• العدد الحالي
مقابلات

عبد الرحمن الراشد: إخوان مصر يمدحون تركيا ويقلدون إيران!

عبد الرحمن الراشد
عبد الرحمن الراشد
عبد الرحمن الراشد

عبد الرحمن الراشد الذي ولد في عام 1956 يقف أمام هذه السنوات العشر، وفي جعبته الإعلامية الكثير، مسيرة مخضرمة عايشت أحداث المنطقة وتقلباتها منذ الثمانينيات الميلادية حين كان مديراً لمكتب صحيفة “الجزيرة” في واشنطن، فرئيساً لتحرير مجلة “المجلة”، ثم رئيساً لتحرير صحيفة “الشرق الأوسط” نهاية التسعينيات، ومنها في سنة 2004 أصبح مديراً عاماً لقناة العربية حتى اليوم.
لايتوانى الراشد أن يقول بكل ثقة : “لولا قناة العربية لتسيد التطرف فكراً وتنظيماً على المشهد العربي”، يؤكد أن “العربية” استطاعت أن تخلق توازناً مهماً في المنطقة بعد أن كادت تسيطر عليه جماعة واحدة.
في عموده الصحافي في الشرق الأوسط، كان قلمه بمثابة مجهر لاذع لجماعة الإخوان، وحركات الإسلام السياسي، يزعجهم، يراقبهم، يحاورهم، وربما يفاجئهم أحياناً فيقول لهم: “أنتم من سيقود التغيير نحو الحداثة التي تنكرونها”.
أمام هذه التجربة الإعلامية الطويلة بكل صفحاتها وذكريات أحداثها الضخمة.. لا يبدو الراشد منهكاً، يقول بكل هدوء: “لا يوجد عندي تاريخ سفر محدد”.
في هذا الحوار الذي تنشره “المجلة” والشقيقة “الاقتصادية” بالتزامن.. نستضيف الراشد ، ونفتح معه ملفاته قديمها وجديدها.

– الثالث من شهر آذار (مارس) 2013م تكمل قناة العربية عشرة أعوام على انطلاقها، تسعة أعوام منها تحت إدارة عبد الرحمن الراشد، على ماذا استندت فلسفة الراشد (التحريرية) في إدارة القناة؟ ما القيم الصحافية والبصمة الإعلامية التي حرص الراشد على تركها؟
“العربية” أطلقت من أجل تقديم خدمة إخبارية تقوم على أسس مهنية، ويجب أن نقول ما تعرفونه جميعا إنه ليس سهلا في منطقة عربية أن تكون صحافيا، لا قوانين حقيقية تحميك، ولا مؤسسات عدلية ترعى حقوقك، وصوت الرصاص أعلى من صوت الحقيقة. “العربية” في عقدها الأول أكثر الإخباريات التي دفعت الثمن بالدم، وهي أكثر من خاض المعارك الإعلامية الشرسة الطويلة. بصمات شاشة “العربية” ظاهرة على عقول الكثيرين ضمن الجدل الفكري الكبير . حتى من لا يحب قناة العربية يعرف أنه سيطالع على شاشتها كل الأخبار وكل الآراء ضمن سياق شعارنا “أن تعرف أكثر”، وقد عرفنا المشاهدون أننا “أقرب إلى الحقيقة”.

