• العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

ثقافة, كتب

هل ألّف المستشار حسن الهضيبي “دعاة لا قضاة”؟

المستشار حسن الهضيبي
المستشار حسن الهضيبي
المستشار حسن الهضيبي

يستثنى من هذا الحكم، الكاتب الناصري الراحل عبدالله إمام، الذي تبنى ما كشف عنه علام. ففي كتابه “عبدالناصر والإخوان المسلمون”، الصادر سنة 1997، ذي الطبعة الثانية المزيدة (والتي زعمت دار الخيال وزعم المؤلف أنها الطبعة الأولى، وهذا غير صحيح، فالطبعة الأولى صدرت سنة 1981 عن دار الموقف العربي) – وهو يتحدث عن موافقة الهضيبي على كتاب سيد قطب “معالم في الطريق” – وضع في الصفحة الثالثة من هذا الحديث هامشاً إيضاحياً، هذا نصه:
«اتضح أن كتاب دعاة لا قضاة لا يعبر عن فكر الإخوان بالمرة، وأن الذي وضعه هم مجموعة من علماء الدين بطلب من المباحث العامة، وأعطوه لمأمون الهضيبي الذي أوصله إلى والده، ثم أصدره ككتاب باسمه..».
يلاحظ على هذا الهامش الإيضاحي الذي اقتبسه عبد الله إمام من كتاب فؤاد علام (الإخوان وأنا)، أنه خلا من إسناده إلى صاحبه الذي يرجع له فضل الإيضاح بأن الهضيبي لم يكتب شيئاً في الكتاب، والذي دلنا على الجهة التي كتبته وأغفل أن لبعض الإخوان المسلمين – الذين قال عنهم صاحب الإيضاح أنهم من المتعاونين مع أمن الدولة – مشاركة فيه.

ويلاحظ عليه أن ما جاء فيه لا يتسق مع مما جاء في مبتدأ الحديث. ففي مبتدأ الحديث، قال: «وكان المرشد العام حسن الهضيبي قد وافق على كتاب سيد قطب وراجعه ملزمة ملزمة، وفقاً للروايات التي جاءت في الكتب التي صدرت خلال السنوات الماضية، بعد رحيل جمال عبد الناصر بعشرين عاماً.
ثم عقب على هذا بكلام قال فيه: «ولكن المرشد العام أصدر كتاباً عنوانه (دعاة لا قضاة) تراجع فيه عن الآراء الواردة في كتاب سيد قطب، بل إنه فند هذه الآراء بالرد، ليبين أنها بعيدة عن الإسلام حتى أنه وصف سيد قطب بأنه (صاحب الضلال). وكانوا يطلقون عليه صاحب الظلال نسبة إلى كتابه (في ظلال القرآن)».
هنا محل الاضطراب وموضع التناقض.

إنه يقرر في الهامش الإيضاحي ـ من دون إسناد ـ أن كتاب (دعاة لا قضاة) ليس للهضيبي، وينطلق في مقدمة الحديث من أن الكتاب للهضيبي، وأن الهضيبي في هذا الكتاب ـ الذي هو له ـ قد تراجع عن الآراء الواردة في كتاب سيد قطب (معالم في الطريق) والتي كان ـ قبلاً – موافقاً عليها، بل إنه فعل أكثر من ذلك، فلقد فندها وبيّن أنها بعيدة عن الإسلام إلى حد وصف فيه سيد قطب، بأنه صاحب الضلال لا صاحب الظلال..
وقع عبدالله إمام في هذا الاضطراب والتناقض لدافع لن أقف عنده، لكيلا نبتعد عن لب موضوعنا.
وأما الكاتب عبد الرحيم علي، فلقد تعرض لما كشفه اللواء فؤاد علام في مقال له عنوانه (دولة الإخوان: أوراق من دفتر دعاة الدولة الدينية) لكنه في تعرضه له همشه، وذلك حينما قال في صدر مقاله: «ودون الدخول في تفاصيل حول المؤلف الحقيقي للكتاب: هل هو للمستشار الهضيبي أم لمجموعة من علماء الأزهر وبعض المعتدلين المتعاونين من الإخوان»، وسلم جدلاً بأن الكتاب للهضيبي.

ومع أنه سلَّم جدلاً بهذا، فقد لاحظ ـ كما لاحظ غيره – «أن اسم سيد لم يرد فيه مرة واحدة، وتركز الهجوم على الأفكار التكفيرية، ونقدها عند المفكر الإسلامي أبي الأعلى المودودي».
وشهد للكتاب بأنه أشهر وأهم المحاولات الإخوانية للتبرؤ من تداعيات ونتائج الأفكار التي دعا إليها سيد، لكن من دون تبرؤ مماثل من المفكر الإخواني ـ يعني سيد قطب – الذي أنتج هذه الأفكار. وسأل مشككاً، هل يمكن التمييز بين المودودي وسيد قطب، وهل من تناقض حقيقي بينهما؟!».
واستناداً إلى ما قالته زينب الغزالي أن حسن الهضيبي «قد قرأ كتاب معالم في الطريق، وأعاد قراءته قبل طبعه، ووافق عليه، وقال إن هذا الكتاب قد حصر أمله كله في سيد، وأنه الأمل المرتجى للدعوة»، سأل مرة أخرى، مشككاً: «هل كان الهضيبي في دعاة لا قضاة يرد على الأفكار التي يرى أن صاحبها هو الأمل المرتجى؟!».

تناقضات ونقائض وغموض

في تقديري، أن عبد الرحيم علي يميل إلى تصديق رواية اللواء فؤاد علام، بأن الكتاب ليس للهضيبي. فملاحظته وسؤالاه التشكيكيان، ينبئان بطريقة مراوغة عن هذه الميل الذي هاب أن يصرح به بوضوح، كما فعل عبدالله إمام.
وفي تقديري أيضاً، أن عبد الرحيم علي لم يحسن قراءة ما يحف بالكتاب من تناقضات ونقائض وغموض، ولم يستفد مما كشفه علام عن حقيقته.
د. رفعت السعيد في كتابه: (الإرهاب المتأسلم)، كان أشد تقية من عبد الرحيم علي، ففي مختتم عرضه لبعض ما جاء في كتاب (دعاة لا قضاة) أورد ما كشفه علام عن حقيقة هذا الكتاب، واكتفى بالقول إنها مسألة شديدة الأهمية!
علة سكوت الباحثين في تاريخ الإخوان المسلمين الذين بيّنت صفتهم فيما سبق عما كشف عنه علام، وعلة تردد عبدالرحيم علي في تبنيها، وحذر رفعت السعيد أن يقول بها هو أن فؤاد علام ذو صفة أمنية مباحثية، ومن سيتجرأ على الأخذ بروايته، يعرفون أن الإخوان المسلمين سيطعنون بهذا الأخذ، اتكاء على الصفة التي يحملها هذا الرجل، وسيرهبونه باتهامه أنه صحافي (أو مثقف) أمن دولة!
أما عبدالله إمام، فإن هذا الحكم لا ينسحب عليه، فهو أراد أن يقنع قارئه أو يوهمه بأن وجهة النظر التي تبناها أصبحت من المتواتر المقطوع به الذي نقلته جماعة عن جماعة، ولهذا السبب لم ينص على مصدره، لإنه إن نص عليه، سيتبيّن أن القائل به راوٍ واحد. وهذا الراوي روايته مجروحة لأنه رجل أمن ومباحث مكلّف تعقب نشاط الإخوان، تعقباً أمنياً.

