافي، وسبب التهميش لكل مناطق ليبيا وخاصة في الشرق والجنوب، وقد حاول قادة هذا الفصيل الالتجاء إلى استخدام القوة، مطالبين بمنح إقليم برقة عددا مساويا لطرابلس في مقاعد المجلس الوطني الانتقالي المائتين، إلا أن طلبه جوبه بالرفض من قبل المجلس الوطني الانتقالي، على اعتبار أن المقاعد الممنوحة لإقليم طرابلس كانت مماثلة للكثافة السكانية بالإقليم، وحاول بعض قادة الفيدراليين العمل على افشال الانتخابات التي تمت مؤخرا، ونجحوا في مهاجمة بعض مراكز الاقتراع في بنغازي، إلا أنهم فشلوا في تحقيق مآربهم، وخرج البرقاويون يوم الانتخابات وأدلوا بأصواتهم بشكل غير عادي، فيما يشبه الرد على الفيدراليين وأجندتهم.

المرأة الليبية

حرصت المرأة الليبية على المشاركة في انتخابات المؤتمر الوطني العام، وكانت طوابير النسوة في مراكز الاقتراع المختلفة، دليلا على تطور وعي المرأة الليبية وحرصها على المشاركة في العملية السياسية الجديدة، بل وشاركت فيها بترشيح نفسها في عدد من الدوائر، إذ بلغ عدد المشاركات 500 مرشحة. وفي هذا السياق من المهم لنا الاشارة إلى ان انتخابات المجلس المحلي في مدينة بنغازي، التي تمت قبل وقت قصير من انتخابات المؤتمر الوطني العام، شهدت ظاهرة لافتة للنظر إذ حازت الدكتورة نجاة الكيخيا أكبر عدد من اصوات الناخبين في تلك الانتخابات، الأمر الذي يشير إلى تطور وعي الناخب الليبي، إلا أن هذا النجاح لم يقابله نجاح مماثل للمترشحات في انتخابات المجلس الوطني العام، لكن مع ذلك يمكننا القول وبثقة، إن المرأة الليبية لعبت دورا حاسما في نجاح تحالف القوى الوطنية في الفوز بنصيب الأسد من مقاعد المؤتمر الوطني العام. ويرى محللون أن مبعث ذلك هو خوف المرأة من فقدان ما نالته من حقوق وما حققته من مكاسب طوال السنوات الماضية، في حالة وصول الاسلاميين إلى السلطة. والحقيقة أن الاسلاميين فشلوا في حملاتهم الانتخابية في تطمين المرأة الليبية، والتأكيد على استمرارها في التمتع بحقوقها، كما أن الكثير من الافعال التي قام بها أعضاء في هذه الجماعات ضد المرأة خلال مرحلة اسقاط النظام في الكثير من المدن، سبب هلعا وخوفا للمرأة الليبية من وصول هذه الجماعات للسلطة، بما تمثله من أجندة مضادة لحقوق المرأة الليبية ومكتسباتها.

كيف يقرأ بعض المسؤولين المشهد الليبي بعد حوالي سنة من تغييب القذافي؟

محمد صوان رئيس حزب العدالة والبناء:

الجراح عميقة.. لكن الشعب الليبي خرج من عنق الزجاجة

محمد صوان
محمد صوان

الحقيقة أن ما حدث بعد القذافي لا يمكن أن يتكلم الإنسان فيه بما يكفيه. الحدث كبير على كل المستويات. ليبيا كانت في حال وأصبحت الآن في حال آخر. نحن الآن بعد حوالي سنة من انتهاء نظام القذافي، بدأت العملية السياسية، وبدأت تتشكل الأحزاب، وبدأت تظهر الخارطة السياسية في ليبيا، ونتطلع الآن إلى تشكيل حكومة، ووجود أول مجلس وطني منتخب شرعي نعول عليه كثيرا في إحداث الاستقرار والانتقال من حالة الثورة، والحرب والسلاح إلى حالة الدولة. ليبيا فيها مشاكل كثيرة، نتيجة للحرب.. هناك مشاكل على المستوى الاجتماعي، على مستوى انتشار السلاح، ما يتعلق بالمصالحة الوطنية وبعض بؤر التوتر ما يتعلق ببعض الخلافات الجهوية والقبلية التي ربما كانت كامنة وظاهرة. والآن أول خطوة نعتبرها وهي انتخاب رئيس يكون شرعيا. نأمل كثيرا في أن ليبيا كما انجزت أعظم ثورة، واقتلعت رأس النظام وجذوره.. نعم الجراح عميقة.. نعم الآلام كبيرة، لكن هذه الحرب الطاحنة، وهذا الاستئصال الجذري، نأمل أن تكون ثورة الشعب الليبي من أنجح الثورات في تحقيق اهدافها إذا ما تمكننا، إن شاء الله، من التنفيذ الصحيح لمرحلة بناء الدولة التي بدأت بوادره الآن في الحراك السياسي ونجاح الانتخابات.

الشعب الليبي أظهر تجانسا كبيرا، والظروف الموضوعية على الأرض، تقول إن هناك انتهاكات كبيرة تحدث، وهناك مشاكل سوف تأتي على البلد، لكن أثبت الشعب الليبي على الرغم من ضعف الحكومة، وضغف الأداء، وعدم وجود السيطرة الأمنية الكافية، أثبت أنه أكبر من كل المشاكل والخلافات، وحتى بعض الاحتكاكات التي تحدث، سرعان ما يتمكن المجتمع ممثلا في القبائل والرموز الاجتماعية ومؤسسات المجتمع من أن يحتوي هذه المشاكل. وهذا ما يدعونا لأن نؤسس هذا التفاؤل على نظرة علمية قائمة، ونقول إن الشعب الليبي، إن شاء الله، قد خرج من عنق الزجاجة بإجراء هذه الانتخابات. أما من الجانب الثاني، فإن وضع ليبيا يدعو إلى التفاؤل. ليبيا الحقيقة ليس بها بترول فقط، ليبيا فيها طاقات كبيرة جدا. أول هذه الطاقات هو البشر، فالإنسان الليبي إنسان ذكي ومعطاء، مخلص لهويته ووطنه، وبالإضافة إلى البترول، الذي يعتبر هو الأساس للدفع بعملية النهضة السريعة، لكن لدينا شاطئ طوله ألفا كيلو متر نتطلع أن يكون مساهما في الاقتصاد البديل، لدينا صحراء شاسعة فيها ثروات كالحديد والغاز ومخزن للطاقة الشمسية، لدينا مدن سياحية كاملة، ونتطلع أن العالم يرى ليبيا وتاريخها وثقافتها من خلال تشجيع هذا المجال. ليبيا تعتبر حلقة ربط بين أوروبا وأفريقيا عبر التاريخ من خلال موقعها الاستراتيجي. لذا فنحن نتطلع أن ينظر في هذه الجوانب. ولدينا نحن في حزب العدالة والبناء بعض الدراسات الأولية التي نريد أن نطورها ونستفيد من هذه المجالات ونقدمها لشعبنا الليبي.