-لا شك أن الربيع العربي أربك مواقف الكثيرين في الإعلام، الصحافة، حتى بين المثقفين وصنّاع القرار. البعض رأى موقف ( قناة العربية ) في صف الأنظمة على حساب الشعوب، ما رأيك؟
لم نرتبك بل سارت الأمور بأفضل مما كنا نتوقع، وأروع مما كنا نتمنى. هم قرروا من ارتبك ومن صمد، هكذا، كتبوا لنا تاريخنا في الماضي ويريدون أن يكتبوه اليوم، هكذا، كما قرروا من قبل أن أبطالهم أبطال للشعب العربي، بن لادن والقذافي والأسد وصالح! باعوا علينا القاعدة، كحركة إسلامية ليكتشف الإنسان العربي أنها جماعة متسلطة مؤدلجة، مثل حركة الحشاشين. باعونا حزب الله كحركة وطنية إسلامية وهو لم يكن قط لا وطنيا ولا إسلاميا، بل جماعة طائفية مستأجرة من دولة خارجية. هذه الأحكام كانت تزور على لسان الشعوب. قبل أن تسأليني في أي صف نقف أنا أسألك، من هي الشعوب ومن هم الأشرار؟ هنا نبدأ بداية صحيحة.
من منا كان ملتصقا بالأسد والقذافي وصالح ونصرالله وأحمد جبريل ونجاد، أسوأ رموز في تاريخ الأمة العربية؟ هل قناة العربية هي التي كانت تروج لهم أم غيرها؟ ومن الطبيعي أن نكون في الإعلام مثل بقية العرب في الشارع منقسمين وفق أذواقنا وتطلعاتنا، وكل واحد منا يطرب لموسيقاه.

– ما بصماتك، بصمة “العربية”؟
بعد هذه السنين والزمن السريع جدا في أحداثه والطويل ولياليه لا أريد أن أدخل في جدل هو في الحقيقة يؤكد ما قلته، أي أننا أمام آراء متعددة وأذواق مختلفة، ونحن سبب في وجودها، إنما إذا أردت أن تعرفي ما فعلته “العربية” عليك أن تتخيلي أنها لم تفعله، أي تصوري لو لم تكن هناك محطة اسمها “العربية” في السنوات العشر الماضية!
قبل صعود “العربية” كانت “القاعدة” تتسيد المشهد العربي، كانت ومن ينتمي لها يسمون الإسلاميين، وقتلاهم الشهداء، وغيرهم كفرة، وانطلت على كثيرين دعاواها مثل “اخرجوا الكفار من جزيرة العرب”. لولا “العربية” لغلبت أكاذيب سورية وحزب الله بأن السلفيين وأبو عدس هم من اغتالوا الحريري، ولولاها لم يجد عبد الحليم خدام شاشة تبث إعلان انشقاقه آنذاك. دون “العربية” كان قد استمر حسن نصرالله زعيما ترفع صوره وتردد خطبه، ودون هذه القناة ربما استمر الاحتفال بقتل عشرات الآلاف من الأبرياء المدنيين في العراق باسم محاربة الأجنبي. دون “العربية”، لا شك عندي أبدا، غلب التطرف فكرا وتنظيما في عموم المنطقة. ودونها زادت إيران هيمنتها، ولم يتحدى الجنرال السوداني عمر البشير أحدا. وربما بلا “العربية” ما كان هناك مكان لأبو مازن، وبقية المعتدلين الفلسطينيين، حيث فشلت عملية التحريض عليهم وإسقاطهم. غياب قناة مؤثرة كـ “العربية” كان سيخلق فكرا واحدا مهيمنا وجماعة واحدة.
بصماتنا موجودة في نصف العالم العربي على الأقل. وفوق هذا تأثير “العربية” تجاوز العامة من المشاهدين فقط، بل يتعداه لصناع القرار وأهل المهنة، أعرف من تجربتي أن المؤسسات الإعلامية الكبيرة تؤثر في ما وراء المشهد، وتؤثر فيمن يؤثر في المشهد أيضاً، “العربية” قاطرة تجر سلسلة طويلة من وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية وأصحاب الرأي المماثل، يهمنا أن نؤثر في الإعلاميين لا في المشاهدين فقط، وهذه كانت واحدة من بصمات “العربية”. إنها كانت قائدة لمعسكر فكري مهم، باختصار نحن المستقبل.

