الجاثوم.. وخيالات الشياطين

خيالات الشياطين.. ثقل كامن على الجسد

خيالات الشياطين.. ثقل كامن على الجسد

هل أنس أحدكم بشرف هذا الزائر؟

هل أحسست عزيزي القارئ بأن ثقلاً كامناً على جسدك يمنعك من الحراك تماماً، يتزامن مع تشويه للواقع المحيط بك كحلم فاقد للذعته السريالية، فارضاً نفسه بين الحقيقة وما وراء الحقيقة فلا تعرف هل أنت تهلوس أم أنك تعيش أحداث لوحة جحيمية أبدعها فنان كابوسي "خفي".

عُرف هذا الزائر غير المرحب به بعشرات الأسماء، "الجاثوم" لأنه يجثم على الصدر ويشل الحركة، "العجوز الشمطاء" "old hag" لأنه صور في حكايا الميثولوجيا الغربية على أنها عجوز شمطاء تجثم على الصدر لتمتص أساس الحياة والروح من الضحية، صور على أنه شبح لطفل صغير في الميثولوجيا الهندية يريد تمزيق حلق ضحيته وشبح في الأساطير اليابانية يهاجم النيام، أو succubus شياطين الميثولوجيا اليهودية والذين يهاجمون الرجال في نومهم متنكرين بهيئة حورية حتى تسحره وتمتص طاقته الحيوية وشقيقها الذكري incubus الذي يهاجم الفتيات العذراوات وهم نيام لينجب منهم.

أما ابن سينا فقد قال عنه في كتابه الطبي "القانون": "يسمى الخانق، وقد يسمى بالعربية الجاثوم، والنيدلان. هو مرض، يحسّ فيه الإنسان عند دخوله في النوم خيالاً ثقيلاً يقع عليه، ويعصره ويضيق نفسه، فينقطع صوته وحركته، ويكاد يختنق لانسداد المسام، وإذا تقضى عنه انتبه دفعة واحدة، وهو مقدمة لإحدى العلل الثلاث: إما الصرع، وإما السكتة، وإما المانيا، وذلك إذا كان من مواد مزدحمة، ولم يكن من أسباب أخرى غير مادية".

نستطيع أن نتخيل بسهول السبب القابع وراء هذه القصص الأسطورية "الخائفة" من ظاهرة ترتعد لها الفرائص كهذه، تجربة "الجاثوم" مخيفة لحد (القتل) كما يحدث خصيصاً لمراهقي شرق آسيا، الذين يختنقون أثناء هجوم الجاثوم منها، فتم إسقاط هذا الواقع المخيف على الجن والشياطين كالعادة.

تقدم الطب الآن واختلفت النظرة العلمية بطبيعة الحال لهذا الكابوس المقيم، ما هو الجاثوم؟

طبيا يسمى "شلل النوم" (Sleep Paralysis)، وهو: اضطراب يحدث عندما يستيقظ الإنسان من النوم في أثناء مرحلة "حركة العين السريعة" أو "REM" التي تحدث بها الأحلام بينما يظل الدماغ لفترة بسيطة يعتقد أن الضحية لا يزال نائما، أثناء مرحلة حركة النوم السريعة يحدث تثبيط لحركة العضلات بالجسم حتى لا يتحرك الإنسان مستجيبا لظروف الحلم (REM Atonia)، فقد يتحرك الإنسان بشكل حاد مستجيبا لما يعتقده حقيقة بالحلم كالقفز من جبل مثلا أو الاصطدام بسيارة، ما يحدث بشلل النوم أو (الجاثوم) هو أن الإنسان يستيقظ أثناء هذه المرحلة فتحدث له هلاوس مرعبة يخالها واقعا بينما هي في الحقيقة "حلم" مشوه، والشلل المصاحب لها هو في الحقيقة التثبيط الفسيولوجي الطبيعي للعضلات المصاحب لهذه المرحلة من النوم.

تستمر هذه الظاهرة لدقائق على الأكثر، لكنها تجربة أكثر من كافية لاستجلاب المزيد من التراث الشيطاني حولها، وهي تحدث بشكل أكثر شيوعا عند سن المراهقة وتصاحب اضطرابات النوم أو الاضطرابات النفسية الأخرى.

أسطورة ميتافيزيقية أخرى ينجلي جذرها المادي مع الإبحار في أمواج العلوم.


اشترك في النقاش