الكاتب والمحلل السياسي محمدعبدالمطلب الهوني:

25 مليون قطعة سلاح.. ومنابع النفط في أيدي أجانب

الثورة مثل طائر يطير بجناحيه، جناح العنف من أجل اسقاط النظام. وجناح رومانسي يحلم بالقادم الجميل. عندما يتخلص الشعب أو الثائرون من الحاكم، يسقط الجناح الرومانسي الجميل، ويبقى الجناح العنفوي الباطش. وهذا يحدث في كل الثورات، وليس مقتصرا على ثورة بعينها. الآن في ليبيا افتقدت الرومانسية، وبقي العنف. ما الاشكالية إذا؟ الاشكالية أن ليبيا حكمت من قبل القذافي كجهاز مافيوي. وعندما سقط رئيس المافيا وقتل، سقطت الدولة التي كان يحكمها بالكامل. ماذا حصل؟ حصلت كارثة كبرى في ليبيا. وهو أن أنصار القذافي، أو حتى هؤلاء الذين لم يشتركوا في الثورة، والمجرمين الذين أخرجوا أو خرجوا من السجون، سطوا على السلاح الكثيف، لأنه لمن لا يعلم أن في ليبيا 25 مليون قطعة سلاح. فأصبح الثوار الذين ناضلوا من أجل الإطاحة بالقذافي، أقلية لا معنى لها، وسيطر على ليبيا مجموعة مكونة من خليط عجيب وغريب، لا تهدف سوى إلى الابتزاز، وقتل الناس واختطافهم، وتصفية حسابات شخصية، وترك البلد بلا دولة. لأن ليبيا من دون دولة ستكون من مصلحة المافيات، وأصبحت هذه المجموعات تأكل من سلاحها. الإشكالية الآن أن معمر القذافي ترك ألغاما لم تفكك. ترك عداوات قبلية، ترك أناسا مغبونين حقوقهم تنتهك، ترك أناسا مظلومين يعذبون في السجون. هذه وغيرها ألغام موجودة على الأرض. ولكن أخطر ما ترك هو عدد الشباب العاطل، الذي هو مخزون حقيقي لأي إرهابي أو قاتل.

محمد عبد المطلب الهوني
محمد عبد المطلب الهوني

الانتخابات التي جرت يوم 7 يوليو (تموز) الماضي، يقولون إنه من نتيجتها انتخاب مجلس وطني يدير شؤون البلاد. إن قلبي مع هؤلاء الذين سيكونون في هذا المجلس أو الجمعية. ولكن عقلي ليس معهم، لأني أعتقد أن هذا المجلس، لن يكون أفضل حالا من المجلس الانتقالي الحالي، باعتبار أن قراراته لن تخرج من باب المجلس أو سمه البرلمان. لأنه يفتقد قوة الدولة في ما يخص تنفيذ القرارات وفرض الأمن. ما معنى ذلك؟ معنى ذلك وأرجع هنا إلى تحليلي القديم، وهو أن ليبيا اليوم غير قادرة على تأسيس الدولة بدون معونة خارجية. نزع السلاح، تأسيس جيش وطني، وأمن وطني، ومؤسسات وطنية، لأن هناك شيئا مهما جدا، لا يفهمه كثير من العرب وبالأخص الليبيين، وهو أن الدولة ذلك المخلوق الوحيد الذي يولد بأنياب وأظافر: أي بجيش وأمن. فمادامت الدولة ليست موجودة، يظل الأمر شبيها بغابة. ولذلك نحن الآن في اشكالية في الجنوب الليبي. ولمن لا يعلم هذه الحقيقة فإن الجنوب الليبي محتل من شعوب أخرى غير ليبية، فمناطق غات، مرزق، أم الأرانب، زوية، بسة، القطرون والكفرة، هذه كلها محتلة من جماعات التبو غير الليبية.

منطقة أوباري مهددة، لأنه إذا استنكف الطوارق غير الليبيين نتيجة القتال الدائر في مالي والمشاكل في شمال النيجر والجنوب الجزائري، فسوف يأتون إلى وادي الآجال. فشتان بين الجلوس في طرابلس على كرسي الحكم، ومعرفة ما يجري في الجنوب، وما يجري فيه من منازعات. إن ما يجري ليس أمرا عارضا، إن منابع النفط والثروة واقعة في أيدي أجانب. هذه الاشكالية الكبرى. إنهم يأتون من دول مختلفة من مالي وتشاد ودار فور وغيرها.
والآن نحن ننتظر ما ستؤول إليه هذه الانتخابات، لا بقدوم أشخاص جدد على رأس السلطة، بل بوضع حلول عاجلة لهذه القضايا.
أسأل نفسي:
هل أنت متشائل أم متفائل؟
أنا متشائم ومكتئب. أنا متشائل قلبيا ومتشائم عقليا.
أنا أقول: إذا كان هناك خطف وقتل في طرابلس نفسها.. فمن يحم صناديق الاقتراع فيها إذا؟
ما هي قدرة هؤلاء الذين سيأتون عن طريق هذه الصناديق في إحلال الأمن والاستقرار؟!

محمد الفقيه صالح السفير الليبي في إسبانيا:

أخشى أن يؤول الربيع الليبي إلى خريف بائس

1 ـ لم يكتمل الحوار بعد على موت القذافي، لكن ذلك ليس بالأمر المهم . ما يعنينا هو أن الشعب الليبي بتضحيات باهظة وبمساعدة اقليمية ودولية، أنجز القسم الأول الصعب من أهدافه وهو تقويض نظام القذافي، ويبقي |أمامه القسم الثاني الأصعب، وأعني به معالجة آثار الحرب والتركة الثقيلة التي تركها نظام القذافي، بالتزامن مع إرساء أسس الدولة المدنية الديمقراطية الجديدة على الأرض الليبية، إنها مجموعة مهمات معقدة وعويصة ومتزامنة، وتتطلب الحلول السريعة في ظل وجود هوة كبيرة بين التوقعات والإمكانيات أولا، وانتشار السلاح والتشكيلات المسلحة غير المنضبطة ثانيا، واحتدام الضغائن والثارات بين عدد من المناطق والقبائل ثالثاً، فضلاً عن السلوك السياسي غير المسؤول ممن يضغطون من أجل فرض النظام الفيدرالي على الشعب الليبي.