ما يجب أن يقال أن اللواء فؤاد علام عندما كشف حقيقة كتاب (دعاة لا قضاة)، حل استشكالاً حيّر بعض الذين قدر لهم قراءة الكتاب من دون أن يقصد ذلك، فمقصده كان – عندما كشف هذا الأمر وأموراً أخرى – مجرد إيلام أعدائه الإخوان المسلمين، حد الفضح والتشنيع والتشهير، بعدما أثخنه بعضهم في بعض المؤلفات (خاصة أحمد رائف في بوابته السوداء) القائمة على حشد حكايات عن التعذيب في السجون الناصرية، والصادرة في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي. وبعدما فتّ في عضده المجلات والمنشورات الإسلامية الإخوانية، باتهامه بقتل كمال السنانيري ـ أحد أفراد النظام الخاص وزوج أمينة قطب ـ تحت التعذيب في مطلع عهد رئيس مصر السابق، حسني مبارك.
الاستشكال هو أن كتاب (دعاة لا قضاة) عبارة عن مبحث فقهي أصولي، صيغ بأسلوب المناظرة العلمية، والمطلع على نتاج الهضيبي الساذج والمحدود ـ عدداً ومضموناً ـ يعسر عليه أن يهضم أنه منشئ ذلك الكتاب الحجاجي المتين.
في قسم من بحث لي عن سيد قطب نشر في عدد سبتمبر الماضي في مجلة (المجلة)، وصفت مؤلفات الإخوان المسلمين الصادرة عن قسم نشر الدعوة بالمركز العام للإخوان المسلمين إلى مشارف الخمسينات، بأنها مؤلفات هزيلة. وللهضيبي رسالة عنوانها (دستورنا) صدرت ضمن هذا المؤلفات، لا أتردد في القول عنها، إن كانت من ضمن المؤلفات الأشد هزالاً. فرسالته هذه ورسائل أخرى، جمعت في كتاب واحد بعد رحيله، وكانت بحجم المقالات القصيرة، تنطق بأننا أمام واعظ، واعظ محدود الموهبة.

كذلك هو الأمر فيما نقل في كتب الإخوان المسلمين من تعليق له على محاضرة ألقاها سيد قطب في مطلع الخمسينيات. ومن إبداء رأي فيما اشتجر الإخوان المسلمون فيه في المعتقلات حول قضية التكفير التي تسبب في إحداثها سيد قطب بتنظيره الديني السياسي المتطرف، في فترة ما قبل الإفراج عنه وفي سنتي ما بعد الإفراج عنه، وفي فترة ما بعد إعدامه، حيث جاء كتاب (دعاة لا قضاة) في السنوات المتأخرة من الستينيات، ليفند مقولات قطب ومقولات ملهمه الفكري، أبي الأعلى المودودي ومقولات أتباعه التكفيريين الذين كان أحدهم أخاه محمد قطب. هذه المقولات كان المتضرر الأول منها في ذلك الوقت، الإخوان المسلمين الذين كانوا يمضون عقوبتهم في السجون.
إن ما كتبه الهضيبي في تلك الرسائل، وما نقل عنه في تلك المصادر، يفصح بأنه ذو قوام علمي نحيل، لا يقوى على إنشاء كتاب هو دون (دعاة لا قضاة) بكثير.



فؤاد علام: خططنا لأن نستغل جناحاً كان معارضاً إلى حد ما لفكر التكفير. ونجح الأمن في أن يدفع حسن الهضيبي من دون أن يدري لأن يصدر كتاب (نحن دعاة ولسنا قضاة).. وحقيقة الأمر، أن حسن الهضيبي لم يشارك بأي رأي أو فتوى في هذا الكتاب ولم يفعل فيه شيئاً، وإنما تم إعداده بواسطة بعض علماء الأزهر.

لقد قيل عنه: إنه قليل الكلام. وما لم يقل عنه: أن بضاعته في العلم أقل، رغم أنه قبل أن يكون مرشداً عاماً للإخوان المسلمين، كان مستشاراً بمحكمة النقض!
ثمة ملحوظة لا تحتاج إلى إجالة نظر تستوقفك في الكتاب، وهي أنه لم يُذكر فيه اسم سيد قطب ولا اسم كتابه (معالم في الطريق)، رغم أن الكتاب كان رداً على أفكاره في هذا الكتاب، المستخلص من بعض أجزاء تفسيره (في ظلال القرآن).
استعاض الكتاب عن ذلك، بذكر اسم المودودي والإحالة إلى كتابه (المصطلحات الأربعة في القرآن الكريم)، فلقد ذكر اسم المودودي في العناوين التالية:
(بعض آراء الأستاذ المودودي). (أحكام شرعية رتبها البعض على ما قدمناه من رأي الأستاذ المودودي). (اعتراض على بعض ما قرره المودودي).

وتكرر إيراد اسم المودودي تحت العنوان الأول وتحت العنوان الثاني، ولم يذكر اسمه تحت العنوان الثالث. وكان المعني في مفردة «البعض» في العنوان الثاني، سيد قطب.
وبعد عرض مؤلفي الكتاب ما رتب البعض (المقصود سيد قطب) من كلام المودودي من نتائج وبنوا عليها أحكاماً، زعموا أنها مقتضى شريعة الله.. عرضوا لقول آخر، قالوا في تقديمه: زاد البعض. والمقصود بالبعض هنا، أتباع سيد قطب الذين زادوا على نتائجه وأحكامه الشرعية التي هي أصلاً زيادة في كلام المودودي. راجع ص 16، 18،19.
تؤكد هذه الملحوظة أن الكتاب ليس للهضيبي. وأنه ـ بالفعل ـ كان وراءه جهاز مباحث أمن الدولة، لأن هناك قراراً بعد القبض على تنظيم 65 بمنع كتب سيد قطب ومنع كتب أخيه محمد قطب. وحظر ذكر اسم الأخ الأكبر. وبسبب هذا القرار لجأ بعض دارسي الأدب الذين أعادوا طباعة كتبهم، (وكان اسم سيد قطب مذكوراً فيها أيام كان ناقداً أدبياً)، إبان قرار الحظر، إما إلى حذف الصفحات المذكور فيها اسمه، وإما الإشارة إلى اسمه من بعيد، كـ (محرر الرسالة) أو (كاتب الرسالة)، بحكم أن له صلة تحريرية بمجلة (الرسالة)، وأنه كان من كتابها المشهورين.

