عن الجمال وأقنعة الزيف.. وأصوات البؤساء - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

بانوراما, مدوّنات

عن الجمال وأقنعة الزيف.. وأصوات البؤساء

يتشوه الجمال الفطري حين يصبح الجمال لوحة مزيفة وسلعة تسحق لأجلها أحلام البسطاء
يتشوه الجمال الفطري حين يصبح لوحة مزيفة وسلعة تسحق لأجلها أحلام البسطاء
يتشوه الجمال الفطري حين يصبح لوحة مزيفة وسلعة تسحق لأجلها أحلام البسطاء

البارحة بعد دردشة سريعة مع صديق، اكتشفت أنه ارتكب جريمة لا تغتفر، عندما أخبرني أنه لم يشاهد بعد الفيلم الأسطوري (الجمال الأمريكي) American Beauty، قطبت بحاجبي وأنا أقول: ما هي كومة الأفلام الملقاة في غرفتك؟ باتمان وبعض أفلام “البورن”؟

ضحكنا قليلاً وافترقنا لنتقابل لاحقًا لمشاهدة هذا الفيلم سوية، الفيلم الذي يحكي عن عائلة ريفية أمريكية تقليدية، مثالية، نمطية تجسد النجاح الذي يطمح إليه أي رجل أمريكي تقليدي مثل (ليستر) بطل الفيلم -والذي جسد روحها كيفن سبيسي باقتدار-، منزل جميل، وظيفة مستقرة، زواج مستقر، وابنة ناجحة في دراستها، ومنزل رائع في حي راق، لوحة مرسومة بدقة لتعطي الانطباع بالجمال لتلك الأعين التي لم تتلقف هذه اللوحة بنظرة تمحيصية، وتلك هي الرحلة التي أخذنا هذا الفيلم عبرها..
رحلة تبدأ بالسؤال: ماذا لو اقتربنا قليلاً ؟

كالقمر الذي يبهرنا بجماله عندما يطل علينا منيرًا في ليلة مظلمة، ويصيبنا بالإحباط من قبحه عندما نقترب لنشهد التشققات التي تميز وجهه المتآكل، هكذا كانت حياة عائلة ليستر .. العائلة التي طاردت التنميط الاستهلاكي الأمريكي المُعرف للجمال عند كل منعطف، تقترب العدسة الفاحصة لتكشف عن علاقة مهترئة بين ليستر وزوجته التي تطارد الكمال في عملها، ليستر يشعر برغبة ثورية عارمة تجتاحه.. بسبب أزمة منتصف العمر، بسبب الكبت المقهور الذي يظلل علاقته مع زوجته، وقدح التغيير كان شبقًا اجتاحه تجاه المراهقة أنجيلا صديقة ابنته، فسعى عبر ثورته الوهمية لتحقيق صورة نمطية استهلاكية أمريكية جميلة أخرى للرجل الجنسي، عبر ابتياعه لسيارة رياضية رجولية والعمل على بناء عضلاته، في هذه الأثناء زوجته التي أنهكها لعب دور البحث عن الكمال المهني ثار جزء منها يود البحث عن حياة أكثر حرية، أقل مثالية، أقل آلية.. لتقيم علاقة محرمة مع منافسها في العمل (بدي)، لتنتهي هذه العلاقة ببساطة؛ لأن (بدي) يخشى عقبات طلاق مكلف قد يحدث بسبب خيانته تلك.. الفيلم يبحر إبحارًا فلسفيًّا عميقًا في تناول مفاهيم كالجمال، الجنسائية، الانسجام مع التنميط المفروض مجتمعيًّا، والبؤس في ثورة على هذا التنميط للوقوع في تنميط آخر، لينتهي هذا كله عندما يتمكن ليستر أخيرًا من إغواء الفتاة، ليكتشف أنها طفلة عذراء، فتتحول عاطفته الشبقة فجأة إلى صدمة أعادته رمزًا أبويًّا أعاد التفكير في كل شيء.. في كل هذا (الجمال) المحيط به.