محمد الفقيه
محمد الفقيه

كل ذلك يدفعنا إلى القلق على بلادنا التي ما تزال تلملم جراحها في مهب مصائر متعددة، لكن هذه النظرة الحذرة لا ينبغي أن تحول دون التنويه بالتطورات الايجابية والمنعشة للآمال في المشهد السياسي الليبي الجديد، الذي ما يزال في طور التشكيل، وأعني بذلك تأسيس عدد كبير من التنظيمات الحزبية، ومنظمات المجتمع المدني، والصحف الأهلية، فضلا عن المظاهرات الحاشدة في مختلف مناطق البلاد، رداً على التوجه الفيدرالي، والأهم من هذا كله، النجاح اللافت لتنظيم الانتخاب الخاص باختيار أعضاء المؤتمر الوطني العام، والمشاركة الشعبية الواسعة في هذه العملية الانتخابية، ما يدل على رغبة الشعب في بناء دولة القانون والحريات والمؤسسات.

2 ـ تستدعي معالجة إشكالية الميليشيات المسلحة في ليبيا جملة من الإجراءات والخطوات المتزامنة التي يمكن ايجازها في:
أ ـ الإسراع باستيعاب ما أمكن من أعضاء هذه الميليشيات في المؤسسات الرسمية للدولة الليبية، بعد إعادة تأهيلهم.
ب ـ تقديم حوافز مادية مشجعة مقابل تسليم الأسلحة للجهات الرسمية.

ج ـ ممارسة ضغوط شعبية على الميليشيات، من خلال المجتمع السياسي والمدني بشكل سلمي ومنظم، بحيث يبرز ويتبلور الرأي العام الرافض لاستمرار هذه الميليشيات، بعد انتهاء دورها أثناء تحرير البلاد من النظام الاستبدادي.
د ـ التسريع بعملية إعادة بناء الجيش الوطني والمؤسسات الأمنية وتكثيف الجهود في هذا الصدد، لملء الفراغ الأمني أولاً، ولمواجهة أية تطاولات أو تجاوزات من أية جماعة مسلحة.
3 ـ أنا متشائل، أخشى أن يؤول الربيع الليبي إلى خريف بائس، على أيدي بعض المكونات والحساسيات السياسية والدينية والثقافية والجهوية ضيقة الأفق ، فالملاحظ أن معظم هذه الحساسيات والمكونات لا تسعى أو تجتهد من أجل تطوير وتجديد طروحاتها في ضوء معطيات الواقع الليبي ومتطلباته، وليس لديها الحس السياسي السليم والرصين الساعي إلى التوافق والبحث عن المشترك، بدلاً من التركيز على المختلف بين الليبيين، لقد ثار الليبيون ضد الاستبداد، وذلك يعني في فهمي أن النقيض هو أن يعيش كل مواطن في أمان وحرية تحت غطاء الدستور والقانون والالتزام بهما، لا أن يستبدل بذلك الاستبداد الفردي الغاشم، استبداداً آخر تحت أي مسمى أو ادعاء.

محمد بن غلبون رئيس حزب الاتحاد الدستوري الليبي:

حرب أهلية تصر أجهزة استخبارات غربية على إشعالها

محمد بن غلبون
محمد بن غلبون

صحيح أن النظام الديمقراطي هو أكمل نظم الحكم الذتي شهدتها البشرية حتى الآن وأجملها، إلا أن الديمقراطية تظل مجرد وسيلة لضمان الحقوق واستتباب الأمن وتحقيق العدالة، وتكافؤ الفرص في أي مجتمع.

وبعد أن نفض الشعب الليبي عنه قيود الذل التي استعبده بها معمر القذافي لعدة عقود وغسل عارها بدماء زكية حارة، اندمج في مهرجانات الديمقراطية وأعراسها، وكأنها غاية في ذاتها، صارفا أنظاره عن الأخطار الجهوية والعرقية والقبلية المتجذرة في المجتمع الليبي والتي ترعرعت في ظل الفوضى العارمة التي خلقها جنون معمر القذافي ونزق أبنائه وخسة خدامه، ثم ازدادت الأخطار في حماية بنادق المسلحين الذين شعروا بدفء السلطة وبذخها بعد سقوط الجماهيرية الخرافية.

وغفل القياديون ـ تجاهلا أو جهلا ـ عن حقيقة مشاكل المجتمع الليبي الجهوية والعرقية والقبلية التي قد سبق لهذا الشعب أن احتواها في منتصف القرن الماضي، عندما جاء الدستور الليبي عام 1951، ليخلص ليبيا من تلك المشاكل مادام معمولا به.

فتجاهل هؤلاء القياديون ذلك الدستور، ودخلوا بالشعب الليبي في متاهة إعادة تحقيق ما سبق أن حققه. إلا أن الظروف الآن غيرها في منتصف القرن الماضي، وكذلك النفوس.
وتحت تأثير فرصة الخلاص من القذافي ونشوة الانتصار عليه، والانعتاق من الخوف منه، والزهو بتصفيق الغرب للتوجهات الديمقراطية الليبية، يزداد ابتعاد هذا الشعب عن آليته الحصينة (ديستور 1951) الذي صمم بحكمة لتحمله ـ عبر أخطار تركيبته ـ أملا إلى مستقبل مزدهر.

وفي كل خطوة يخطوها بعيدا عن ذلك الدستور، يزداد خطر الحروب الأهلية التي تصر بعض أجهزة الاستخبارات الغربية على أن يمر بها الشعب الليبي، انتقاما لما حل بيهود ليبيا عام 1967.

محمود محمد الناكوع سفير ليبيا في بريطانيا:

البلاد ما تزال في مرحلة انتقالية

يوم 20 اكتوبر (تشرين الثاني) عام 2011 سقط العقيد القذافي مقتولا بأيدى الثوار وفي مسقط رأسه سرت، ومنذ تلك اللحظات انتهت حقبة ذلك الحاكم الطاغية، واحتفل الشعب الليبي احتفالات واسعة، معتبرا ذلك اليوم يوم تحرير البلاد من قبضته الشريرة. كما اعتبره بداية مرحلة جديدة في تاريخ ليبيا الحديثة. ومنذ ذلك اليوم بدأت الأفكار والأفعال تتحرك نحو بناء السلطة الجديدة على أسس ديمقراطية.