وتنفيذاً لهذا القرار، لم ينشر اسمه ولا أسماء القادة الآخرين في كتاب (رأي الدين في إخوان الشيطان) الصادر عن مجلة (منبر الإسلام) التابعة للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في سنة 1965، بمناسبة اكتشاف التنظيم الجديد للإخوان المسلمين الذي قاده سيد قطب، والقبض على أعضائه. وقد تقدم الأسماء المشاركة في الكتاب شيخ الأزهر أنذاك حسن مأمون، التي توزعت ما بين مشايخ وكتبة إسلاميين وصحافيين وأديبة ومحامية وشاعر ورسام كاريكاتير!
وقد لاحظت أن اسم سيد قطب ذكر في مقالين أو ثلاثة في مجلة (الكاتب) نشرت سنة 1965، وربما هذا يرجع إلى أن هذه المجلة كانت منبراً غير رسمي، يجمع بعض المثقفين اليساريين الموالين لحكم جمال عبدالناصر. بطبيعة الحال، فإن جهاز أمن الدولة، سيكون أشد من الآخرين في تنفيذ قرار حظر ذكر اسم سيد قطب غير أن جهاز أمن الدولة، وكذلك الأزهر، جابه معضلة هي كالتالي: الكتاب مكرس للرد على أفكار صاحب الاسم والكتاب المحظور، فكيف يرد عليه من دون أن يذكر اسمه واسم كتابه، ومن دون إيماءة، تشير إلى اسمه واسم كتابه من بعيد.
ولقد اهتدوا إلى حل المعضلة، وذلك بالرد عليه بواسطة الرد على المودودي وبالاسم، على اعتبار أن المودودي وكتابه (المصطلحات الأربعة في القرآن الكريم) مصدر كتابه (معالم في الطريق).
ويلحظ – تفريعاً للملحوظة السابقة الخاصة بالطريقة التي تم فيها التعامل مع اسم المودودي ومع اسم كتابه (المصطلحات الأربعة)- أن مؤلفي الكتاب ذكروا اسمه – مع احتساب ذكر اسمه في العناوين الجانبية الثلاث – خمس مرات فقط وذكروا اسمه كتابه، مرة واحدة!!

ساعد على كتابة “دعاة لا قضاة” بهذا الأسلوب الذي لم يعهد عن الإخوان المسلمين حتى عند المتفقهين منهم في سنوات الثلاثينات والأربعينات والخمسينات والستينات من القرن الماضي، أن الذين كتبوه هم جهة علمية رسمية، متمرسة في أساليب الجدل اللغوي والفقهي والأصولي (أو الكلامي).. هذه الجهة هي ثلّة من علماء الأزهر.

وقد ذكروا اسمه في صفحات متقدمة من الكتاب هي (الصفحة السادسة عشرة والثامنة عشرة والتاسعة عشرة) ولم يرد اسمه مرة أخرى في صفحات الكتاب المتبقية، والتي يبلغ عددها مائة واثنتين من الصفحات!
علام تدل طريقة التعامل هذه مع اسم المودودي واسم كتابه؟ تدل على أنهم تعاملوا مع اسمه واسم كتابه اضطراراً، وكانوا حريصين – كل الحرص- أن يحصروا ذكر اسمه واسم كتابه في أضيق نطاق ممكن، ويتخلصوا من ذكرهما في بقية صفحات الكتاب.
وهذا يشير إلى أن الحظر شمل اسم المودودي وأسماء كتبه، لكن الحاجة أجبرتهم على ذكر اسمه واسم كتابه، استناداً إلى قاعدة فقهية معروفة، وهي أن الضرورات تبيح المحظورات. والحق يقال؛ إنهم لم (يتوسعوا) في استعمال هذه القاعدة!

حجج فقهية وأصولية

هناك ملحوظة تقطع بأن الكتاب ليس للهضيبي. هذه الملحوظة هي أن الكتاب كتب بأسلوب علمي صرف ناشف، أسلوب يستهدف الزام الخصم المُنَاظر (بضم الميم وفتح الظاء) بالتسليم، وذلك من خلال حصره ومحاصرته بحجج فقهية وأصولية دامغة.

ساعد على كتابة هذا الكتاب بهذا الأسلوب الذي لم يعهد عن الإخوان المسلمين حتى عند المتفقهين منهم في سنوات الثلاثينات والأربعينات والخمسينات والستينات من القرن الماضي، أن الذين كتبوه هم جهة علمية رسمية، متمرسة في أساليب الجدل اللغوي والفقهي والأصولي (أو الكلامي).
هذه الجهة هي ثلّة من علماء الأزهر.
والأزهر وعلماؤه هم – حقيقة – كانوا مهيئين روحياً وعقلياً ونفعياً وقبل ذلك علمياً، أن يكتبوا الكتاب بذلك الأسلوب التقريري الصرف الناشف. هذا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار طبيعة العلاقة ما بين الأزهر وجماعة الإخوان المسلمين ما قبل منتصف القرن الماضي وما بعدها، بما يزيد قليلاً عن عقدين.

فالأزهر وعلماؤه كانوا يختلفون مع دعوة جماعة الإخوان المسلمين ومع طريقتهم في الدعوة، منذ أن نمت الجماعة.
واختلافهم هذا لا يستمد أسبابه – بوصفهم تابعين للدولة – من تردي علاقة الجماعة بالقصر في أخريات العهد الملكي، ولا من استفحال الصراع على السلطة ما بين ضباط الثورة والجماعة، الذي أعقبه بطش ضباط الثورة بها.
إننا إن وضعنا تلك العلاقة في سياقها الزمني أو في إطارها التاريخي، سنجد أنها تتعدى الاختلاف إلى النفرة من قبل الازهر وعلماؤه، فجماعة الإخوان المسلمين بعد أن اشتد عودها صارت تنافسهم وتزاحمهم على مجال يرون أنه هو مجالهم، ولا يسع أحد أن ينافسهم فيه ويزاحمهم عليه. وأعني به المجال الديني بما يختلط به من سلطة سياسية وهيمنة اجتماعية ومنافع اقتصادية.

منافسة فمزاحمة فاستحواذ

هذه الجماعة التي تزحف إلى المجال الديني، بغرض المنافسة والمزاحمة ثم الاستحواذ، كانت مستجدة على هذا المجال وليست لها تقاليد عتيقة وراسخة كما هو الحال في الأزهر، ومعظم الأسماء فيها كانت قادمة من تعليم مدني وزعيمهم كان أفندياً متحصلا على تعليمه من دار العلوم، ويعمل مدرسا في التعليم الابتدائي، ولم يكن شيخاً في الدين، لذا كان الأزهر وعلماؤه ينظرون إليهم بقدر كبير من التعالي العلمي.
كما أن دعوة الإخوان المسلمين ليست جزءاً داخلياً من كيان الأزهر، بل هم جسم ولد خارج رحمه، ونما وترعرع وكبر بمعزل عن عنايته ورعايته، وبعيداً عن سلطته ونفوذه.
ويجب ألا نغفل أن الأزهر، علماءً وطلاباً في المنتصف الأول من القرن الماضي وقبل ثورة يوليو (تموز)، كانت أعداد منهم منتمية لأحزاب سياسية خاصة حزب الوفد الذي كان يحوز على تأييد أغلبيتهم والذي دخلت جماعة الإخوان معه ومع غيره من أحزاب أخرى في صراعات حزبية، فكان من الطبيعي أن تُكّن تلك الأعداد للجماعة إحناً وعداوات حزبية.



جماعة الإخوان المسلمين التي تزحف إلى المجال الديني، بغرض المنافسة والمزاحمة ثم الاستحواذ، كانت مستجدة على هذا المجال وليست لها تقاليد عتيقة وراسخة كما هو الحال في الأزهر، ومعظم الأسماء فيها كانت قادمة من تعليم مدني وزعيمهم كان أفندياً متحصلا على تعليمه من دار العلوم، ويعمل مدرسا في التعليم الابتدائي، ولم يكن شيخاً في الدين، لذا كان الأزهر وعلماؤه ينظرون إليهم بقدر كبير من التعالي العلمي.