الكتابة الصحافية تعمق القناعة.. والتلفزيون هو المسرح وعزوفي عن الظهور تلفزيونياً ليس خوفاً بل انضباط و طبيعة وظيفتي تمنعني رسميا من المصارعة في حلبة “تويتر”

خطاب سياسي حديث

– لكن قناة الجزيرة أثرت في الساحة فكرا وموضوعا؟
لم أنف ذلك، لهذا تحدثت عن التوازن وحرب الأفكار والأخبار. الفارق أنهم سبقونا وهذا مهم تاريخيا لهم، وثانيا هم يسوقون الخطاب العربي الشعبي القديم منذ الستينيات، وهذا مهم أيضاً وسهل كذلك. نحن بدورنا قدمنا خطابنا الفكري والسياسي الحديث.. وأزعم أننا أثرنا إيجابا في “الجزيرة” نفسها، أخذ الأمر وقتا لكن يمكنك أن تلمسي الفارق، “الجزيرة” اليوم غير “الجزيرة” الأمس، شكلا وموضوعا.

– ألا يتعارض اعترافك بالتأثير والرغبة في التغيير مع مبدأ حيادية الإعلام والإعلامي؟
لا أبدا، أعتبر نفسي من المتعصبين للحيادية، وأنا تلميذ مدرستها في كل المواقع الإدارية الإعلامية التي عملت فيها. الخبر دائماً محايد في “العربية” أما الرأي فلا. مثلا، يمكن أن تأخذي مواجهات شمال مالي، نحن لا نضيف ملحا ولا فلفلا على أخبارها بل هي كما تصلنا نعيد تدويرها للمشاهد، لكن نفتح المجال واسعا للرأي، وهنا نريد المشاهد العربي أن يسمع ما لا يريده البعض أن يسمعه.

– لكن في سورية أنتم في غاية الانحياز، خبرا ورأيا؟
آخ.. لو تعرفين كم عدد ما لا نبثه كل يوم من أخبار وفيديوهات لما يجري في سورية، أنا أقول يوميا وليس شهريا، عشرات الأخبار والصور لأنه لا مكان لها، أو لأنها مروعة جدا، وهذه كلها أخبار الإنسان السوري المظلوم والملاحق. ونحن لا نمنعها رقابيا بل لأننا لا نريد إدخال الكوابيس كل ليلة إلى غرف نومكم. والأكيد في الحدث السوري ليس صعبا أن ننحاز ونكون حيادين في آن، فالحرب هناك واضحة وعادلة التصنيف، وتغطيتنا لها تسير وفق القواعد المهنية، لو أرسل لنا الأسد خطابا لبثثناه، ولو هو نفسه أعطانا حديثاً لعرضناه. هذه قواعد صحافية نؤكد للزملاء أنها لا تتعارض مع “حقهم” في التعبير الفكري عنها وعن ميولهم السياسية.

– المتابع لعمودك الصحافي في جريدة “الشرق الأوسط” يعرف موقفك المعلن تجاه الإسلام السياسي، هل أثر ذلك الموقف في تغطية قناة العربية لمجريات أحداث الربيع، خاصة أن القناة تتهم بالتحيز ضد الإسلام السياسي، والإخوان بشكل خاص؟
كما ذكرت لك في البداية الإشكال ليس في الفكرة بل في المسميات. إذا اعتبرت الإخوان هم المسلمون انتهى النقاش. الإخوان فريق سياسي آخر، مثل الناصريين والقوميين والوطنيين والسلفيين وغيرهم. ونحن كوسيلة إعلامية نرفض منحهم القدسية، ونعرضهم كما نعرض منافسيهم لنفس القواعد الإعلامية، لهذا يغضب البعض عندما نسمح بنقد قرارات الرئيس مرسي أو خطابات المرشد بديع! نحن لا نقدس بديع ولا نرضى أن نلبسه جوربه.. وفي الوقت نفسه نحترم موقفه السياسي ونعطيه حقه في التعبير عنه. هل هذا تحيز ضد الإسلام؟ لا، الإسلام شيء والإخوان شيء آخر.