محمود محمد الناكوع
محمود محمد الناكوع

لقد نجح القذافي في بناء سلطة الرعب والكراهية، التي كادت تدمر القيم الاجتماعية في الوطن، وما تزال آثار أفكاره وبرامجه التعليمية والإعلامية والاقتصادية واضحة لدى مجموعات من الليبيين، والتي تعكس ثقافة الفساد المالي والاداري وتبرر نهب المال العام باعتباره «رزق حكومة» أي أنه يجوز سرقته.. ولكن ما حدث منذ سقوط القذافي وحكمه سادت الروح الجديدة، ومن أبرز ملامحها احساس المواطنين بالحرية الكاملة، وعندها انطلق الناس في تنظيم أنفسهم في شكل جمعيات تهتم بحقوق الانسان، وفي شكل أحزاب سياسية، وفي شكل نشاط خاص اتجه نحو اطلاق قنوات فضائية، ونشر صحف ورقية، ومواقع الكترونية. والأبرز اجراء أول انتخابات حرة ونزيهة وبمشاركة كبيرة من الناخبين والتي انتخب فيها الشعب «المؤتمر الوطني العام».. وهي أول انتخابات على هذا المستوى من التنظيم والحماس والشفافية تحدث في ليبيا منذ استقلالها عام 1951.

ليبيا بعد القذافي أكدت العزم بإرادة حرة أنها تتجه نحو بناء دولة القانون وترسيخ المواطنة على أسس من حقوق الانسان، وأن الإسلام بقيمه السمحة العادلة سيكون مرتكزا مهما يقبله الجميع لتماسك وتلاحم المجتمع في حالات العسر واليسر.
كل هذه التطورات تجعلني وتجعل غيري من الليبيين ننظر الى المستقبل بتفاؤل قوي لا يتطرق إليه الشك، لأن التغيير السياسي الكبير قد حدث، وأن حلم الاطاحة بالطاغية قد أنجز، وأن حلم بناء الدولة الديمقراطية الحديثة بدأت خطواته الأولى.

البلاد في مرحلة التحول من الثورة إلى الدولة، ولكي يكون التفاؤل على أسس صحيحة، لابد من عقلنة الخطاب السياسي والإعلامي، وأن يتم التعامل مع السياسات والخطط لبناء مؤسسات البلاد على قواعد من المعرفة والرؤى الشاملة والواضحة، بحيث تقل الأخطاء أثناء ادارة المر حلة الانتقالية، والتي تتميز بكثير من الصعوبات.
وعلى الرغم من كل الأخطاء التى حدثت، وربما تحدث في المستقبل ورغم كل الصعوبات السياسية، فإن ليبيا تتحرك في الاتجاه الصحيح، لأنها اختارت الخيار السليم وهو الديمقراطية والنزاهة وصناديق الاقتراع، ومع استمرار التجربة وما قد يخالطها ويشوبها من عيوب، فإن المجتمع سيصحح أخطاءه وسيتعلم من تلك الأخطاء، حتى يصل إلى الأفضل، وهكذا هو المسار الديمقراطي، لا يصل إلى المستوى الجيد إلا من خلال الممارسة والتعلم منها.

وظاهرة انتشار السلاح هي ظاهرة مقترنة بحالة ما بعد الثورة، وهي ثورة شعبية مسلحة، ونظرا لضعف مؤسسات الدولة في المرحلة الانتقالية، فقد تأخر التعامل الناجح مع السلاح الذي استغل استعماله بعض الشباب لتحقيق مآرب شخصية أو عائلية، أو تم استغلالهم من اطراف مضاده للثورة، أو تريد فرض وجودها ولو في مراحل متأخرة، وإن لم تشارك تلك الأطراف في ثورة التحرير.
ولكن هذه الظاهرة لا يمكن أن تستمر، لأن هناك رأيا عاما يرفضها بشدة، وبعد الانتخابات التي أفرزت مجلسا شرعيا ستزداد قوة الرفض لحالات الانفلات الأمني، وحالات السلاح خارج اطر مؤسسات الدولة.
البلاد ما تزال في مرحلة انتقالية ولاتزال الأيام والليالي مثقلات بكثير من الأعباء. وتخفيف تلك الأعباء يتطلب وعيا متقدما من فئات كل الشعب، ويتطلب حضور ثقافة التوافق وثقافة المصالحة جنبا إلى جنب مع حضور مناسب للدولة وخاصة في مجالات: الأمن والقضاء والجيش والخدمات الأساسية.

ليبيا بلد ثري ومستقبله واعد، وكل القوى الدولية والاقليمية يهمها الاستقرار في ليبيا، لأن ذلك يحقق لها مصالح تجارية وأمنية.. ليبيا بلد جاذب لكثير من الباحثين عن المشاركة في بناء المشروعات التي تحتاجها الدولة ومؤسساتها، وهي مشروعات كثيرة ومتنوعة، وتحتاج إلى مهارات متعددة وتخصصات دقيقة وأخرى عادية.
امام ليبيا والمسؤولين فيها تحديات كثيرة وكبيرة، وكما فاجأ الشعب الليبى العالم بالنجاح في معركة التحرير، ثم في معركة أول انتخابات، فمن المرجح أن يبني دولته الجديدة ومستقبله بتفاؤل، وأن يتغلب على كثير الصعوبات.. التحدي كبير والامتحان صعب، وأول مؤشرات النجاح للمرحلة الانتقالية الثانية سنراه عبر آداء «المؤتمر الوطني العام» والحكومة التي سيختارها.

عبد الرحمن شلقم مندوب ليبيا السابق لدى الأمم المتحدة:

نحن على أبواب قوة الشريعة بعد شريعة القوة

عبد الرحمن شلقم
عبد الرحمن شلقم

1 – منذ قرابة السنة، ليبيا بدون القذافي، بعد انتصار ثورة الشعب الليبي. إن ما تحقق منذ انتصار الثورة وبدون مبالغة فاق كل التوقعات، فلقد استقرت الأمور في كل أنحاء ليبيا، وبدأت رحلة تأسيس الدولة، نجاح عملية الانتخابات رغم الأصوات التي قالت إن ذلك لن ينجز. فأنا أرى ليبيا اليوم وطنا ينطلق بقوة نحو هدف محدد، وهو بناء ليبيا الجديدة.