ويجب ألا نغفل كذلك أن كثيراً من علماء الأزهر في العهد الملكي وفي عهد الثورة إلى السنوات الأولى من حكم السادات، لم يكونوا تأثروا فكرياً وانجذبوا عاطفياً بعد، إلى الإنشاء الإسلامي الحركي المحدث، ولم يكونوا قد وقعوا بعد تحت سطوة أقاويله المطاطة ودعاويه العريضة. بمعنى أنه كان ثمة تمايز صارم بين فهم علماء الأزهر للدين، وفهم ذلك الإنشاء الحركي المحدث للدين. وللوقوف على هذا التمايز يحسن الاطلاع على التقرير الذي كتبه الشيخ محمد عبد اللطيف السبكي ـ رئيس لجنة الفتوى في الأزهر ـ في كتاب (معالم في الطريق)، وذلك بناءً على طلب من شيخ الأزهر، حسن مأمون.

كانت هناك علاقة تحالف متينة تربط المرشد حسن الهضيبي بسيد قطب منذ أن انضم الأخير إلى جماعة الإخوان المسلمين، والتي كان من بين أسبابها، أن الهضيبي مجرد من المواهب التي كان يتمتع بها سلفه المرشد الأول حسن البنا. وسيد قطب لا جدل حول موهبته الثقافية والتنظيرية والكتابية، لذا كان الهضيبي يتوكأ عليه. ولأن سيد قطب كان منتسباً مستجداً للجماعة، ويشغل منصباً متوسطاً فيها، فلقد كان يستند كلية إلى الهضيبي، بحكم أن الهضيبي يتولى منصب المرشد العام، وكان الهضيبي يوفر له الغطاء السياسي الشرعي اللازم في مواجهة قياديين آخرين. ومن بين أسباب التحالف أيضاً، أن كليهما كان يضمر العداوة لعبد الناصر ولضباط الثورة، دافعها كان مختلفاً عند الاثنين.
ولأن الهضيبي كان شخصية ضعيفة ومجرد من أية مواهب، يفترض أن تكون متوفرة في القائد، كان سيد يبالغ في إظهار الاحترام والتوقير له وفي إعلان امتثاليته لأوامره، مما زاده قرباً على قرب، لقلب الهضيبي وعقله. وكان سيد يفعل ذلك ليصعد قيادياً، وليكون هو موجهه النفسي والفكري.

يقول أحمد عبدالمجيد صاحب كتاب (الإخوان وعبدالناصر) نقلاً عن سيد قطب: “عندما شكا أعضاء مكتب الإرشاد، وهم في سجن الواحات، وكان المرشد تحت الإقامة الجبرية، من آراء سيد قطب الواردة (في ظلال القرآن) ونقلوا شكواهم وشكوى الإخوان منها في هذا السجن، للمرشد حسم الشكوى لصالح سيد قطب، فأجابهم: «ما قاله صاحب الظلال هو الحق الذي لا شك فيه»، وبدأ الإخوان بعدها يتدارسون الظلال في سجن الواحات في صورة مجموعات، بإشراف أعضاء مكتب الإرشاد، وكذلك تم نفس الشيء في سجن القناطر باستثناء البعض. وتم ذلك على اعتبار كلام المرشد موافقة على ما ورد في الظلال.. ولما سئل المرشد عن كتاب (معالم في الطريق) قال: إنه كتاب عظيم”.
وفي مسألة إحياء جماعة الإخوان المسلمين التي كان قادة الإخوان المسلمين في السجون معترضين عليها، لأنه في حالة الكشف عن التنظيم سيؤخر الإفراج عنهم، ووصل الاعتراض عند بعضهم بالتهديد بإبلاغ المباحث عنهم، فتدخل الهضيبي وحسم الجدل لصالح التنظيم الجديد، وأعطاه الإذن بالعمل لإحياء جماعة الإخوان المسلمين مرة أخرى، بطريقة ثورية وفق أفكار سيد قطب لا حسن البنا، كما صاغها في كتابه (معالم في الطريق)، ورضي لهذا التنظيم أن يكون قائده سيد قطب المفرج عنه قريباً من السجن.

فالهضيبي كان مؤيداً للأطروحة القطبية، ومؤيداً لأتباعها في صفوف الإخوان المسلمين، ودعم مشروع سيد قطب التكفيري وأسكت الأصوات المعترضة عليه، دعمه بغضاً وكراهية في ثورة يوليو. وبسبب هذا البغض كان عنده استعداد للتضحية بثلاثمائة من أعضاء التنظيم الجديد. يقول أحمد عبدالمجيد: “لما أثار (سيد قطب) معه موضوع الإخوان المخالفين لنا والسابق ذكرهم (يقصد المعترضين على التنظيم والمهدد بالإبلاغ هو صلاح شادي) قال إن فلاناً (ربما يكون فريد عبدالخالق، لأنه كان من القادة المعترضين على قيام التنظيم، وكان خارج السجن، وقد أوهمه سيد قطب أن التنظيم أوقف نشاطه) حضر إليّ عدة مرات من أجل ذلك وقال: إن هؤلاء حيودوا الجماعة في داهية، ويشكون من خطورة كتاب المعالم، فأجبته: انتو خايفين من ايه وجماعة ايه اللي انتو خايفين عليها، ما انتوا موتوها طول العشر سنين، هو انتو فاكرين اللي قدمتوه هو ده كل شيء، دا المسيحيين على خلاف بينهم مات منهم يجي ستين ألف، دا الفلاحين بيموت منهم عشرين ولا ثلاثين في أكله…»
إزاء مواقف حسن الهضيبي هذه، لنا أن نسأل: ما الذي يجعله في فترة وجيزة لا تتعدى السنتين ينقلب على سيد قطب وعلى معالمه وعلى أتباعه، وهو الذي رمى بكل ثقله لدعمهم ومؤازرتهم؟!
فبعد أن كان يقول: «ما قاله صاحب الظلال هو الحق الذي لا شك فيه» يرسل – وهو في السجن – مذكرات إلى سجناء 1954، وسجناء 1965، جاءت فيها هذه العبارة: «.. وما كنت أعلم أن صاحب الضلال غير مفهوم الجماعة»!!

الكتاب العبث

إن الكتاب يصبح بلا معنى أو هو أشبه عند الإخوان المسلمين بالعبث الذي لا جدوى منه، حينما نتعرف على الحقائق التالية:
الأولى: ثمة شباب متدين في الإسكندرية والقاهرة بعد توجيه جمال عبدالناصر ضربته لتنظيم 65، لا صلة لهم بهذا التنظيم ولا بالجماعة الأم جماعة الإخوان المسلمين، اتصلوا بالهضيبي بعد الإفراج عنه سنة 1971، وكانوا متأثرين بدرجة كبيرة بسيد قطب في كتابيه: (معالم في الطريق) و(في ظلال القرآن) وبكتابي أخيه محمد قطب: (هل نحن مسلمون؟) و(جاهلية القرن العشرين) وبكتب اللبناني القطبي فتحي يكن، وكتب السوري القطبي سعيد حوى، اتصلوا به عن طريق زينب الغزالي، وبارك توجههم الذي يتغذّى من كتاب المعالم والذي يستهدف وصل ما انقطع من التجربة الثورية أو الانقلابية الأولى: تنظيم 1965، التي نظّر لها، وقادها سيد قطب.
هؤلاء كانوا الجماعة الإسلامية (أو تنظيم الكلية الفنية العسكرية) التي قادها الفلسطيني صالح سرية الذي كان امتداداً لتنظير وفكر سيد قطب.