– يلوم البعض من المشاهدين (العرب) “العربية” عند تغطيتها للشأن السعودي تتحول إلى قناة ( سعودية حكومية ) أشبه ما تكون بالصحيفة الرسمية،. ما تعليقك؟
لحسن الحظ اليوم للتلفزيون ذاكرة لا تخيب، شاهدي الكم الهائل من تقاريرنا على “اليوتيوب” عن الفساد والفقر وشكاوى الناس، هذا ماعزز مصداقيتنا في السعودية. لكن لا تطالبينني بما هو غير معقول أو لم يحدث، فقط لأن في “تويتر” من قال وكتب.

– في قناتكم الجديدة (العربية الحدث) لم نشاهد إلا تكراراً للقناة الأم “العربية” ببرامجها وأخبارها، هل هناك خطة جديدة للقناة بالظهور بشكل آخر مختلف؟
“الحدث” شاشة إضافية، من لا يريد أخبار سوق الأسهم أو الرياضة أو برامج مثل صباح “العربية”، هنا خياره قناة الحدث. هي مخصصة للأحداث المهمة، ونقلها مباشرة ومطولة وفيها تركيز أكثر على مناطق الأحداث الساخنة مثل سورية ومصر.
ويسرني أن أقول لك إنه خلال الأسابيع المقبلة سنبدأ تفعيل “الحدث” بشخصية أكثر وضوحا شكلا وموضوعا، وأنا أعدك أن قناة الحدث ستكون أكثر ديناميكية وأغنى أخبارا.

أعتبر نفسي متعصباً للحيادية.. تغطية “العربية” لأحداث مالي مثلاً و أثرنا في “الجزيرة” إيجاباً.. “الجزيرة” اليوم غير “الجزيرة” أمس

– تصاعد الأحداث السياسية في العالم العربي دفع بها بأن تكون في مقدمة عناوين الصحف والنشرات الإخبارية العالمية، ألم يحن الوقت بأن تخاطب قناة العربية العالم بقناة أخرى ناطقة باللغة الإنجليزية؟
فعلا.. قتلنا الفكرة بحثا، فهي من حيث المبدأ معقولة، لكن إطلاق محطة بالإنجليزية فكرة غير مؤهلة للنجاح، وبالتالي نحن لا نطلق قناة تلفزيون فقط لأنها فكرة جميلة بل لا بد أن تكون قابلة للنجاح. المشروع إعلاميا وسياسيا مهم جدا إنما تكاليفها المادية مروعة.

– عبد الرحمن الراشد مدير لقناة (تلفزيونية) لكن شهرتك الحقيقية كـ (كاتب سياسي) هل تتفق مع عبارة الإعلام المرئي أكثر انتشاراً، لكن المكتوب أكثر تأثيراً؟
أتفق معك تماما. من تجربتي الشخصية.. الكتابة أفضل وسيلة للتعبير عن الرأي والتأثير. الكتابة تعمق القناعة، إنما في سبيل نشر الفكرة بشكل أسرع وأوسع، التلفزيون هو المسرح، أكثر في الحشد.

الإعلام المرئي

– دخلت باب الإعلام المرئي من أوسع أبوابه وفي اللحظة المناسبة.. وهناك من يرى أنك تركت الإعلام الورقي أيضاً في اللحظة المناسبة.. أنت ماذا تقول؟
هذا صحيح أيضاً، لكن الظروف وراء ذلك، لكن يجب أن أقول تخصصي التعليمي كان في التلفزيون، وبدأت تجربتي في الإعلام الورقي.

– طلقت الصحافة الورقية.. لكنك استمررت فيها كاتباً.. هل ما زلت تحن للورق؟
الحقيقة اختلطت الأمور، لم يعد الورق ورقا ولا التلفزيون فقط شاشة. حاليا لـ “العربية” صحف عربية وإنجليزية وحسابات تواصل “تويتر” و”فيسبوك” بأرقام فلكية من القراء والمتابعين.