2- مشكلة السلاح المنتشر في كل انحاء ليبيا بكل أنواعه هو الخطر الأكبر، الذي يهدد بعرقلة بناء الدولة الديمقراطية الجديدة. فنجاح الانتخابات يعني دخول ليبيا إلى دائرة الهدف الأساسي، وهو الدولة الحديثة التي تقوم على القانون. السلاح هو التحدي الأكبر والأخطر الذي يواجهنا، نحن على أبواب قوة الشريعة بعد شهور من شريعة القوة. بعد انجاز المؤتمر الوطني العام، فإن الموضوع الذي يسبق ما عداه، هو تأسيس الجيش الوطني، الذي يشكل العمود الفقري لكيان الدولة، وبموازاة تأسيس الجيش، يشرع في إقامة جهاز الشرطة، وكذلك تفعيل القضاء، هذا هو المثلث الذي تقف عليه الدولة الليبية الجديدة.

3 – عندما سألتني هذا السؤال قلت لك أنا متشائل، لكن الآن حدثت حركة في الحروف، ونافست الفاء حرف الشين. التفاؤل هو الذي يعطي الملمح الجديد لليبيا ما بعد انتخاب المجلس الوطني، وأنا أراهن على شيئين:
أولا: وعي الشعب الليبي الذي تجسد من خلال الانتخابات الأخيرة، والاقبال الكبير من الرجال والنساء على عملية الانتخابات.
الثاني: الروح الوطنية التي أبداها الشعب الليبي، ورفضه للتوجهات المتطرفة، وكذلك التوجهات التي تمثل الايديولوجيات العابرة للحدود.
نحن ننتظر انعقاد المؤتمر الوطني العام، وتشكيل الحكومة الجديدة، عندئذ نستطيع القول إن مشروع ليبيا الديمقراطية، المدنية، الجديدة قد انطلق.

العقيد علي الطاهر قائد قوات الساحل الغربي:

“شراء أمننا” كان مهما

• مرّ الوضع في رأيي الشخصي بمرحلتين بعد مقتل القذافي. تتمثل المرحلة الأولى في الأشهر الأربعة الاولى وتميزت بكونها هادئة نسبيا ولا توجد بها مشاكل إلا في بعض المناطق المحدودة. في المرحلة الثانية كانت ليبيا في الواقع غير مستقرة لعدة أسباب وهي كالآتي:
• ضعف القيادة السياسية الموجودة.
• عدم اتخاذ القرارات السياسية المناسبة.
• عدم التعاون مع الثوار وخاصة في المناطق الساخنة ابتداء من جمع السلاح في تلك المناطق بالتعاون مع الثوار من نفس المناطق (بني وليد ـ بعض المناطق الجنوبية) علما بأنه تم تقديم خطة كاملة وشاملة من تنظيم ثوار كل ليبيا، ولم تتم الموافقة عليها من قبل القيادة السياسية.
• تم توزيع الأموال بطريقة غير مناسبة وغير مدروسة.
• عدم تعيين الرجل المناسب في المكان المناسب.
على الاجمال يمكن القول إن الأمور خلال فترة العام، ظلت تتسم بالاضطراب وعدم الاستقرارسياسيا وعسكريا وأمنيا. صعوبة في الحركة من منطقة الى أخرى داخل ليبيا.

«شراء أمننا» يتم عبر تخصيص مبالغ مالية لجمع السلاح في فترات زمنية متوالية على أن يكون السعر في فترات التجميع الأولى مقابل كل قطعة سلاح مرتفعا ثم ينخفض تدرجيا مع تقادم المدة إلى أن يصل إلى مرحلة الصفر

• كيف يمكن حل اشكالية الميليشيات المسلحة؟
يتوجب أن تتم على عدة مراحل:
• المرحلة الأولى: تعيين مندوبين من القيادة السياسية والعسكرية لجمع السلاح في كل مناطق ليبيا، عبر خطة كاملة وواضحة على ان تعرض على كل المجالس العسكرية والمدنية للتصديق عليها وقبولها من كل الأطراف وهي كالتالي:
• أولا: «شراء أمننا» يتم عبر تخصيص مبالغ مالية لجمع السلاح في فترات زمنية متوالية على أن يكون السعر في فترات التجميع الأولى مقابل كل قطعة سلاح مرتفعا ثم ينخفض تدرجيا مع تقادم المدة إلى أن يصل إلى مرحلة الصفر، ثم تأتي مرحلة تنفيذ القانون والعقوبات لكل من لم يقم بتسليم سلاحه، وخلال هذه الفترة تكون الجماعات المسلحة قد ضعفت وتم تدريجيا تقوية القوات المسلحة والأجهزة الأمنية.
* هل أنت متفائل أم متشائم:
ـ لست متفائلا إلا إذا تمكن المؤتمر الوطني العام من أعداد دستور جيد، واستفتى الليبين عليه.
كذلك إعادة توزيع المهام من أعلى الهرم السياسي إلى أدناه، وذلك بوضع الرجل المناسب في المكان المناسب حسب التخصصات وأعادة فرز في كل المناصب داخل البلاد وخارجها فيمن احتلوا هذه المناصب، عندها سوف أكون أنا وزملائي المقاتلون متفائلين، حتى نستطيع تكوين جيش قوي، وجهاز آمني قوي، وحماية بلدنا من كل اضطرابات وقيادتها إلى الاستقرار.

الكاتب اللبناني سمير عطاالله:

