بين أرواح أفلاطون وأميّة الأسواني - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

بانوراما, مدوّنات

بين أرواح أفلاطون وأميّة الأسواني

أفلاطون
أفلاطون
أفلاطون

قبل بضعة أسابيع كنا على موعد مع معمعة سياسية من النوع الرفيع في الشقيقة الكبرى مصر، ابتدأت مع الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس مرسي في معركته مع الجناح القضائي، مرورا بالاعتصامات المليونية والتي عمدت أمام العيان لتؤكد أن مصر الجديدة لن تسقط بسهولة في براثن استبداد جديد بعد أن جربت سمية لدغته إبان حكم العسكر والذي استمر لعقود.

أخذت هذه المعمعة منحا جديدا أكثر أرثوذكسية في الدول الديمقراطية عندما عهد بإقرار الدستور لصوت الشارع، حيث عماد ومحك التجربة الديمقراطية.. وهنا فجر علاء الأسواني الليبرالي المصري المعروف قنبلة من العيار الثقيل عندما طالب باستبعاد الأميين من حق التصويت على الدستور وهم ثلث الناخبين في مصر تقريبا، تصاعدت ردود أفعال لاذعة جدا اتهمته بالعنصرية والفئوية، ورد عليه الناشط عزت أمين قائلاً: “ما الأميين بني آدميين برضه يادكتور” ، وقال ماهر محمود “على كده يا دكتور علاء لو عباس العقاد عايش كنت هتمنعه من التصويت لأنه لم يحصل على شهادة”. وهي وجهات نظر تؤكد على الحقوق الطبيعية للإنسان بمجرد كونه إنساناً، كما الفلسفة التي انتشرت وعمدت في العصر الأنواري الأوروبي.

ماذا حدث بعد ذلك؟

حدث السيناريو الذي تنبأ به الأسواني تماما، وربح الإخوان التصويت الدستوري اعتمادا على أصوات الأميين والفقراء وارتفعت أصوات تشكك في جدوى الديمقراطية عند شعب يفتقر للتعليم. وهذه النظرة الفئوية التقسيمية للبشر ليست بدعة جديدة بل هي قديمة قدم أفلاطون وموجودة في التراث الإسلامي بنظرية أهل الحل والعقد، كما وجدت في الإقطاعيات الأوروبية بأشكال مختلفة حتى وضعت لها الثورة الفرنسية حدا بتجسيد ديمقراطية روسو الممثلة لإرادة الشعب.

علاء الأسواني
علاء الأسواني

أفلاطون في جمهوريته قسم البشر إلى ثلاثة أصناف، الفلاسفة وهم أصحاب الأرواح الذهبية ممن عرفوا الحقيقة الموجودة في عالم المثل، والمحاربون والأبطال العسكريون وهم من ذوي الأرواح الفضية وبقية العامة والرعاع أهل الأرواح البرونزية. وقسم أنظمة الحكم بناء على “من يحكم” إلى أرستقراطية يحكم بها الفلاسفة وهو نظام الحكم الأمثل حيث أن ورعهم ومعرفتهم للحقيقة ستحول دون فسادهم وطغيانهمـ وهو مفهوم يختلف عن الأرستقراطية الإقطاعية النبيلة التي نشأت في أوروبا لاحقا، أما التيموقراطية “Timocracy” فتنحدر إلى حكم المحاربين من ذوي الروح الفضية وهم محبون للعنف والفتوحات العسكرية وأكثر قابلية للفساد والانغماس في الملذات مما سيحيلها لأوليغارشية يملك فيها القلة غالبية موارد الدولة والديمقراطية قال عنها إنها ابنة الأناركية الفوضوية، حيث يفعل العامة ما يريدون ومن يختارونه لن يكون الأفضل وستتم مساواة غير المتساوين من البشر.. وإنها ستؤدي للطغيان بسبب سهولة تضليل العامة من طبقة منتفعة تخدم مصالحها فقط.

إثبات تهافت النظرة الأفلاطونية ليس بالصعب فهي تعاني من ثغرات بينة..
فما هي آلية اختيار هولاء الفلاسفة الذهبيين؟
وماهي آلية المراقبة عليهم؟
كما هو الحال مع أي نظام للحكم.. فباستثناء الديمقراطية، كلها تعاني من إشكال واحد عميق.. ماهي الآلية التي ستضمن استمرار الوضع الحالي، بافتراض أنه “ممتاز”؟

كل نظام لاديمقراطي هو بالضرورة فئوي ويعاني من إشكال جوهري في كيفية كبح استبداد هـذه الفئة لأنها لن تراقب نفسها بنفسها.
هل يعني هـذا أن نقد أفلاطون للديمقراطية غير صحيح بغض النظر عن أخلاقياته؟
كلا.. فقد أثبتت لنا التجربة النازية بل وحكم الرعب الفرنسي الذي عقب الثورة التاريخية أن سهولة تضليل العامة بخطاب ديماغوجي هو بمثابة رمح قد يمزق خاصرة أي ديمقراطية كما قال الفيلسوف الفرنسي بنجامين كوستان في نقده للثورة الفرنسية (أي تمثيل انتخابي دون حريات مدنية وقيم ليبرالية سيكون دكتاتورية مقنعة).

كما أن الديمقراطية التمثيلية ليست في الحقيقة تجسيدا لإرادة شعب ما بل لفئة منه أقدر على التحكم بالموارد والإعلام، فالديمقراطية تعاني من مشاكل فلسفية عميقة في بنيتها ليس أسوأها أن الأقدر على الوصول للناس لحشد أصواتهم هو الأقوى ماديا ونفوذا وليس الأفضل أو الأقل فسادا ونرى هذا جليا في ديمقراطية غربية كالأميركية حيث لا يمكن واقعيا أن يفوز شخص خارج المؤسسات المليارية الجمهورية والديمقراطية مما سهل قيام تحالفات ولوبيات سياسية اقتصادية كل منها يخدم الآخر لنصل لواقع يسيطر فيه 1 في المائة من السكان على أكثر من نصف الثروة.

السر في قوة الديمقراطية حقيقة مستمد من نقطتين فحسب، الأولى هي أن الخيارات البديلة أسوأ، والثانية أخلاقية كونها النظام الوحيد الذي يلفظ الفئوية والتفرقة.

Previous ArticleNext Article
طبيب وكاتب سعودي

4 Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.