السيف أصدق أنباء من الكتب - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

مدوّنات, من واشنطن

السيف أصدق أنباء من الكتب

من شعارات "أميركيون ينتخبون".. انتخب رئيسا لا حزبا
من شعارات "أميركيون ينتخبون".. انتخب رئيسا لا حزبا
من شعارات “أميركيون ينتخبون”.. انتخب رئيسا لا حزبا

يتداول مثقفون في العاصمة الأميركية طرفة مفادها أن عددا من مناصري “حزب الوسط”، قرروا أن يتظاهروا أمام البيت الأبيض، فراح قائد المظاهرة يصرخ “متى تريدون التغيير التدريجي”؟ فيرد المتظاهرون “نريده في وقته”.
والوسطيون هم غالبا من المعتدلين، من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، ممن خرجوا من حزبيهما بسبب إيغال كل من الحزبين في اندفاعته سياسيا وشعبويا، الأول نحو أقصى اليسار والثاني نحو أقصى اليمين.

أما العبرة من الطرفة فهي أن الوسطيين والمعتدلين لا يمكنهم القيام بثورات، فشعاراتهم في المظاهرات طويلة يصعب تردادها، ومعقدة يصعب فهمها، فيما لا يمكن لأي حركة سياسية أن توّلد الزخم المطلوب للتغيير من دون الشعارات الشعبوية، وأن كانت هذه خاطئة وزائفة، لكنها تثير حماسة المواطنين العاديين وتدفعهم تاليا إلى التبرع بالأموال الانتخابية، والوقوف في صفوف الاقتراع ساعات طويلة، والمشاركة في المظاهرات بكثافة عند الحاجة.

لكن على الرغم من الصعوبات شعبيا، غالبا ما تحاول تيارات أميركية تقدم نفسها كـ”خط ثالث” بديل عن الديمقراطيين والجمهوريين تغيير الوضع السائد، وتطالب بالتخلي عن الثنائية الأميركية المقفلة التي تحتكر الحياة السياسية.
وفي انتخابات العام الماضي في الولايات المتحدة، برزت من بين هذه التيارات مجموعة “أميركيون ينتخبون”، وكان أبرز الداعمين لها المعلق المعروف في صحيفة “نيويورك تايمز” توماس فريدمان.

في ذلك الحين، حازت المجموعة دعما ماليا من متمولين كبار في سوق الأسهم “وال ستريت”، وفازت ببعض الاهتمام الإعلامي كذلك. الا أن نتائجها، كسالفاتها من التيارات الأميركية الوسطية، جاءت مخيبة للآمال، اذ انتزع مرشح الحزب الديمقراطي الرئيس باراك اوباما 65 مليون صوت، فيما حاز منافسه الجمهوري ميت رومني 60 مليونا، وتقاسم ستة مرشحين مغمورين للرئاسة أربعة ملايين صوت.
في معظم الدول العربية، وايران، مشكلة مشابهة، اذ يصعب على المثقفين والمعتدلين أن ينافسوا الضوضاء والشعبوية.

على أن الفارق الأبرز بين الأميركيين، من جهة، وبين العرب والإيرانيين، من جهة أخرى، هو حضور العنف عربيا وإيرانيا وغيابه أميركيا، فالثورة ضد نظام بشار الأسد في سوريا، على سبيل المثال، بدأت سلمية، وقادها في شهورها الأولى مثقفون وفنانون ورجال أعمال وناشطون في المجتمع المدني.
في ذلك الوقت، كان إعلام الفنانين السوريين المختلفين تأييدهم للثورة غالبا ما يحتل عناوين الاعلام، فيما عمد النظام الى محاولة ايذاء هؤلاء كاعتداء موالين له على رسام الكاريكاتير علي فرزات في دمشق، وتصفية المغني المغمور ابراهيم قاشوش في حماة، والاعتداء على أهل الموسيقار مالك جندلي، وسجن المدونة طل الملوحي، وحالات أخرى كثيرة مشابهة.

لكن بسبب عنف النظام، لم يكن ممكنا للثورة الاستمرار بقيادة المثقفين والناشطين، خصوصا بعدما تمت تصفية هؤلاء أو إجبارهم على الرحيل، ما أحال قيادة الثورة من بعدهم الى أيدي مجموعات مقاتلة، بعضها متطرف، وصار عنف الأسد يستحضر عنفا مضادا، وتراجعت لغة العقل حتى انعدمت تماما.
قبل سوريا، كانت أولى المجموعات التي عانت من العنف بسبب حضها على التغيير في لبنان، هي السياسيين اللاعنفيين، من أمثال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري، وصحافيين من أمثال سمير قصير وجبران تويني، ونواب في البرلمان اللبناني.

وكما في سوريا كذلك في لبنان، أسهمت الضربة الموجعة التي تلقتها الوسطية بصعود التطرف الذي يسهمل من انفلات الأوضاع. الا أن لبنان، ولأسباب كثيرة ومعقدة، يشهد اليوم عودة تيارات الى الوسط، نجحت حتى الآن في منع الأمور من التدهور نحو مواجهة مفتوحة كما في سوريا.
وقبل سوريا ولبنان، اخرج متطرفو ايران المعتدلون، ورحلت ايام الرئيس السابق محمد خاتمي معه، وانعدمت بذلك امكانية اي “تغيير تدريجي” من الداخل، وعلى أيدي بعض الإيرانيين، كان مأمولا بحصوله قبل عقد أو أكثر.

هكذا، في الولايات المتحدة، كما في لبنان وسوريا وايران، يصعب أن تلقى الوسطية والاعتدال ولغة العقل والكتب رواجا، فيما تطغى الشعبوية ولغة التطرف وصوت المدافع وصلصلة السيوف.
لكن على الرغم من الصعاب التي يواجهونها، يبدو أن المعتدلين العرب، نادرا ما يخرجون كليا من الصورة الإعلامية والسياسية والثقافية، ربما لأنهم يتمسكون بقول الطغرائي:
ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل

Previous ArticleNext Article
حسين عبد الحسين
صحافي وكاتب لبناني، مقيم في الولايات المتحدة الأمريكية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.