يقال روما ما بعد نيرون واليوم نحن أمام ليبيا ما ما بعد الأخ القائد

سمير عطاالله
سمير عطاالله

الأمم تؤرخ عادة بين ما هو قبل، وما هو بعد. فمثلا يقال روما ما بعد نيرون وما قبل نيرون. وألمانيا ما قبل الفوهيرور أي «القائد»، وألمانيا ما بعد القائد. واليوم ليبيا ما قبل الأخ القائد، وما بعد الأخ القائد.
وللأسف فإن التصرفات التي حدثت في بعض مدن ليبيا على أثر الخلاص من الطاغية، كانت تشبه إلى حد بعيد تصرفات الطاغية نفسه. هذا ما نأمل أن ينتهي الآن بعد بلوغ ليبيا المرحلة البرلمانية نحو قيام الدولة الحقيقية، أو بالأحرى، في رأيي الشخصي المتواضع، بعد العودة إلى الدولة المعاصرة الحقيقية، لأن ما كان قائما أيام إدريس الأول، على الرغم من الهنات، وعلى الرغم من أن ليبيا كانت تعاني من تخلف شديد، كان هناك هيكل حقيقي لدولة سوية تعايش بقية دول العالم. ولعل ليبيا على فقرها أيام إدريس الأول، وعلى دخلها النفطي المتواضع الذي لم يكن هناك سواه، لعلها كانت كأداء سياسي واجتماعي، ورجال دولة، متقدمة إلى حد بعيد على عدد كبير من دول العالم الثالث، وخصوصا على أفريقيا وملوك أفريقيا الذين كان القذافي ملكا عليهم.
ولكن يحدوني أمل ولو أنه ليس كبيرا في المرحلة المنظورة، بأن الدكتور محمود جبريل سوف يتمكن من قيادة ليبيا نحو عودة الدولة، ومن إعادة مؤسسات عسكرية وأمنية وقضائية وقانونية تنهي جميع الحالات الشادة القائمة الآن في ليبيا، والتي تعطي بعض المبررات لما كانت عليه جماهيرية القذافي. ولا أعتقد أن هذا ما يريده الشعب الليبي على الإطلاق.

الكاتب الصحفي الفلسطيني بكر عويضة:

ليبيا الجديدة ما تزال في بداية البداية

أرى المشهد الليبي عشية اقتراب عام من سقوط القذافي أرى ما يدعو للتفاؤل. وما يدعو لهذا التفاؤل، هو كوننا جميعا في ليبيا في الوطن العربي، هنا في أوروبا، كون كل المعنيين بالشأن الليبي، وبما يجري في العالم العربي عموما، يتفاءلون خيرا بأنه قبل أقل من عام من سقوط نظام معمر القذافي، وغيابه هو شخصيا عن المشهد الليبي، وأخرج هنا بجملة اعتراضية، لأن غيابه الجسماني كان ضرورة، ونحن لسنا بشماتين لنشمت في الميتين، فلكل أجل كتابز أقصد أن غياب القذافي جسديا عن المشهد الليبي كان له تأثير مباشر، لأنه لو بقي حيا، واستحكم في منطقة ما من المناطق، لتعقدت الأمور أكثر، عموما أعود إلى النقطة التي بدأتها وهي أنه بعد ما يقارب العام من السقوط، تحقق الانتصار الأولي للثورة وليس الانتصار الكامل. فالانتصار الأول كان بالقبض عليه وتغييبه، وشهدت ليبيا ما يمكن أن نسميه العرس الديمقراطي في مشهده الأول أيضا. كل المسائل لا تزال في بدايتها. الفرح الديمقراطي بإجراء انتخابات نيابية برلمانية، تخللها ما تخللها من اختلافات حول المقاعد، وبعض المشاكل الأخرى التي تسببت في عرقلة بسيطة لهذه الانتخابات. ومن الطبيعي أن تكون هناك اختلافات في وجهات النظر حول الدوائر الانتخابية وعدد المقاعد. ويحدث هذا حتى في بلد أم الديمقراطيات في العالم بريطانيا حول هذا الوضع وطبيعة الدوائر الانتخابية، ويحدث هذا في دول متمرسة في جميع أنحاء العالم. ولكن مشهد الانتخابات في حد ذاته في ليبيا مشهد مفرح. ولكن هل نرى في ليبيا بعد شهر أو شهرين جمهورية ديمقراطية، ووضعا سياسيا ديمقراطيا لا تشوبه شائبة، هذا أمر غير ممكن.

بكر عويضه
بكر عويضه

ولكن نحن نطلب من الليبيين كمجتمع وكأفراد وقوى سياسية، ما ليس في استطاعتهم. فمرور سنة أو سنتين أو ثلاث سنوات ليست كافية لتفكيك نظام معمر القذافي وآثاره، التي طالت البلد لأكثر من ثلاثة عقود. الذين يتابعون الشأن الليبي يعرفون أنه منذ 1969 فصاعدا أن القذافي ومعه مجموعة من الضباط، وقدموا أنفسهم على أنهم شباب ينتمون إلى دينهم وتراثهم الإسلامي وإلى القومية العربية، مزجوا بين الاحتفاظ بالهوية الإسلامية، وتعزيزها لليبيا ولانتمائها العربي. ثم انتقلنا فجأة إلى عهد طلع علينا فيه بـ«النظرية الثالثة» والنظرية الأممية والجماهيرية. أقول إن سنة أو سنتين ليس بالأمر الكبير، بعد هذه «العهود» والسنوات الكثيرة التي مرت على ليبيا، حتى يستقيم الوضع الليبي ويأخذ مساره الصحيح، آخذين بعين الاعتبار أنه ليس هناك دولة أو مجتمع كل الأمور فيه على ما يرام، وكل الأمور فيه دقيقة مائة في المائة حتى المجتمعات التي لم تدخل في خضات.

الشق الآخر من المشهد هو الذي يدعو إلى التخوف. التخوف من أن يكون هناك تعقيد عند الليبيين. ليس فقط عند الزعماء السياسيين والقوى السياسية، ولكن عند المواطنين الليبيين أنفسهم، من أن يكون قادرين على ضبط النزاعات القبلية، ضبط المهيجات التي يمكن أن تفضي، لا سمح الله، إلى ما لا تحمد عقباه. السبب في ذلك بسيط جدا، لأن ليبيا ليست نشازا، وليست حالة فريدة، في ما يتعلق بالتشققات الموجودة في المجتمع، فهذه حالة موجودة في العالم العربي بأسره، وماثلة حتى خارج العالم العربي، في العالم الإسلامي، في أميركا اللاتينية، في أي مجتمع نسبة الأمية فيه مرتفعة، الفروق الاجتماعية والاقتصادية واضحة. الحالة الليبية، ودعنا نكن صريحين، وهذا شأن لا ينكره الليبيون أنفسهم، هناك جذور في التربة الليبية مبذورة منذ زمن من قبل أن يأتي معمر القذافي. لا نريد أن نستخدم أسماء قبلية هنا إنما كانت هناك حروب قبلية موجودة حتى في أيام مقاومة الاستعمار الإيطالي، وقد نشأت اختلافات قبلية بين الشرق والغرب.