من رحلة الهضيبي الى الشام في العام 1954
من رحلة الهضيبي الى الشام في العام 1954

الثانية: نشرت في مجلة (الشهاب) الإخوانية اللبنانية سنة 1972 وكانت مجلة نصف شهرية ناطقة بلسان الإخوان المسلمين ـ بعيد إطلاق سراح حسن الهضيبي بعام وما يقارب الشهرين ـ مقالة توزعت على عددين غير متتالين، تتضمن مراجعة نقدية، لينة عطوفة، واعتذارية، لمنهج سيد قطب في كتابه (معالم في الطريق) بقلم ع. أبوعزة ( اسمه عبدالله أبوعزة، وهو إخواني فلسطيني، وكان مقيماً وقتذاك في الكويت)، آثار القسم الثاني منها، نقاشاً في أعداد متتالية ومع أن كل المقالات التي نشرت كانت ضد مراجعته (مقال واحد وكان المقال الأول، أيد – فقط – فكرة الحوار في العلن حول مشكلات الحركة الإسلامية، والأغلب أن كاتبه اختفى تحت اسم مستعار)، وأن الجريدة تدخلت في مقال كتبه ع. أبو عزة رداً على النقاط التي أثيرت حول القسم الثاني من مقاله، فحذفته من الرد، وأبقت على القسم الخاص بإثبات أن سيد قطب يقول بكفر المجتمعات الإسلامية، وأن من هو ليس على منهجه، فهو كافر كفر الجاهلية الأولى، وذلك بإيراد نصوص واضحة وقاطعة من معالمه، أقول مع كل هذا، وقبيل وفاة حسن الهضيبي بستة أشهر وقرابة ثلاثة أسابيع – أعلنت المجلة، فجأة عن إغلاق النقاش حول قول سيد قطب بالجاهلية والتكفير. السر في ذلك هو أن أوامر عليا صدرت من قيادات كبرى في الإخوان المسلمين بإغلاق هذا الملف، ولم يُفتح بعدها طوال سنوات السبعينات والثمانينات في هذه المجلة ولا مجلات إسلامية غيرها، مجال لنقد سيد قطب من الناحية الفكرية.

الثالثة: بعد اكتمال الإفراج عن الإخوان المسلمين مع سنة 1974 سوقوا لكتاب (معالم في الطريق) وروجوا له – على نحو مهول – في عدد من البلدان العربية وفي مجتمعات الطلبة العرب والمسلمين في أوروبا وفي أميركا. وفي بلدان الخليج تكاد لا تخلو منه مكتبة. وقدم الكتاب، بطريقة دعائية مثيرة مغرية، وهي أنه سبب إعدام سيد قطب، وأن سيد قطب أعدم لمجرد أنه ألّفه!!
وكانوا قبلها بسنوات قليلة، وذلك حينما كانوا في السجون، يخضعون رعاياهم من سجناء 1954 وسجناء 1965، كل على حدة – كما روى أحمد عبدالمجيد – لسؤال إجباري هو: هل جمال عبدالناصر مسلم أم كافر؟ من قال هو مسلم هو ضمن الجماعة، ومن قال بكفره هو خارج الجماعة، وكذلك يكون مصير من لا يؤيد عبدالناصر والحكومة المصرية. وأن من يخالف ما ورد في كتاب (دعاة لا قضاة) – الذي هو رد على كتاب (معالم في الطريق)- يفصل من الجماعة. وقد روى أنه اتخذت قرارات فصل بهذا الشأن!

وبعد أن خرجوا من السجن، جعلوا من عبدالناصر عدواً مبيناً للإسلام، وجعلوا من الذي قال الهضيبي بحقه: أنه صاحب الضلال لا صاحب الظلال، قديس الإسلام الأكبر في عصرنا الحاضر!
الرابعة: أن كتاب (دعاة لا قضاة) الذي فرضوا على سجناء 1954 وسجناء 1965، قراءته وتدبره والإيمان بكل ما جاء فيه، لم يطبعوه إلا في وقت متأخر، في طبعة محدودة، سنة 1977 ولم يهتموا بتسويقه وترويجه حتى بالقدر الذي يوازي حتى تسويقهم وترويجهم لكتب ألفها صغار كتبة الإخوان المسلمين.
ولأنهم حدّوا من انتشاره، ولم يفرضوا قراءته والتدبر فيه والإيمان به – كما فعلوا حينما كانوا في السجون ـ على شباب الإخوان المسلمين وشباب الصحوة عموماً في البلدان العربية، لم يقرأ هؤلاء الشباب في ذروة انتشار ظاهرة الصحوة، الكتاب. فالكتاب كان في تلك الآونة، مشهورا عندهم اسماً، وقلة قليلة منهم أتيح لها أن تقرأه.

مشهور عندهم وعند غيرهم اسماً، لأن الإخوان المسلمين والمشايعين والمتعاطفين معهم يوردون في بعض كتبهم وفي بعض مقالاتهم وفي بعض أحاديثهم هذه الجملة: كتب الشهيد سيد قطب (معالم في الطريق) فرد عليه المرشد العام للإخوان المسلمين حسن الهضيبي بكتاب (دعاة لا قضاة) هكذا كانوا يلخصون ـ باجتراء كبير وبتر عظيم ـ أمر الكتابين.
يلخصونه على هذا النحو، للتفاخر والتباهي والادعاء والتدليس بأن جماعة الإخوان المسلمين فيها متسع للرأي والرأي الآخر، وفيها مجال للجدل الديني الحر، الهادئ والرفيع، والمثال على ذلك هو ما حصل ما بين زعيمها الهضيبي وأبرز مفكر فيها، سيد قطب.
وجراء هذه البروباغندا الرخيصة، اعتقد كثيرون ـ وأنا منهم ـ أن (دعاة لا قضاة) رد مباشر على كتاب سيد قطب (معالم في الطريق) وبالاسم، اسمه واسم كتابه، مع أن الأمر هو خلاف ما كنا نعتقد. فهم تعاملوا مع الكتاب شكلاً وعنواناً بوصفه حلية وزينة، تساعدهم على المراوغة لستر مضمون فكرهم ذي الطبيعة الديكتاتورية وذي الحمولة التكفيرية، ولتقديم صورة زائفة عن تاريخ الاختلاف عندهم.

مشروع شمولي

في هذا المجرى الضيق كانوا يريدون استخدام الكتاب ولا يريدون أن يستخدموه في مجال أوسع، نظراً لأن الكتاب ـ حتى في عنوانه – نقيض لمشروعهم الشمولي، الذي لا يقوم على أنهم دعاة وحسب، فهم لم يعودوا كذلك منذ أن أدخل إمامهم وصانع دعوتهم الجماعة في معترك السياسة في فترة مبكرة من تاريخها.
فمن يريدهم أن يكونوا دعاةً وحسب، وأن يردهم إلى نشأتهم الأولى، بوصفهم أرباب جمعية دينية دعوية، هو حكومة جمال عبدالناصر.
إنها كانت تقية منهم عندما سلموا بعنوان الكتاب، وبما جاء فيه من مضمون، فأعلنوا أنهم دعاة لا قضاة، وذلك للخلاص من نير السجون، وعندما خرجوا منها سعوا مجدداً إلى أن يكونوا (دعاة) و(قضاة) و(حكاماً). ولأن الكتاب في مضمونه يتناقض والمسعيين الآخرين، حدّوا من انتشاره. ونجحوا في هذا كل النجاح.