– عبد الرحمن الراشد من النادرين في الظهور تلفزيونياً.. هل تخشى الخروج على الشاشة؟
لا أبدا، ليس خوفا إنما انضباط، أعتبر نفسي جنديا محترفا، امتنعت وقاومت إغراء الظهور لنحو تسع سنين بحكم طبيعة عملي كمدير للتلفزيون.

– “الحياد في الإعلام كذبة كبرى”.. هل تتفق مع هذه المقولة؟
لا، لا أتفق مع هذا التسفيه لمبادئ حقيقية. يمكن أن تقولي إن حياد الجريدة أو المحطة الفلانية كذبة كبرى، هذا ممكن لكن الفكرة بحد ذاتها لها أصول التي لا تحرم الإعلامي من حقه في التعبير عن رأيه لكنها تعطي الغير حقهم كذلك.

– أين ترى “العربية” في سماء القنوات الفضائية العربية؟ وأين ترى قناة الجزيرة؟
مدرستان.. واحدة حديثة وأخرى قديمة، وهذا ليس مدحا ولا قدحا.

– “نيويورك تايمز” في تقرير أخير لها أشارت إلى أنها حققت دخلاً من الاشتراكات (الرقمية) تجاوز الإعلانات للمرة الأولى في تاريخها، ما مدى إمكانية نجاح الـ Paywall (الدفع مقابل الحصول على المحتوى) في الصحف العربية؟
تذكري أننا مررنا بفوضى عارمة، انتقلنا من مرحلة الورق التي هي صناعة متكاملة .. تقريبا انهارت، إلى المرحلة الإلكترونية وتفرعاتها كبداية لصناعة جديدة. إنما بقي الاسم هو العلامة الفارقة، واستمرت أهمية “العلامة التجارية” أي “البراند” التي تقوم على السمعة والتاريخ والحجم. فـ “الشرق الأوسط” علامة تجارية لصحيفة مهمة في أنحاء العالم العربي، واستمر “البراند” مهما يمنح قيمة إضافية لمنتجاتها، سواء كانت ورقية أو إلكترونية أو سلسلة تغريدات. من استطاع فهم المعادلة حمى علامته التجارية في السوق الإعلامية بعد أن صارت فجأة مزدحمة بعشرات الآلاف من العلامات الطامحة إلى مقاسمة الكبار السوق، المهمة صعبة وفي النهاية تطفو على السطح المؤسسات الإعلامية الكبيرة التي تحملت ونافست وتغرق المؤسسات التي فشلت في فهم التعامل مع الثورة الإعلامية، والنجاح الإعلامي لا يقاس فقط بالسبق والتميز الصحافي بل أيضاً يقاس بالنجاح المالي، هذه حقيقة، وأنا أرى مستقبلا أكثر إشراقا صحافيا وماديا للمؤسسات الإعلامية التي تستثمر في تطوير نفسها.

قائد سفينة العربية لا يحب الظهور في التلفزيون!
قائد سفينة العربية لا يحب الظهور في التلفزيون!

– في مقال سابق لك بعنوان (تويتر لن يقتل الصحافة) تقول: “الصحيفة محتوى، وكذلك وسائل الإعلام الأخرى، أما الكيفية التي تظهر بها، فهي مجرد وسائط ستتبدل بشكل مطرد وفق تطورات التقنية وحاجات الناس” ، ألا تعتقد رأيك هذا فيه شيء من العاطفة؟
لا أبدا، الإشكال أنه اختلط على البعض فهم طبيعة المهنة، المهنة هي الصحافة، أما الورق والحبر والمطابع فوسائل. الخبر محتوى أما الحبر فوسيلة يكتب به، وكذلك رقاقة الكمبيوتر وشاشة التلفزيون، كلها وسائل أما المحتوى فهو المعلومة. أنا لا أجد فارقا.. الصحيفة ورقة أو شاشة آيباد أو تلفون جالاكسي، كلها وسائل. وأحفادك سيضحكون عليك غداً عندما يشاهدونك تكتبين بقلم على ورقة، إنه مثلما نتفرج على كتابات جدران الكهوف منذ أيام العصور القديمة. الفارق في الوقت، قبل مليون سنة كانوا يكتبون على الأحجار ونحن بعد عشرين سنة قد تختفي الأقلام.