هذه موجودة في التاريخ، ولا نريد أن نعود إليها. ولكن ما لا يحتاج إلى تأكيد أن نظام القذافي، رغم ادعائه القومي والعروبي، ومناداته بالوحدة العربية، كان يعمق هذه النزاعات القبلية، ويلعب على الصراعات القبلية. ولكن المهم الآن هو أن يتمكن الليبيون كقوى سياسية كأفراد وزعامات في دعم استقرار بلدهم. إنه يحلم من يرى أن الوجود القبلي لا دور له في دعم الاستقرار. لا يمكن الاستغناء عن تعاون زعامات القبائل في هذا المجال، وكما نرى الدعوة إلى الكونفيرالية التي تنادي بها زعامات قبلية على اعتبار أنها كانت قائمة في ليبية حتى ألغاها الملك الراحل إدريس السنوسي عام 1963. وعلى المثقفين ألا يتغاضوا ويهملوا الدور القبلي والزعامات القبلية. فلا بد من اشراكهم مع أطياف المجتمع الليبي جميعا حتى يكون هناك جهد مشترك، وحتى يُتمكن من نزع سلاح الميليشيات. أنا لست مع التخوف الذي ينحو إلى الصوملة مثلا، أو الاعتقاد بأن ليبيا ستتحول إلى دولة فاشلة، أنا لست مع كل هذا، لأني أومن وأثق بقدرات الليبيين, صحيح أن الأربعين سنة التي مرت كان فيها قهر وحرمان، لكن هذا لا يعني ان ليبيا تفتقد إلى عقول. لقد رأينا في هذه الثورة شبانا في الأربعينات مثقفين ومتفتحين، يتعاملون مع الاعلام العالمي بشكل جيد. وهناك من هم فوق الستين من جيل محمود جبريل وهو جيل من شأنه أن يحفظ ليبيا ولن يغرقها في الصوملة. بالإضافة إلى هذا، لا أعتقد أن المصالح الغربية، أو الدولية ولكن الغرب جزء أساسي في هذا الأمر المتعلق بالسوق ونظرية السوق، لا يسمح بأن يحرم هذا السوق من ثروة ليبيا النفطية، والحاجة إلى الاستفادة من وضع ليبيا في تحريك الوضع الاقتصادي المتردي.

من الشارع الليبي..
صوت الجماهير ما بعد الجماهيرية

يقول علي.م.ل الذي لا يريد أن يذكر اسمه كاملا، لأنه يخشى على أسرته: إن ما جرى لنا شيء مخجل. لقد زحف مسلحو مصراته على مدينتنا تاورغاء، مدججين بالسلاح، وبدؤوا في قصفها من دون تفريق، لقد فر من فر، وبقي آخرون كأنهم سبايا، عاملوا الناس بوحشية لا حدود لها. لماذا كل هذا؟ يقولون إن بعض رجال البلدة قاتلوا مع القذافي. لكن هل يوجب هذا قتل الناس وتهجيرهم؟ إن ديننا يقول: ولا تزر وازرة وزر أخرى. أنا الآن مهجر في طرابلس مع آلاف آخرين. في هذا المعسكر الذي كان كلية عسكرية.
ويقول مبارك.س.ع لا أقوى على العيش هكذا في معسكر. إننا نطلب من الحكومة أن تعمل على إعادتنا إلى بيوتنا، وتبني ما تهدم منها. لا يمكن أن تؤخذ مدينة كاملة بجريرة أفراد، حتى لو عدوا بالعشرات! إن هناك أكثر من 40ألفا.
وقاطعه الحاج م.ع.س قائلا: «لماذا نحن بالذات، لقد اختارونا لأننا ضعفاء، وهم لديهم قوة مسلحة مدعمين من إحدى الدول المعروفة. ولو كانت كفتنا مماثلة لكفتهم لما استطاعوا ذلك».
وأوضح شخص آخر قال إن اسمه منصور: «لماذا لم ينتظروا عودة المحاكم للعمل، وتقديم من يدعون أنه ارتكب جرائم؟ نحن تقبل هذا. لكن هذا العمل يولد عداوات مستقبلية بين القبائل، ولا يمكن أن يؤدي إلى الاستقرار. لماذا لم يذهبوا للقبائل الكبيرة المعروفة.. لا هذه ما يقدر يكسر خشمها حد».

يقول الرائد عبد السلام م.ي الذي التقته المجلة في طرابلس إن: «الناس يريدون أن تبسط الدولة قبضتها على البلد، وتنهي هذا الانفلات الأمني الذي لم تشهد مثله من قبل. جميع الناس هنا يهمهم بالدرجة الأولى الأمن. كل مرة يعد هؤلاء المسلحون بإلقاء السلاح، ويتحججون بأعذار واهية مثل أن البلد ليس بها جيش ولا شرطة تحل محلهم».
ويؤكد الرائد عبدالسلام الذي كان ضابطا في جيش النظام السابق أن «استعراض السلاح من قبل هؤلاء المسلحين، يعتبر أمرا عاديا لدى هؤلاء، لكن الناس أصابها الضجر من بواباتهم وأوامرهم. فهم يشعرون أن بلدهم تسيطر عليه عصابات مسلحة».
وأمام أحد المصارف في العاصمة قال أحد المسلحين ويدعى محمد لـ«المجلة» إن المسلحين «يؤدون خدمة وطنية عظيمة، ولولاهم لنهبت هذه المصارف. إننا نقوم بعمل الشرطة حتى تعود لعملها، وليس لنا أي طموح في الهيمنة على الأمن. لكن طالما أن الجيش والشرطة لايزالان غائبين، فإننا سنقوم بالمهمة ولن نتوقف».

لكن أحد المارة تدخل في الحديث قائلا: «خلونا في حالنا، مش رايدين سلاح في الشوارع، أنتم تظنون أنكم تفرضون الأمن، لكن حملكم لهذا السلاح يرعبنا». لكن المسلح قال له: «أنت مسكين».
وقبل أن يختفي بادرناه بالسؤال: كيف تشعر وأنت تسير في شوارع طرابلس؟ فأجاب: «أشعر بالرعب».
وفي منطقة الظهرة بطرابلس قال خالد البدري إن «لا يهم. هذه المظاهر المسلحة ستختفي عاجلا أم آجلا. لكن الأهم هو أنني الآن أقول ما أشاء ولا أخشى أحداز أستطيع أن أقول رأيي الصريح من دون خوف، ليس هناك مخابرات تكتم الأنفاس». وعندما سألته «المجلة» عما يريد أن يقوله ومنع منه زمن النظام السابق؟ أجاب: «يا أخي كان جحيما لا يطاق، كانت شعارات زائفة لا تصمد على أرض الواقع. كان شخصا واحدا هو الكل، لا تقوى على مخالفته. كان يرى كل شيء بعينه هو فقط».
وقال المواطن محمد العبيدي: «إنهم يتصارعون على تشكيل الأحزاب، البلد امتلأت أحزابا.. إنهم يتصارعون على السلطة في طرابلس، تاركين الجنوب في حاله. إن هناك أعدادا من الغرباء جاؤوا إليه من دول جنوبية، ظانين أنه يفيض خيرا. هم لا تهمهم شأن البلد، إنما تهمهم السلطة».