سيد قطب لا جدل حول موهبته الثقافية والتنظيرية والكتابية، لذا كان الهضيبي يتوكأ عليه. ولأن سيد قطب كان منتسباً مستجداً للجماعة، ويشغل منصباً متوسطاً فيها، فلقد كان يستند كلية إلى الهضيبي، بحكم أن الهضيبي يتولى منصب المرشد العام، وكان الهضيبي يوفر له الغطاء السياسي الشرعي اللازم في مواجهة قياديين آخرين. ومن بين أسباب التحالف أيضاً، أن كليهما كان يضمر العداوة لعبد الناصر ولضباط الثورة.

إن هتافهم، وهم في سجون النظام الناصري: نحن دعاة ولسنا بقضاة، لا يختلف بشيء عن تصريح حسن البنا المدوّي بأن قتلة النقراشي ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين!
ولو كان الهضيبي مؤلف الكتاب – أقولها افتراضاً، وإلا فأنا على يقين على أنه كان يعجز أن يأتي بمثل صفحة واحدة من الكتاب – لما كان أسلوبه بذلك القدر العالي من الصرامة العلمية والجفاف اللغوي والحياد الفكري. فحتماً سيكتبه بصيغة مختلفة جذرياً عن الصيغة التي كتب بها، إن شكلاً وإن مضموناً.
إنه لو كان هو مؤلف الكتاب، سيسلك الكتاب – على الأقل – طريق المناقشة بالحسنى. وستساق فيه التبريرات تلو التبريرات وتلمس الأعذار وانتحالها. ولن يكون الكتاب – كما هو حاله – بناءً مصمتاً من المناظرة الصلدة التي ليست فيها روح ولا عاطفة، ولا حد أدنى من الدفق الإنساني الذي توجبه الرابطة الأيديولوجية والصلة الشخصية واللحمة الحزبية، ولا أية إشارة شخصية أو معلوماتية عن الاتجاه الفكري الذي هو مناط الرد وموضع الدحض فيها.

إنه لو كان مؤلفه، لابد وأن يكون في أسلوب الكتاب قدر من الذاتية وشيء من الحنو العاطفي. فسيد قطب كانت تربطه بالهضيبي علاقة تفوق علاقته بقادة الإخوان المسلمين. فلقد كان الهضيبي رافعته السياسية وملاذه السلطوي، وبه ومن خلاله ثبت دعائم منهجه وأشاد بنيانه الفكري في أرض الإخوان المسلمين، إلى جوار بناء غير راسخ فيها وهش. هذا البناء غير الراسخ والهش هو ما يصطلح على تسميته، بالأطروحة الأساسية أو الأصلية للإخوان المسلمين.
إنه لو كان مؤلفه، لكان كتبه على نسق ما كتبه بعض كتاب الإخوان المسلمين في عقدي الثمانينات والتسعينيات من القرن الماضي، وإلى يومنا هذا، في نقد فكر سيد قطب ونقد فكر أتباعه، أصحاب الجماعات الدينية المتطرفة. وسيتخذ الصيغة التي اتخذها نقدهم. فنقدهم – وعلى رأس هؤلاء الشيخ يوسف القرضاوي – هو أقرب إلى النقد الرخو منه إلى النقد الصارم. فهو يأتي مشفوعاً بالثناء العاطر وانتحال التبريرات والاعتذارات بشتى السبل، منها ما هو ممكن عقلاً ومنها ما هو متكلف ومنها ما هو معتسف. ومن مجمل هذا النقد نستخلص أن سيد قطب وأتباعه المنقودين، حملان شاردة عن قطيع الإخوان المسلمين. وأن هذه الحملان وهذا القطيع، كان ضحية استذئاب السلطة وفتكها بهم!
في ذكريات عمر التلمساني الذي خلف الهضيبي في منصبه، والتي أعدها عصام غازي، ونشرت تحت عنوان (مذكرات لا ذكريات) في جريدة (الشرق الأوسط) في أوائل الثمانينات الميلادية وصدرت في كتاب في منتصفها، ذكر أن الهضيبي كتب كتابه (دعاة لا قضاة) مستعيناً بابنه مأمون الهضيبي ومصطفى مشهور.

وفي ما رواه فؤاد علام في كتاب (الإخوان) أن الذين شاركوا في الكتاب بعض المعتقلين من الإخوان الذين كانوا يتعاونون مع جهاز أمن الدولة مثل عبدالمتعال الجبري وسعد الدين متولي إبراهيم».
ومن جملته هذه – مع أنها ملبسة – يفهم القارئ أنهم مجموعة عدّ منهم اثنين، وبالتالي قد يكون المرشد العام الراحل مشهورا – كما ذكر التلمساني- شارك في الكتاب.
لم يحدد فؤاد علام في أي موضع من الكتاب كانت مشاركة «بعض الإخوان المعتقلين المتعاونين مع أمن الدولة»، ولأنه لم يحدد هذا الأمر، فإني أميل إلى أنها كانت في الملحق الذي جاء في آخر الكتاب في صيغة سؤال وجواب، تحت عنوان: (تساؤلات حول موضوع البحث: نحن دعاة ولسنا قضاة. وإجابات فضيلة المرشد العام على الأستاذ حسن الهضيبي رحمه الله).

رواية فؤاد علام لقصة هذا الكتاب – على ضوء ما عرضت له من أدلة ووقائع متعلقة بكل ما يحف بالكتاب – رواية صحيحة، ولم أتردد في تصديقها منذ أول مرة قرأتها، للاستشكال الذي ذكرته في فقرة متقدمة من المقال.
لأدع فؤاد علام يروي القصة بنفسه: «خططنا في ذلك الوقت لأن نستغل جناحاً كان معارضاً إلى حد ما لفكر التكفير. ونجح الأمن في أن يدفع حسن الهضيبي من دون أن يدري لأن يصدر كتاب (نحن دعاة ولسنا قضاة).. وحقيقة الأمر، أن حسن الهضيبي لم يشارك بأي رأي أو فتوى في هذا الكتاب ولم يفعل فيه شيئاً، وإنما تم إعداده بواسطة بعض علماء الأزهر. ورسمنا خطة أمنية دقيقة لإدخال الأبحاث والآراء لبعض العناصر الإخوانية في ليمان طره، وكانوا يجتمعون بمأمون الهضيبي ويناقشونه ويسلمونه الأبحاث. وقام بنسبتها إلى نفسه وسلمها لوالده حسن الهضيبي على أساس أنه هو الذي قام بإعدادها. والحقيقة أنه لم تكن له أدنى علاقة بهذا الكتاب من قريب أو بعيد.. وتركنا حسن الهضيبي يسرب الكتاب إلى خارج السجن من دون أن يشعر، وسهلنا عملية طبعه ونشره. وسيفاجأ الإخوان بهذه المعلومات التي تذاع لأول مرة”.
لقد قبل الهضيبي بهذا التدليس، ورضي أن يضع اسمه على كتاب يردُّ على أفكار هو دعمها ويؤمن بها لغاية براغماتية، لأنه كان بحاجة ماسة ليثبت أهليته أمام زمر من الإخوان، كانت لا ترى فيه التأهيل العلمي المطلوب، ولا أنه يحمل مؤهلات شخصية ذات بال.
وساعد على قبوله ورضاه هذه، أن من يعرف حقيقة الأمر، ابنه وحلقة ضيقة من المقربين منه الذين يطيعونه طاعة عمياء.

