أقل من حرب أكثر من معركة

المواطن العربي.. هزيمة نفسية وفكر مهزوم! المواطن العربي.. هزيمة نفسية وفكر مهزوم!

المواطن العربي.. هزيمة نفسية وفكر مهزوم!

من أزمة الفكر في الشارع العربي، الاستمرار في تصور حالة العداء مع إسرائيل أو غيرها من الدول كمعركة حربية يشغل طرفيها جيشان، جيشان بعقائد مختلفة وأسحلة متشابهة لا تختلف إلا في العدد، فلم يستطع المواطن العربي عموما، أن يفهم منعطف التاريخ الإنساني الأخير نحو الصورة الشاملة للدولة والمجتمع والفرد.

ما زال المواطن العربي يتصور السياسية الخارجية خطابا يهدد ثم ينفذ، وأن الجيش حشد من الرجال أقوياء القلوب معززين بعتاد من الأسلحة، وأن الدولة كيان يتشكل من تلقاء ذاته، ولا علاقة له بالتاريخ السياسي للشعب، هذا التصور البدائي لحياة القرن الواحد والعشرين، مازال مستحكما في فكر الشارع العربي رغم كل الثورات التي أشعلت المنطقة قبل عامين وحتى الآن.

مجرد لحظة انتخاب أحزاب ترفع شعارا دينيا مثل الحرية والعدالة، كانت لحظة كفيلة بإحياء سيكولوجية مسلوبة بالغيبيات، تنتظر النصر القريب على العدو، لأن الرئيس سيقرر تحريك الجيوش نحو المعركة.

نعم يعتقد الشارع العربي في سواده الأعظم، أن الانتصار على اسرائيل واجتثاثها من المنطقة العريبة، لا يحتاج أكثر من رئيس مخلص لأمته وشعبه، يقرر خوض المعركة، ولأن الوعي العربي يعيش حالة انفصال عن واقعه، فقد حول كل الحديث الذي سمعه عن العمل الدبلوماسي والسياسي وقوى الضغط إلى مكالمة صوتية للرئيس، يهدد بها رئيس الدولة العدو، المكالمة التي تجري في الخفاء تعكس حنكة القائد الهمام، وتنعكس في انفراجات الفوز على أرض الواقع.

من المقبول في الشارع العربي إلى اليوم أن يصبح رجل ما علينا، ليخبرنا أنه رأى مناما يبشر بالنصر القريب، هذه الفكرة لم تعد حصرا على فئة دون سواها، فعندما ينزلق مثقفون ورواد في الانتاج الثقافي لبلدانهم إلى مثل هذا المنزلق، ليعيدوا تدوير الجهل في كلمات تسطبغ بلغة ثقافية، يعني أن أزمة الشارع عميقة جدا، وعصية عن الحلول حتى اللحظة، أن يفقد الريادي دوره في التأثير على المواطن البسيط في تصوير الحياة المعاصرة له، هي مرحلة يعرفها التاريخ الإنساني جميعه، أم أن يصبح هذا الريادي نفسه تحت تأثير الشارع في تبني مثل هذه الأفكار، وينساق في موجات عامة وليدة يأس الشارع وافراز جهله، فهي حالة خاصة تماما بالعالم العربي، هي دليل على تجذر الأزمة الفكرية وتكاثر مخرجاتها المشوهة مع الأيام.

هل يعني هذا أن مفهوم النصر اختفى اليوم من لغة العالم، أم أنه ارتدى فقط معاني الألفية الثالثة، حيث لا نقطة انفصال بين الكيانات، وحيث الصورة أقوى من الحقيقة، وحيث الإعلام عالم أقوى من العالم، إن للنصر معاني اليوم تجاوزت مشهد المعركة ذات الملامح المحددة، ليس للمعركة صوت اليوم بل لها حياة كاملة، لم تعد المعركة جولة حرب، بل أصبحت حياوات لا نهائية، كيان دولة يبدأ من البيت وحقوق الطفل ولا ينتهي عند حق الفيتو، اتسعت المعاني فلم يعد الشعر ترجمان اللغة، بل اللغة أصبحت هي ترجمان الثقافة.

كيف يمكن للإنسان أن ينتقل من حياة الحواضر البدائية، إلى العيش في مدن عصرية، وهو أسير فكر ماضوي بذاكرة وهمية، الأزمة الفكرية تشتد أكثر، لأن غالبية الشعوب العربية اليوم هي أجيال ولدت في مدن عصرية منقطعة في شكلها عن حواضر التاريخ، لم يعد الجيل يعيش أزمة الانتقال من حالة إلى أخرى كما عايشته الأجيال قبل مائة عام، إلا أن هذا الشعور الانتقالي الذي يعلق فيه الإنسان بين عالمين، فيعيش عاجزا عن التفاعل مع الراهن، لا يزال هو الشعور الذي يملأ الشارع العربي ويحركه تحت ثقافته.

سيبقى فكر الشارع العربي في أزمته، طالما استمر في انتظار النصر من معركة حاسمة بتاريخ يوم محدد، وطالما استمر في الاعتقاد أن الهزيمة ليست الملايين العربية التي لا تفك ألف باء الحياة خلال عشرات الأعوام، بل هي هزيمة 67 وفقط.


اشترك في النقاش