– يحلو للبعض تسمية شبكات التواصل الاجتماعي من ( تويتر والفيسبوك) إعلاماً جديداً، وبأنها ستقضي على الإعلام التقليدي، كونك أحد المحسوبين على الإعلام التقليدي إلى أي مدى تتفق مع صحة هذا القول؟
لا.. الإعلام الجديد مصطلح أطلق على المواقع الإلكترونية التي أصبحت إعلاما قديما. لا لن يقضي أحد على إعلام قديم طالما أنه جزء من العالم الحاضر، “راديو فور” لا تزال إحدى أهم وسائل الإعلام البريطانية المؤثرة إلى اليوم، والسياسيون يقفون في الطابور يريدون مخاطبة مواطنيهم من خلالها!

– بالمناسبة.. أين أنت من “تويتر”.. ألم تعترف به حتى الآن؟
“تويتر” وسيلة إعلامية تواصلية فريدة لا أعرف لها مثيلا يمكن أن أقارنها به. اختراع مدهش حقاً. وحظي أو سوء حظي، أن طبيعة وظيفتي تمنعني رسميا من المصارعة في حلبة “تويتر”.

لن يقضي إعلام “جديد” على “قديم”.. وأعترف: تركت الإعلام الورقي في الوقت المناسب

حملات التحريض

– ما رأيك فيما أثير أخيرا بين (MBC) والداعية السعودي محمد العريفي وحملة المقاطعة التي انتشرت في مواقع التواصل الإجتماعي؟ هل ترى فعلاً أن حملات المقاطعة التي تظهر من حين لآخر تؤثر بطريقة أو بأخرى في نسبة المشاهدة، وفي العائدات المالية(الإعلانية) على القنوات؟
محاولة تغيير السوق بالقوة، مثل حملات التخويف أو التحريض، قديمة وأثبتت فشلها، عرفناها في جريدة “الشرق الأوسط” في التسعينيات، زادتنا شعبية واحتراما. هؤلاء لم يتعلموا، بدل أن تسقط مجموعة إم بي سي من خلال التشويه والتزوير والتحريض ابن محطتك واعرض بضاعتك ودع الناس تختار. نحن لم نجر الناس من رقابهم من أجل أن يشاهدونا هم الذين اختاروا بطواعية ورغبة وقناعة. وممن النقد والتشنيع؟ من شخص كان يظهر على قنوات “ماجنة” أكثر، كما يصفها! هذا منتهى الدجل والتزوير.

– ما رأيك في ظاهرة الناشطين والحقوقيين التي تجتاح منطقتنا الخليجية تحديداً؟
ظاهرة صحية، فلا يكفي أن تكون الحكومة عادلة أو تدعي أنها عادلة، لا بد أن تظهر أصوات تدفعها نحو المراجعة وتصوبها أو على الأقل تجعلها تشعر بالمسؤولية. المشكلة في الجرعة والقدرة على العلاج. أعتقد أن استيعابها يعطي النظام عمرا أطول. أعتبرها حليفا جيد للنظام الذي يعرف كيف يستفيد منها وإذا لم تستفد منها فإن أصحاب الأجندات الداخلية والخارجية هم من سيركبونها.