دعوة تكفيرية

إن سيد قطب لو لم يورث له أتباعاً كثراً، خاصة من تنظيم 1965، الذين استمروا في بث دعوته التكفيرية في السجون، وزادوا فيها تكفيراً على تكفير، لمَ تجشم جهاز أمن الدولة تكليف علماء من الأزهر عناء الرد. ولظلت حكومة عبدالناصر على سياستها في إهمال سيد قطب وكتبه إهمالاً تاماً، لمحو اسمه واسم كتبه – حتى ما كان منها أدبياً – من الوجود.
الغاية التي من أجلها خطط جهاز أمن الدولة، بطريقة مؤامرتية، أن يصنع هذا الرد، ويحمل اسم الهضيبي، غاية محض أمنية حتى لا يتكرر تنظيم 1965، مرة أخرى. لكن هذه الغاية أخفقت أيما إخفاق، والشاهد على ذلك تناسل التنظيمات الدينية المتطرفة كما الأرانب منذ مهد سبعينات القرن الماضي.
طباعة الإخوان المسلمين لكتاب (دعاة لا قضاة) بعد بضع سنين من الإفراج عن الهضيبي ومن وفاته، يدل دلالة ساطعة على أن الهضيبي قبل وفاته، لم يحرص على طباعته في كتاب عام موجّه للناس. لأن هواه كان مع معالم سيد قطب وليس مع الكتاب الذي أُلِّف له.



ساعد على كتابة “دعاة لا قضاة”، المنسوب للهضيبي، بهذا الأسلوب الذي لم يعهد عن الإخوان المسلمين حتى عند المتفقهين منهم في سنوات الثلاثينات والأربعينات والخمسينات والستينات من القرن الماضي، أن الذين كتبوه هم جهة علمية رسمية، متمرسة في أساليب الجدل اللغوي والفقهي والأصولي (أو الكلامي).. هذه الجهة هي ثلّة من علماء الأزهر.

كذلك كان موقف قادة الإخوان المسلمين المنطلق من السبب نفسه. فالمرحلة – كما قدّروا وصحّ تقديرهم ـ مرحلة سيد قطب، إذ أن كتبه الإسلامية وحكاية تحوله من ناقد أدبي إلى كاتب إسلامي، وحكاية ابتعاثه لأميركا ورفضه لقيم المجتمع الأميركي والحياة الأميركية، وما نسجه هو وهم من بعده من أكاذيب حول هذه الحكاية، والسبب الذي عزو إليه قرار إعدامه، هي قضايا ستكفل الدعاية الكبرى لها وانتشار دعوتهم مجدداً وفي الوقت نفسه ستحقق لهم الثأر من جمال عبدالناصر ومن نظامه. وكانوا مجمعين على أن كتاب (دعاة لاقضاة) صفحة من الماضي يجب أن تُمحى، وأن لا يجري ذكرها حتى لا يعلم بها أحد. فالذين كانوا يعلمون بأمر الكتاب وتداولوا نسخه المطبوعة، المؤرخة بثاني شهر من سنة 1969، هم ـ فقط – سجناء 1954 وسجناء 1965. وبحسب شهادة فؤاد علام، فإن جهاز أمن الدولة سهّل أمر طباعته، من حيث لا يشعر الإخوان المسلمون غير المتعاونين مع جهاز أمن الدولة بما يجري حولهم، وسهّل ـ أيضاً ـ تسريبه للإخوانيين الذين هم خارج السجن.

وبما أن من كان يعلم بأمره هم ـ فقط – الإخوان المسلمين، نزلاء المعتقلات الناصرية، فقد كان متيسراً طي تلك الصفحة ومحوها. ولنلاحظ أنه حتى الذين رفضوا ما جاء في الكتاب وقالوا بكفر جمال عبدالناصر حينما كانوا في السجن، كشكري مصطفى ومحمد قطب إلخ.. لم يشنعوا على الكتاب بعد خروجهم من السجن، ولم تتناوله الجماعات والتنظيمات الدينية المصرية الخارجة من معطف سيد قطب في كتابه المعالم، في رسائلها لا من قريب ولا من بعيد في المنتصف الأول من عقد السبعينات. ولم يتم الحديث عنه إلا في وقت متأخر، وهو سنة 1991، وذلك حينما قدم أحمد عبدالمجيد ـ أحد قياديي تنظيم 1965 ـ شهادته عن إنشاء التنظيم وتجربته في السجن في كتابه (الإخوان وعبدالناصر).
ولتبيان نجاحهم في طي تلك الصفحة ومحوها، برغم بعض التسريبات لنسخ من الكتاب التي كانت متداولة بين مساجين الإخوان المسلمين في مصر، أذكر أن الإخوان المسلمين من غير المصريين، كانوا يجهلون أن ثمّة كتاب يرد على معالم سيد قطب، موقع باسم الهضيبي.

فبحسب كلام لعبدالله أبوعزة ـ وكان في وقت مضى قيادياً في تنظيم الإخوان المسلمين الفلسطينيين ـ في لقاء أجراه معه عزام التميمي في قناة الحوار، أنه اطلع على نسخة من الكتاب في مؤتمر إخواني عُقد في عمّان سنة 1973، أحضرها معه أحد الإخوان المسلمين من مصر، والذي كان من ضمن المسجونين.
وبرغم هذا التسريب المحدود، فإنه تم التكتم التام على الكتاب، ولم يعرف بخبره إلا نفر قليل من قادة الإخوان المسلمين من غير المصريين. وهؤلاء ـ التزاماً بالأوامر الصادرة لهم ـ أمسكوا عن الحديث عن هذا الكتاب حتى لدى أبناء ملتهم من الإخوان المسلمين والصحويين عامة، الذين لا يعلمون شيئاً عن هذا الخبر.
كلام عبدالله ابو عزة الذي تضمن تلك المعلومة جاء تصحيحاً لانطباع خاطئ عن د. عزام التميمي. فعبدالله عزام كان يعتقد أن كتاب “دعاة لاقضاة” تلا بسنوات نقد أبو عزة لسيد قطب. يعتقد بهذا، رغم أنه من يفاعته في مطلع السبعينات في بلد إقامته الكويت، نشأ على فكر الصحوة.

إن هذا الانطباع الخاطئ ينطق بأنه ـ كما شاء له الإخوان المسلمون ـ سمع بالكتاب لكنه لم يقرأه. فلو قرأه سيعرف أن تاريخ كتابته كانت في آخر سنة من عقد الستينات.
تلك الصفحة التي كان يجب أن تطوَى، لأن فيها إصبعاً لنظام عبدالناصر، ولأنها غير مفيدة لهم في مرحلة ما بعد السجن، أرغموا على بحثها على نطاق ضيق، فطبعوا الكتاب سنة 1977، وهم مكرهون على طباعته. ذلك أنهم في سنة طباعته ـ كما حدثنا ناشره ـ: “إذا بنا نفاجأ بمقالات تكررت في الصحف عن جماعات الهجرة (يقصد جماعة التكفير والهجرة). تغالي في أمرها (!) وتهوّل من مخاطرها (!). ولعل القصد من ذلك محاولات حاقدة لتنفير الناس من الدعاة إلى شرع الله”.
فالباعث الأصلي ـ وقبل أن يتطور إلى بواعث أخر، وهي التي ألمحت إليها في كلام سابق ـ هو (التهوين) من أمر جماعة التكفير والهجرة، و(التقليل) من مخاطرها ردّاً على مقالات (تغالي) (!) وتهوّل (!) والتي هي ليست سوى (محاولات حاقدة) لتنفير الناس من الإخوان المسلمين، (الدعاة إلى شرع الله).
إن الناشر، وبما يخالف مضمون الكتاب ومع صعود موجة التطرف الديني في مصر، يفهم القضية ويفسرها على النحو الحدّي:
هناك جماعة غايتها ومبتغاها الدعوة إلى شرع الله، وهم مع أنه لم يصرح بهم ـ الإخوان المسلمون. وهناك فئة حاقدة على الدعوة إلى شرع الله. وهناك سواد أعظم تسعى الجماعة إلى هدايته إلى شرع الله، وتستهدفه الفئة الحاقدة بصرفه عن شرع الله وتنفيره من الدعاة إليه.