وعلق علي الرقيعي على كلام العبيدي موضحا أن الانفصاليين أيضا يرون «أنها فرصتهم الوحيدة الآن لتقسيم البلد. ولكن هيهات، لن نعطيهم أي محال لتحقيق هذا الأمر، ولو أدى ذلك لقتالهم. ليبيا ستبقى موحدة وسنتفرغ إليهم بعد تنظيم الأمور».
وأكد أحمد المزداوي أن «المنادين بالفيدرالية ليسوا انفصاليين. وكل ما يريدون هو تسهيل الإجراءات الادارية وحاجيات المواطن اليومية، وإطلاق يد السلطات المحلية لتسهيل أمور المواطنين، والحد من السطة المركزية التي تتدخل في كل شاردة وواردة».
المواطن خليفة عبدالحفيظ ويعمل في أحد المتاجر في طرابلس قال إنه «رغم نجاح الانتفاضة في تخلصها من نظام الاستبداد، إلا أن هناك مشكلة كبيرة ينبغي أن تحل سريعا، ألا وهي وجود دول داخل الدولة، كما هو حاصل في مصراته والزنتان وحتى بنغازي، إنه أمر يشكل خطرا كبيرا على أمن ليبيا وسيادتها».

أما المواطن غيث الترهوني فيرى أن «هناك عداء قبليا يصعب الخروج منه، وهناك قبائل كبيرة لابد من تجنب المشاكل معها، والخروج بتسوية معها، وإلا فإنها ستسبب عراقيل قد تتطور إلى حرب أهلية».
هذه هي ليبيا الجديدة بعد الأخ العقيد معمر القذافي.. بلد يبحث عن توازنه وشعب يريد أن يدخل التاريخ بعد أن خرج من سياقه لأربعة عقود.

Previous ArticleNext Article
جمعة بوكليب
كاتب وأديب ليبي مقيم بلندن

1 Comment

  1. تقرير رائع ومفيد ، ومصادر متنوعة ، وجهد كبير يستحق الثناء كاتبه وكل من ساهم فيه … استوقفتني عبارة “ودخلوا بالشعب الليبي في متاهة إعادة تحقيق ما سبق أن حققه” في إشارة إلى الدستور الليبي الذي صاغته جمعية تأسيسية وطنية مثلت كافة أطياف ومكونات الشعب الليبي قبل أكثر من 60 سنة تحت اشراف مباشر من هيئة الأمم المتحدة، وبموجبه نالت ليبيا التي كانت تتكون من 3 أقاليم استقلالها في 24 ديسمبر 1951، ومن رحمه ولدت الدولة الليبية الحديثة كدولة فيدرالية ، سرعان ماتطورت لتتحول إلى دولة موحدة في سنة 1963 بفضل حكمة وجهود صانعي ذلك المجد وبموجب تعديل دستوري في ذات الدستور، ولم يتطلب الأمر إلغاء الدستور أو الدخول في متاهة استبداله بدستور جديد لأن الدستور يكتب مرة واحدة ويتم تعديله أو تطويره كلما دعت الحاجة إلى ذلك عن طريق إجراءات دستورية واضحة تخضع لشروط وضمانات صارمة منصوص عليها في ذات الوثيقة تحول دون العبث بهذه الوثيقة الوطنية التي تعتبر المرجعية الكبرى فوق جميع المرجعيات في البلاد والتي يعود إليها الجميع لمنع الفوضى والارتجال والانفراد بالقرارات ، لتصبح جزء منها في عملية تراكمية حضارية يمكن تكرارها بحسب متطلبات تطور الدولة وتغير الأزمنة والظروف، وهو ما كان ينبغي أن يحدث بمجرد أن انتفض الشعب الليبي وتخلص من جلاده لملء الفراغ الذي خلفته سياسات القذافي الممنهجة لإلغاء الدولة ومؤسساتها وتحويل البلاد إلى حالة من الفوضى لا تخضع إلا لأجهزته القمعية وسلطته المفردة. وهذا تماماً ما عجز عن ادراكه المجلس الانتقالي الذي استلم زمام الأمور في بداية الثورة، فعوضا عن أن يفعّل دستور الاستقلال مع تجميد المواد الخاصة بشكل الدولة ونظام إلى حين يتم استفتاء الشعب عليها بروية بعد تثبيت الأمن والاستقرار، فارتكب المجلس ذات الإثم الذي ارتكبه الانقلابيون صبيحة أول سبتمبر 1969، فتجاوز الدستور وأصدر ما أسماه “الإعلان الدستوري” ، وهو وثيقة بائسة اضطر المجلس إلى تعديلها وتغيير بنودها وموادها بصفة دورية وارتجالية منافية تماما لمفهوم الدستور. وكانت النتيجة أنه بدلا من أن تصب الجهود والطاقات في ضبط الأمن وتأمين حدود البلاد وترسيخ هيبة الدولة وتسيير الأمور بموجب قوانين مستنبطة من هذا الدستور الذي يشهد برقيّه القاصي والداني، بدلا من ذلك أدخلونا في متاهة إعادة إعداد دستور جديد ستستغرق صياغته وتعديلاته والاستفتاء عليه ثم إقراره وقتا وجهدا البلاد في أمس الحاجة إلى تسخيرها في ما هو أكثر الحاحا في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ بلادنا الحبيبة وثورتها العظيمة. وما هذا الانفلات الأمني الذي صار يهدد أمن ليبيا وشعبها ومقدراتها، وانعدام هيبة الدولة وفقدان المواطن للثقة في من يقودونه إلا دليل ومؤشر على هذه المخاوف. نسأل الله أن يكفي البلاد المصادمات والحروب الأهلية التي يعمل الأعداء على تأجيجها، وأن يحفظ الوطن من التدخلات الأجنبية التي تقدم لها الذريعة تلو الأخرى لتحويل بلادنا إلى صومال أو عراق أو أفغانستان جديدة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.