دار ا التَّنوير والفارابي: إصرار على بيع كتاب مغشوش! - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

أحوال

دار ا التَّنوير والفارابي: إصرار على بيع كتاب مغشوش!

غلاف كتاب "معتزلة البصرة وبغداد"لمؤلفه الدكتور رشيد الخيون (1997)يمينا وغلاف كتاب الأب سهيل قاشا "المعتزلة ثورة الفكر الإسلامي الحر"(2010)
غلاف كتاب "معتزلة البصرة وبغداد"لمؤلفه الدكتور رشيد الخيون (1997)يمينا وغلاف كتاب الأب سهيل قاشا "المعتزلة ثورة الفكر الإسلامي الحر"(2010)
غلاف كتاب “معتزلة البصرة وبغداد”لمؤلفه الدكتور رشيد الخيون (1997)يمينا وغلاف كتاب الأب سهيل قاشا “المعتزلة ثورة الفكر الإسلامي الحر”(2010)

ما وجدته في معارض الكتب التي حضرتها: أربيل، الرياض، أبوظبي، الدوحة، الشَّارقة، الكويت، هو محاولة الحرص، قدر المستطاع، على صون وحفظ الملكية الفكرية، وقيل لي ولو كانت سطرا واحدا أو كلمة واحدة، قال لي ذلك مشرفو تلك المعارض لتوضيح الإصرار على حماية تلك المُلكية، والتي هي لا عقارات أرض ولا أرصدة بنوك، إنما عقارات العقول ومصارفها، ولا قيمة لظاهرة المعارض إذا لم تكن كذلك.

كانت صحيفة «الشرق الأوسط» (العدد: 1165 والمؤرخ في 5 ديسمبر/ كانون الأول 2010) قد نشرت موضوعا عن سرقة الأب سهيل قاشا لمقدمة كتابي معتزلة البصرة وبغداد (الحكمة 1997)، وجعله مقدمة لكتابه «المعتزلة ثورة الفكر الإسلامي الحر» (2010)، وهي نحو خمس عشرة صفحة وقعها باسمه.

الكتاب من منشورات دار التنوير والسائح، وتوزيع دار الفارابي، هكذا ورد على غلافه، لا علم لي بتاريخ دار «التنوير»، وأخذتها على الاسم وما يعني، على أنها دار فتحت لتنوير العقول، وطلب التنوير قديم بل قديم جدا، وكم مجلة وصحيفة ومركز وبرنامج إذاعي تبنى هذا الاسم مع قلة الفعل، لكن هذا القليل «لا يُقال له قليلُ»، والجواهري قد طلب مِن بارقة نور عندما قال لأبي العلاء المعري (ت 449 هـ): «نور لنَّا إننا في أي مدلجٍ/ بما تشككت إن صدقا وإن كذبا» (قصيدة قف بالمعرة 1944).

أما دار «الفارابي»، اللبنانية أيضا، فهي معروفة بتاريخها العقلاني ومحاولات التنوير، ونشرت مئات الكتب في هذا الاتجاه، وتقاطر عليها المؤلفون الجادون، ويكفيها أنها تبنت اسم أبي نصر محمد بن محمد بن أزلغ الفارابي (ت 339 هـ)، الفيلسوف والموسيقي الشَّهير، وقدمت لجمهور القراء بدائع التراث الإسلامي، وكان أبرز إصداراتها «النزاعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية» (1978) للعلامة حسين مروة (اغتيل 1987)، الذي قُتل على فراش الشيخوخة والمرض معا، وبعد حين واجه مغتاله المصير نفسه. وإذا كانت «الفارابي» هي الدار التي أقصد، فالعجب من الإصرار على توزيعها لكتاب مغشوش ومسروق، فماذا بقى لرسالة الدار وللفارابي نفسه؟!
على أية حال، عندما أكتب عن سرقة الحروف، وآخرها كان لمسؤول في مكتبة معروفة ولها تاريخ وصيت ذائع، وأوجه رسائل إلى علماء الدين كي يجتهدوا ويقيسوا لإصدار فتاوى تحرم هذه الممارسة، وتؤهل لإصدار قوانين تجرم هذا النوع من السرقة – بعد أن ظهر أكثر مِن رجل دِين ابتلي بالسرقة الفكرية – لا أقصد سوى التنبيه إلى خطورة ما يحصل، وعلى وجه الخصوص بوجود المال الفكري مشاعا على الإنترنت، والكتب التي تؤلف ترى العديد منها عبارة عن تجميع نصوص ولصقها ببعضها البعض ليتشكل منها كتاب أو ديوان شعر.