إنها لمفارقة ساخرة أن يكتب قطبي مقدمة لكتاب أنشئ للرد على فكر سيد قطب في معالمه والرد على أفكار أتباعه في السجن!
وبما أن الإخوان المسلمين لا يبتغون سوى الدعوة إلى شرع الله، وهم عباده الصالحون، فهم مبتلون قبل غيرهم.
و”مما أبتلي به الإخوان في سجونهم ومعتقلاتهم، ما أظهره البعض من رأي نادى بتكفير المسلمين أو التشكك في حقيقة إسلامهم وإيمانهم”.
وبالمناسبة، هذه هي الرواية التي يجمع عليها الإخوان المسلمون في نشأة التكفير في صفوفهم، وإن كان كثير منهم يعزون نشأتها لسبب ظاهر في (دنيويته)، وهو التعذيب – بما فوق طاقة البشر- الذي تعرض له الإخوان المسلمون في المعتقلات الناصرية.

المستشار الهضيبي مع جمال عبد الناصر
المستشار الهضيبي مع جمال عبد الناصر

“ولقد سارع الإخوان ـ رغم قسوة سجنهم ومعتقلاتهم ـ إلى تصحيح هذا الفهم. لا رهبة من أحد ولا زلفى لأحد سوى الواحد الأحد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. وقال مرشدهم ـ آنذاك ـ الأستاذ حسن إسماعيل الهضيبي ـ رضوان الله عليه ـ ردّاً على تلك الدعوى كلمته الجامعة التي حدّدت طريق الإخوان المسلمين وعبرت عن منهجهم وصورت مهمتهم: (نحن دعاة ولسنا قضاة). وأشرف ـ رحمه الله ـ على وضع أبحاث في عقيدة أهل السنة في الموضوعات التي أثار حولها أصحاب تلك الدعوى شبهات.

وكان من فضل الله ورحمته أن جعل فيها الشفاء، فهدأت الخواطر واطمأنت النفوس بعد أن لاح الحق وانتفت الشبهات”.
بما أن دعوى التكفير كانت مما ابتلى الله الإخوان به في السجون والمعتقلات، وبما أن الله قيّض حسن الهضيبي للرد عليها بكلمته الجامعة (نحن دعاة ولسنا قضاة)، وبالإشراف على وضع أبحاث تبين عقيدة أهل السنة في الموضوعات التي أثار حولها أصحاب تلك الدعوى شبهات. وبما أن الله جعل في تلك الأبحاث الشفاء، فهدأت الخواطر واطمأنت النفوس، وانتفت الشبهات. و”كان الواضح أن أمر تلك الفتنة قد انقضى”. فلم لا تكتفي الحكومة المصرية بالكتاب الذي أشرف على وضعه الهضيبي، والذي فيه فصل الخطاب، والعلاج الشافي، ولا تلتفت إلى المحاولات الحاقدة التي تغالي في أمر جماعة التكفير والهجرة وتهول من مخاطرها. هذا ما حوّم حوله السطران الأخيران مما اقتبسته من مقدمة الناشر. وكان من ضمن ما اقتبسته ومن المقدمة بأكملها ما يلي:

أن دعوى التكفير التي تفشت بينهم ليس سببها التطور الأخير لفكر سيد قطب، ولا المسؤول عنه الإخوان المسلمون، وإنما هو ابتلاء من الله ليختبر عباده الصالحين، الإخوان المسلمين.
بادر الإخوان المسلمون من عند أنفسهم لاحتواء دعوى التكفير بدحضها، وقد أكد هذه المبادرة بكلمات قوية، مما يشير من طرف خفي إلى أنها لم تكن مبادرة داخلية، وإنما إلزام خارجي.
ادّعى أن فتنة التكفير قضي عليها بواسطة كلمة الهضيبي الجامعة، وبالبحث الذي أشرف على وضعه. وهو أمر غير صحيح، فمصر ـ منذ مهد السبعينات ـ كانت تغص بتنظيمات وجماعات تقوم على تكفير المسلمين.
خلت المقدمة من أية إشارة تفيد أن الكتاب كان ردّاً على سيد قطب في معالمه ومن أية إشارة لسيد قطب.

أن المقدمة نصت على أن الكتاب كتبت أبحاثه تحت إشراف الهضيبي مع أن غلاف الكتاب الخارجي وغلافه الداخلي لا يقولان بهذا، فعنوانه يقول بالآتي: (دعاة لا قضاة: أبحاث في العقيدة الإسلامية والدعوة إلى الله) للأستاذ حسن اسماعيل الهضيبي، المرشد العام للإخوان المسلمين. فالعنوان ـ كما نرى ـ يقول بأن مؤلف الكتاب الهضيبي ولم يقل بأنه ألف أو وضع تحت إشرافه.
نصت المقدمة على أن جملة “نحن دعاة ولسنا قضاة” قالها الهضيبي، ولم تنص على أنها وضعت تحت إشرافه!
إن النظام الناصري، لطبيعته البوليسية وعقيدته الشمولية – كما مر بنا – أصدر قراراً يحظر اسم سيد قطب، وبمقتضى هذا القرار لم يذكر مؤلفو الكتاب الحقيقون اسمه، ولو كان النظام الناصري مع طبيعته تلك وسّع من أفقه قليلاً، وسمح أن يكون الرد رداً مباشراً على سيد قطب وعلى معالمه، بالنص على اسمه وعلى إيراد نصوص من كتابه، لتعذّر على الإخوان المسلمين أن يطبعوا الكتاب سنة 1977، مع أنه استجد عليهم ظرف يحتم طباعته، ولما كانوا أتحفونا بتلك المقدمة الملتوية والتي ليست من الصدق بشيء.

Previous ArticleNext Article
علي العميم
كاتب وصحافي وناقد ومؤرخ سعودي عمل صحافياً في مجلة اليمامة، زاول الكتابة في الجرائد التالية: الرياض، اليوم، والاقتصادية. عمل صحافياً متفرغاً في جريدة الشرق الأوسط. من مؤلفاته "شيء من النقد شيء من التاريخ: آراء في الحداثة والصحوة وفي الليبرالية واليسار" و عبدالله النفيسي: الرجل، الفكرة، التقلبات: سيرة غير تبجيلية" و العلمانية والممانعة الإسلامية: محاورات في النهضة والحداثة".

1 Comment

  1. مقال رائع قرأته فوجدت متعة في قراءته …. مع أني احتفظ في حقي. الاختلاف مع الكاتب في بعض الامور

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.