نظرية التطور ليست مبحثًا دينيًّا!

نظرية التطور تنص أن المخلوقات الحية على مر الزمان تنحدر من أسلاف مشتركة نظرية التطور تنص أن المخلوقات الحية على مر الزمان تنحدر من أسلاف مشتركة

نظرية التطور تنص أن المخلوقات الحية على مر الزمان تنحدر من أسلاف مشتركة

لم تعانِ نظرية من تجييش آيديولوجي في تاريخ العلوم كما حصل مع نظرية التطور، النظرية التي تغوَّلت في كل شيء عبر أذرعتها الفلسفية في أصول اللغة وفلسفة الأخلاق، والفلسفات الوجودية. ارتبطت نظرية التطور بصعود العلموية كاتجاه فلسفي في القرن التاسع عشر، فجعلت صنوًا للإلحاد، وربما لازالت تستخدم كثيرًا في هذا الجانب، خصوصًا من الملحدين الُمعسكرين militant atheists، كما هو التعبير الطريف المتداول لوصف الاتجاه الإلحادي المتعصب المعادي للأديان عند مفكرين وعلماء غرب اليوم كريتشارد دوكنز وسام هاريس وغيرهم.

هذا الاقتران جعل من نظرية التطور فريسة تتقاذفها التصورات المسبقة لتنتقل من مبحث علمي إلى قضية وجود، إما نحن أو هم، من يسوق لهذه النظرية يريد هدم عرى الدين، ويهدف لنسف مركزية الإنسان في هذا الكون تمهيدًا لاستهداف مفهوم الخالق واستبعاده لتكون الطبيعة هي الرب الأوحد، والطريف هنا أن هذه الرؤية المُبتسرة المفتقرة للموضوعية جمعت بين الطرفين الأشد تطرفًا ليثبت اتفاقهما على أنهما وجهان لعملة واحدة معنية بتسييس العلوم خدمة لتصورات آيديولوجية، وكل من يعتقد أن نظرية التطور هادمة للأديان أو مضادة لها فهو واقع في هذا الشَرَك، وهو تصور تجاوزه حتى بعض المتطرفين في عدائهم للدين كريتشارد دوكنز عندما قال في مناظرته مع المسيحي لينكس: "إن نظرية التطور الداروينية لا تتعارض مع فكرة الخالق".

نظرية التطور لا تُدرس في جل دول العالم الإسلامي، وتكاد تكون معلومات المثقفين والمطَّلعين بل وحتى المتخصصين في البيولوجيا عنها ضحلة لهذا السبب، وما أشد بيانًا لهذا الجهل من العرض المخجل الذي قدمته قناة (الجزيرة)، وتلقَّفته المنتديات والأوساط العربية بالتكبير عندما تم إيجاد أحفورة (آردي) التي غيّرت في شجرة أنساب المخلوقات، وغيّرت من التصور البيولوجي للمسار التطوري للإنسان لتضعه منفصلاً عن القردة، أعلنت قناة (الجزيرة) على إثر هذا الاكتشاف أن نظرية داروين قد سقطت؛ فقد كان معد البرنامج يظن أن نظرية داروين تعني أن الإنسان متطور عن قرد، وبما أن الاكتشاف الأحفوري غيَّر هذا الترتيب، فقد سقطت النظرية كلها.. والشيء الوحيد الذي سقط هنا هو مهنية قناة (الجزيرة) التي كان يفترض بها أن تستعين بمتخصصين أكثر اطلاعًا لتغطية محفل علمي مهم كهذا، فكل ما غيّره الاكتشاف هذا هو التراتبية لتطور الإنسان، ولم يمس جوهر النظرية.

[blockquote]العدو الفلسفي الطبيعي للأديان هي الرؤى الفلسفية الإلحادية، وليست نظرية التطور التي أصبحت من المتفق عليه في عالم الجينات، الأحياء والأنثروبولوجيا اليوم.[/blockquote]

تشارلز داروين واضع تظرية التطور تشارلز داروين واضع تظرية التطور

تشارلز داروين واضع تظرية التطور



مكمن اللغط والذي سبَّب هذا العداء غير المبرر بين التطور والأديان هو في الحقيقة الفشل في التفرقة بين الذراع البيولوجي للنظرية، والذي قال به تشارلز داروين، ليتطوَّر بعد اتحاده مع قوانين الوراثة والتقدم في علم الجينات ليصل للداروينية المحدثة، وبين الاشتقاقات الفلسفية من هذه النظرية، سواء في مباحث أصل اللغة أو الأخلاق أو كسند للتصور الطبعاني الإلحادي الذي يرتكز على الداروينية فلسفيًّا، والصواب أن العدو الفلسفي الطبيعي للأديان هي الرؤى الفلسفية الإلحادية تلك، وليست نظرية التطور نفسها التي يمكن دمجها مع التصور الديني المتمحور حول الخالق خصوصًا في ظل تكاثر الأدلة التي تصب في صالح نظرية "السلف المشترك" التطورية لتصبح من المتفقات عليه في عالم الجينات، الأحياء والأنثروبولوجيا اليوم.

حول هذا الصراع التاريخي العلموي الديني والذي كانت الداروينية أحد الأسلحة المشهرة فيه، صدر إعلان من كنيسة الفاتيكان البابوية عام 2000 قال فيه كبير الأساقفة جانفرانكو رافاسي أن العداء السابق بين الداروينية والكنيسة غير مبرر، وأنها لا تناقض التصور المسيحي للخالق، حيث يتحوَّل التطور في هذا السياق لآلية أبدعها الإله لخلق المخلوقات، وتصبح أحد القوانين والسنن الكونية كالجاذبية، وقال إن الفيلسوف المسيحي توماس الإكويني أتى بذكر لتطور المخلوقات وأشكال الحياة، وأن الملحدين الذين يوظفون النظرية كسلاح ضد الدين يتحملون جزءًا من مسؤولية هذا العداء، كما قيل في ذكرى مرور مئتي عام على ولادة الداروينية أن "الاقتتال بين الدين وبينها يجب أن يتوقف، وأنه مبحث علمي بحت، فالدين محايد تجاه السنن الكونية والعلمية أيًّا كانت، ويكتفي بالإشارة لكون الله هو السّان لها، ويجيب عن الأسئلة التي تخوض في البعد المعني بـ( لماذا) تاركًا البعد المعني بـ(كيف) للعلوم".


اشترك في النقاش