قررت أن أجعل من سرقة مقدمة «معتزلة البصرة وبغداد» قضية، مثلما كتبت عن سرقات عديدة، وبدأت بالشكوى لإدارات المعارض، بعد أن فشل التفاهم مع دار النشر والتوزيع، وهنا بات مِن حقي أن أشكك في كلِّ ما تصدره دار تصر على توزيع كتاب مسروق. ولا أنظر للأمر على أنه يعنيني إنما يعني الملايين التي تتزاحم في صالات معارض الكتب، فقد شعرت أن هناك مَن يسخر بعقولها ويستغلها.
قبل ثلاث سنوات، وفي معرض الشَّارقة، وقع نظري على كتاب «المعتزلة ثورة الفكر الإسلامي الحر» (2010) للأب سهيل قاشا، واشتريته فكل ما يُكتب عن المعتزلة يهمني، واكتشفت أن المقدمة (خمس عشرة صفحة) اُستلت من كتاب «معتزلة البصرة وبغداد» (دار الحكمة 1997) ولصقت مقدمة للكتاب المذكور، ومؤلفه قد انتهى مِن كتابه المزعوم عام 2009، وتحدثت مع دار الفارابي حيث يعرض الكتاب، وتفهم المسؤول هناك الأمر، ثم اتصلت بدار «التنوير» تليفونيا، وهو الأب إبراهيم سروج تحديدا، وطلب بعث المقدمة المسروقة، ووعد أن يسحب الكتاب لكنه لم يجبني ولم يسحب الكتاب، ولما نشرت مقالا في «الشَّرق الأوسط» بعث لي المؤلف رسالة بخط يده، يعتذر فيها عن نشر المقدمة كاملة، وأرادها هدية مني، لكن الطَّباع نسي أن يضع اسمي وملاحظته بأنه اعتز بالمقدمة فلحقها بكتابه، ويطلب أن أنشر توضيحا على أن الأمر كان مجرد اقتباس (خمس عشرة صفحة وأكثر من أربعة آلاف كلمة) وهدية لا انتحال؟ ولكم تخيل ما جرى؟
بعدها رأيت الكتاب معروضا في معرض أربيل (2012)، وتحدثت مع الدار نفسها، وجاء مسؤولو المعرض ومنعوا عرض الكتاب «المعتزلة ثورة الفكر الإسلامي الحر»، وبعدها وجدته معروضا في معرض الرياض (2013)، وتحدثت مع الدار أيضا، بل كان معروضا في «التنوير» و«الفارابي» معا، وهذه المرة وجدته معروضا في معرض أبوظبي للكتاب، ولما تحدثت مع مسؤول «التنوير» وعلى ما أظن اسمه حسن، واجهني بعصبية على أنه من حقه عرض الكتاب، فقلت له: أنت تعرض كتابا مسروقا؟ رد علي «أنت السَّارق»، لحظتها قدمتُ بلاغا وتركت الأمر لإدارة معرض الكتاب، على أنهم طلبوا منه إنزاله! هنا انتهت القصة، لكن ما أظنه أن الدار المذكورة لا تكف عن عرض الكتاب وترويجه، فهو معروض في كلِّ مكان، ومَن تؤذيه السرقة الأدبية والعلمية يشعر بالألم لاستغفال هذه الجموع، أما مَن لا يفرق «بين الرأس والذنب» فسيستغرب مِما كتبتُ ومما حصل، وهو قد لا يفرق بين نسخ الكتاب وتأليفه؟ فكم مِن ناسخ صار مؤلفا؟