– ما زال الجدل حول فوز الإخوان المسلمين في مصر يشغل حيزاً كبيراً من القلق السياسي، عبد الرحمن الراشد كان له موقف اعتبره المتابعون لكتاباته (ارتباكاً) تقول في إحدى مقالاتك “علينا ألا ندع القلق يتغلب على التعامل مع الواقع الجديد بواقعية، ومن يدري فقد يكون صعود الإخوان، برلمانياً ورئاسياً، أمراً إيجابياً”، ثم وجهت خطابك للقلقين من الصعود الإخواني قائلاً: ” للمتشائمين، أو القلقين أعتقد عليهم أن يعطوا الرئيس الجديد فرصته”، ليتبدل بعدها موقفك تماماً معلنا ” مرسي أنهى الربيع المصري” هل كان من الصعب على عبد الرحمن الراشد المحلل السياسي، قراءة الأجندة السياسية للإخوان؟

قديما قلت رأيا تجاوز ذلك، قلت إنني أؤمن بأن الإسلاميين سيقودون التغيير نحو الحداثة التي هم ينكرونها، لأنهم سيكتشفون أن النظام السياسي الحديث، الديمقراطي، هو خير وسيلة للوصول إلى الحكم. وعندما فاز الإخوان في مصر، كررت نفس القول وأيدت بإعطائهم الفرصة للحكم بشرط أن يحترموا كحكام الدستور والمؤسسات. مشكلة الإخوان أنهم أسرى أيديولجيتهم، هم على حق والغير على باطل! أمامهم فرصة تاريخية أن يكونوا مثل الحزب المسيحي الديمقراطي الألماني، يشارك منذ نصف قرن في حكم ألمانيا، أو حزب العدالة والتنمية التركي الإسلامي يعمل مع الأحزاب العلمانية والوطنية.

– لكنهم شاركوا وفازوا؟
المأساة أنهم فعلوا في أربعة أشهر أسوأ مما فعله مبارك في 30 عاما. بعد فوز الإخوان سارعوا للهيمنة على مؤسسات الدولة بما يخالف الأسس الديمقراطية، استيلاؤهم على القضاء خرق صارخ للديمقراطية، خاصة أن القضاء مسؤول عن مراقبة الترشح والانتخاب والفرز الانتخابي في مصر، وبالتالي هيمنة فريق مثل الإخوان يخيف بقية الأحزاب، وكذلك الاستيلاء على منصب النائب العام يهدد بملاحقة الخصوم. القضاء ركن مستقل في أركان الديمقراطية لا يحق للحاكم إدارته، وكذلك كتابة الدستور الذي يكتبه الجميع وليس الحزب الفائز، لماذا يفاخرون بحزب العدالة الإسلامي التركي ويرفضون السير على نهجه؟ رئيس وزراء تركيا أردوغان وضع لجنة لإعادة كتابة الدستور وأعطى حزبه فيها ثلاثة مقاعد، مثلما أعطى الأحزاب الصغيرة نفس النسبة، الرئيس مرسي أعطى 80 في المائة من المقاعد لحزبه ولحليفه السلفي والبقية اختارهم من الأحزاب الأخرى! إخوان مصر يمدحون تركيا ويقلدون إيران!

– من حين لآخر تتردد الإشاعات حول قرب استقالة عبد الرحمن الراشد من “العربية”، هل سيعلن الراشد قريباً “حان وقت الرحيل” .. هل تفكر في خوض تحد إعلامي جديد؟
يخرج المدير عندما ينتهي من عمله، لا يوجد عندي تاريخ سفر محدد، بعد.

Previous ArticleNext Article
ملوك الشيخ
كاتبة ومدونة

1 Comment

  1. عبد الرحمن الراشد من كثبان الزلفي إلى قمة الإعلام العربي .. شخصية عربية فريدة وهامة إعلامية مؤثرة جداً وتستحق الإحترام.
    انا من المعجبين بمهنية واحترافية قناة العربية والتي تكاد تكون هي القناة العربية الوحيدة التي تتبنى هذا الخط الهام في مجال الإعلام فيما ما تزال قناة الجزيرة حبيسة للتيار المتشدد كقناة فوكس الأمريكية تماماً!

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.