كالقمر الذي يبهرنا بجماله عندما يطل علينا منيرًا في ليلة مظلمة، ويصيبنا بالإحباط من قبحه عندما نقترب لنشهد التشققات التي تميز وجهه المتآكل.. هذا هو “الجمال” في عالم الاستهلاك.

كم هي عاصفة عاتية هذا الجمال الصوري، وكم هي قادرة على بناء عوالم كاملة من الوهم، وهي تحيط بنا من كل جانب.. بالأمس القريب خرجت لنا شركة (آبل) بمنتجها الأخير آيفون الخامس، منتج مبهر التصميم، فائق الجودة جميل رقيق كفتاة هشة، وسنطارده مجبرين بعد أن أضحت قناعة متأصلة لدينا أننا يجب آن نمتلك (الأحدث) و(الأجمل)، فهذه هي السعادة، آبل تصمم وتنتج وتثري، نحن نبتاع ونشعر بالزهو والفرح بسبب هذه المقتنيات، (تيم كوك) مدير آبل ينتشي مزهوًا بهذا النجاح، شركات الاتصالات سعيدة بهذا الانتعاش، والتداول المادي يبث الحياة في السوق، والحكومة تسعد بجني الأرباح والضرائب والكل راضٍ..

لوحة (جمالية) متكاملة لا يعكر صفوها إلا أشياء بسيطة، عابرة مزعجة لا نود سماعها أو تسليط الضوء عليها، سلسلة من الانتحارات بسبب ظروف العمل في الشركة التايوانية المصنعة لهذا الآيفون (Foxconn) من موظفين يعملون كالعبيد ست عشرة ساعة متواصلة باليوم..

حسب تقرير (الغارديان) البريطانية الأمر لا يقف هنا فقط، بل هناك عشرات الحالات المكتشفة لعمالة الأطفال والمراهقين، ويعملون بظروف قد تؤدي بأي منا للانكسار، كلها بالطبع تفاصيل غير مهمة، جانبية أمام الصورة الكبرى، صورة أن تنتج آبل هذا الجهاز بكميات كافية بأكبر سرعة ممكنة، حتى تصل لي فأبتاعه، وأكتب لكم هذه الأسطر من خلاله.. أما تلك التفاصيل المؤسفة فهي قدر، أو حسب ما وصفها صديقي المحافظ رأسماليًّا: طبيعة الحياة لمحدودية الموارد.. حتى تنعم طبقة ما بالسيادة والاستقرار يجب أن تولد طبقات أخرى لتحقق قدرها (كتروس) في ماكينة عملاقة هدفها حفظ رفاه الطبقة الأولى.. وكل شيء على ما يرام طالما بقي الترس بلا صوت، فمن يريد ماكينة مزعجة تحدث ضجيجًا طيلة الوقت ؟!

أتساءل وأنا أتلفت في مجتمعي المحافظ، وأنصت للخطاب الروحاني الذي يتحدث عن الرضا بقسمة الله وقدره، عن فضل القناعة والزهد من شيوخ يرددون هذه العبر في وسائل إعلامية يقبضون منها الملايين، وآخرها خدمة “ببلي” الأخيرة، التي ستثري على حساب مواطن أدمت روحه الإيجارات والتقسيط ليستمع للمواعظ عن تفاهة الدنيا، وأنها لا تساوي جناح بعوضة عند الله.. أتساءل: ألا يحق لي أن أطالب بلوحة ترسم جمالاً صوريًّا على الأقل؟
آبل والتنميط الأمريكي بذلوا جهدًا جبارًا لرسم وهم الجمال.. ما بالهم هنا حتى عناء رسم الوهم لا يتكبدونه ؟

Previous ArticleNext Article
وليد الشرهان
طبيب وكاتب سعودي

4 Comments

  1. تتابع جميل لوصف احدى وقائع الحياة، جميلا هو القمر.. جميلا وهو بعيد، جميلا وهو يسبح في فلكه بين النجوم..

  2. ” ماذا لو اقتربنا قليلا؟”

    مقال رائع! الخيط الفلسفي الذي يربط بين الصورة الفنية لفيلم أمريكي مبدع ومنتجات آبل المبهرة يتجلى في عراء مجتمع محافظ لا يجيد حتى فن الوهم الوجودي…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.