كانت السَّرقة معروفة منذ القِدم وعلى وجه الخصوص في الشِّعر، وحدثت بين شعراء كبار، واتهم فيها كبير مثل أبي الطَّيب المتنبي (اغتيل 354 هـ)، وظلت سرقاته بين النقد والحسد، وهذا طرفة بن العبد (قتل نحو 569 ميلادية) يقول:
ولا أغير على الأشعار أسرقها/ عنها غنيت وشر الناس منْ سرقا

ويصف هذا النَّوع مِن السَّرقة القاضي الجرجاني (ت 366هـ) قائلا: «السَّرق – أيدك الله – داء قديم، وعيب عتيق، وما زال الشَّاعر يستعين بخاطر الآخر، ويستمد مِنْه قريحته، ويعتمد على معناه ولفظه، وكان أكثر ظاهرا كالتوارد» (الوساطة بين المتنبي وخصومه). فيأتي فيها التوارد والاستلهام والتَّأثر، وممارسوها كانوا مطبوعين، ولا يتعدى ذلك للقصائد، إنما ظل محصورا بالبيت أو المفردة والمعنى.
أما في النَّثر، فعلى ما يبدو كانت تُمارس، والمؤلفون كانوا يقلقون على ملكياتهم، والشَّاهد على ذلك ما كتبه المؤرخ أبو الحسن المسعودي (ت 346 هـ) من تحذير مستقبلا ما قد يُصنع بكتابه بعده: «منْ حرف شيئا مِنْ معناه، أو أزال ركنا مِنْ مبناه، أو طمس واضحةً مِنْ معالمهِ، أو لبس شاهدةً مِنْ تراجمه، أو غيره أو بدله، أو انتخبه أو اختصره، أو نسبه إلى غيرنا، أو أضافه إلى سوانا، فوافاه مِنْ غضب الله، وسرعة نقمته وفوادح بلاياه، ما يعجز عن صبره، ويحار له فكره، وجعله مثلةً للعالمين، وعبرة للمعتبرين، وآية للمتوسّمين، وسلبه الله ما أعطاه، وحال بينه وبين ما أنعم به عليه مِنْ قوّة ونعمة مبدع السماوات والأرض، مِنْ أي الملل كان والآراء، إنه على كل شيء قدير. وقد جعلت هذا التخويف في أول كتابي هذا وآخره» (مروج الذهب ومعادن الجوهر). أقول ما كتب المسعودي هذا التحذير إلا بعد سماعه بوجود سرقات مِن هذا القبيل، كالسطو على كتاب كامل مثلا.

مع ذلك كانت السرقات الأدبية والفكرية محدودة، وذلك لضعف انتشار الكتب وقلة الكاتبين والمؤلفين والطامعين بمجد في الثقافة والعِلم وإن كان كذوبا، أما اليوم فقد صارت الكتابة مهنة لمَن لا مهنة له، والمرتقى فيها مِن أسهل المرتقيات، لكن إلى حين! متمنيا على داري «التنوير» و«الفارابي» سحب الكتاب والاعتذار لمَن اشتراه لأنه بضاعة مغشوشة! وراجيا من إدارات معارض الكتب أن تمنع مؤلفات سُراق الحروف، المسروقة وغيرها، لأن سرقة كلمة أو سطر أو صفحة تكفي أن يخرج مرتكبها مِن عالم الكتب والثقافة، فكل ما كتب لا يخرج عن دائرة الشُّبهة، وأن إصرار الدور على تسويق الكتاب المسروق يكفي منعها من المشاركة في المعارض. فالأمر يتعلق بالحق ومعاملة الدار مع الأمانة العلمية! أقول: ما الفرق بين الطَّعام المغشوش والكلام المغشوش! ذلك يمنع لتعلقه بصحة الأبدان، وهذا يجب أن يمنع لتعلقه بصحة الضمائر والعقول!

Previous ArticleNext Article
رشيد الخيّون
باحث عراقي متخصص في الفلسفة الإسلامية. من كتبه "100 عام من الإسلام السياسي بالعراق".

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.