روح الدين وسلطة الفقهاء - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

بانوراما, مدوّنات

روح الدين وسلطة الفقهاء

كيف يصبح "الرمز الديني" مطية لتعبئة الجماهير وحشدهم
يتحول الدين إلى أداة قمعية عندما يتجسد على شكل الدولة الحديثة.
يتحول الدين إلى أداة قمعية عندما يتجسد على شكل الدولة الحديثة.

بينما كنت أمارس هوايتي المعتادة وأنا مع مجموعة من الأصدقاء -الشرود- استوقفتني محادثة ظريفة، تمحورت حول التندر بالرأي الفقهي الذي يقول بعدم وجوب أن يشتري الرجل كفنًا لزوجته بعد وفاتها، وأنها ليست من أوجه النفقة الواجبة عليه، علامات من الدهشة والاستهجان تبعها استحضار لموقف بعض العلماء من عدم وجوب أن يتكفل الزوج بعلاج زوجته لو مرضت حتى مع قدرته، مما فتح الباب أمام الأسطوانات الحقوقية المعتادة التي تسخر من مفهوم القوامة في ظل غياب إلزام صاحب القوامة بمسؤولية بدهية كعلاج “رعيته” إذا مرضوا، وانتهت المحادثة باستحضار مقولة ابن قدامة في المغني في باب النفقة: “ولا يجب عليه شراء الأدوية ولا أجرة الطبيب؛ لأنه يراد لإصلاح الجسم، فلا يلزمه كما لا يلزم المستأجر بناء ما يقع من الدار وحفظ أصولها”.

بينما كانت الابتسامة ترتسم على وجهي مجبرًا وأنا أتخيل ردة فعل أي نسوية حقوقية غاضبة “منكوشة الشعر” عندما تسمع تشبيه المرأة بالمبنى المؤجر! استوقفت نفسي متسائلاً: هل الموقف الفقهي هذا مخطئ حقًّا ؟
يقول الفيلسوف الألماني “هيدغر”: إن التفكير لا يبدأ إلا إذا كان نقديًّا، وبعد افتراض أن كل المسلمات التي تراكمت لتصلك جاهزة بلهاء حتى يثبت العكس! وعليه فيجب تمرين العقل على عدم قبولها دون تمحيص كاف، حتى وإن تمترست خلف التحضر والتقدم، الفقهاء هنا لم يخطئوا! بل كان استنباطهم للحكم من النصوص على درجة عالية من الحرفية، كأني أقرأ لأحد القانونيين المعاصرين عند خط بند قانوني استنادًا على تشريع برلماني وأرضية دستورية.
هنا توقفت عند السؤال الذي فرض نفسه على الطاولة:

هل الدين مجموعة من البنود القانونية فعلاً ؟!

القانون بمعناه الحديث هو مجموعة من الأنظمة المقرة عبر السلطة التشريعية في دولة ما لتنظيم علاقة الأفراد ببعضهم، وتحديد السلطات لأذرعة الدولة المختلفة، القانون بطبيعته نفعي، براغماتي وملزم تحتكر الدولة وسيلة إنفاذه وفرضه، ولا يملك المواطن إلا طاعته، فمن يخالف بندًا فهو متعدٍّ تحت طائلة العدالة وسيطاله العقاب، أما الدين فهو خطاب خلاص فردي، جوهره الحرية، وأساسه الاختيار، والغاية منه هي التطهير، الرسول -عليه الصلاة والسلام- يعرف هذا جيدًا، فلم يطارد الزانية عندما أتت له لتتطهر، بل أشاح عنها وصرفها ثلاثًا، وهذه الحادثة لا تستقيم أبدًا مع مفهوم القانون في ظل الدولة الحديثة، والتي لا تعنى بتطهير المواطن لخطاياه كما يهتم الدين بتطهير المؤمن لذنبه، فالدولة كمؤسسة سلطوية لا تنظر للمواطن كجوهر يهمها خلاصه، فهي معنية بحكم علاقته فيها من جهة، وعلاقته ببقية المواطنين من جهة أخرى.

الدين هو خطاب خلاص فردي، جوهره الحرية، وأساسه الاختيار، والغاية منه هي التطهير. بينما الدولة الحديثة وقوانينها هي مؤسسة سلطوية لا تنظر للمواطن كجوهر يهمها خلاصه.

هذا بعيد كل البعد عن مفهوم الدين الذي لا إكراه فيه، والذي يتحول إلى قمعية عندما يتجسد على شكل الدولة الحديثة متبنيًا أيديولوجيا تحاول ابتسار مفهوم اللانهائي في لحظة تاريخية دوغمائية، ليفقد الدين ألقه الرمزي الروحي، ولتفقد الدولة الحديثة مصلحيتها الصرفة ومرجعيتها التعاقدية فتتحول لأداة بيد الفقيه، ويتغير مفهوم “دين الأمة” الذي يشكل فيه الدين سندًا روحيًّا مشكلاً لأعراف المجتمع، ومحفزًا للخير في دواخلهم لمفهوم “دين الدولة” الذي يتطلب سلطة كنسية بابوية تحدد ماهية الدين وحدوده في كل صغيرة وكبيرة لتقمع الناس عبره.

هذا الخطاب الذي احترف “تشيؤ” الدين هو ذاته الذي جعل الفقيه ينظر للنفقة باستحضار البنود التراثية والتوفيق بينها ليخرج بنتيجة أن الزوج ليس ملزمًا بعلاج زوجته إن مرضت، ولم يستلهم أمر الله بالنفقة والمعاشرة بالمعروف بين الزوجين، والذي تتحدد أركانه حسب القدرة والاستطاعة وتبدل الظروف والأحوال المادية ليصبح مفهومًا ثقافيًّا يعرفه الواقع، وتحدده معطيات العصر فيما يضمن حسن العشرة وديمومة المودة والتراحم، بل سيطرت عليه فكرة وضع حكم نهائي عابر للعصور والظروف اليوم.

Previous ArticleNext Article
وليد الشرهان
طبيب وكاتب سعودي

2 Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.