• العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

أحوال

حِمار سنتروني اليونانية… مازال يحمل أسفاراً!

الحمار ..منتوج سياحي في اليونان
الحمار ..منتوج سياحي في مدينة سنتروني اليونانية
الحمار ..منتوج سياحي في مدينة سنتروني اليونانية

بادئ ذي بدء، لعلَّ قارئاً، في هذه اللحظات الحرجة بالمنطقة، وهي على شفا حفرة مِن الحرب الطائفية أو أنها بدأت؛ سيلومنّني على هذه المدونة، وأقصد القارئ المعترض والغاضب على ما سأكتب، مِن متعصبي ومتشددي الطائفتين بالعِراق على وجه الخصوص، لأنني سأبيّن أنه لن يجد فيها الاعتراض على شيء يلومني عليه، فالمدونة تحكي قصة “الحِمار” الذي خدم البشرية وما زال يخدمها في مجاهل القرى والأرياف، لا شأن له ولا ذنب في هذه الحرب، التي لا يسلم منها حتى المتفرجون مِن على التَّل، فهنيئاً للحاصدين ذهبها وفضتها على حساب الدِّماء.

نزلنا مِن على ساحل مدينة سنتروني اليونانية، ذات العمائر البيضاء وألوان أبوابها وشبابيكها الزرقاء، إشارة إلى اسم البحر وزرقة الماء (البحر الأبيض المتوسط)، حيث على شاطئها يلتقي البحر الساحق في عمقه بالجبل الشَّاهق في علوه، ولا وجود لوسيلة نقل إلى داخل المدنية سوى قوافل الحمير المسرجة والتلفريك الكهربائي، ومعلوم أنه يفصل بين الوسيلتين مئات القرون وعشرات الحضارات، ومع ذلك ما زالتا متجاورتين على هذا السَّاحل.

في البداية اعتبرنا وجود قافلة الحمير، وما كُتب على المحطة “الحمار التاكسي”، إنه دعاية سياحية، فمحلات السَّاحل لا وجود فيها إلا التماثيل والألعاب على هيئة الحمار، أشكالاً للزينة في المناسبات، كرأس السنة والميلاد، وألعاب للأطفال. ليس لدي علم بسرِّ بقاء الحمار حيَّاً نافعاً في هذه المدينة، وبأحجام وألوان مختلفة، العالي الذي تحسبه حصاناً، والواطئ.
حمار سنتروني الساحلية يبدو عليه الدَّلال، نشيطا رشيقا مع عافية، ورافع الرأس لأنه لا يجوع ولا يُهان، ولا يسمح سايسه لبدين أن يمتطيه، ولا يجمع على ظهره اثنان ولا حقائب ثقال، ذلك قياساً على حمير قُرانا وأريافنا ومدننا، يحمل على ظهره أثقالاً، ويسحب عربة، فترى دماً ينزف من رقبته، ويُربط بحبل خشن. وقياسا على حميرنا، يبدو أهل سنتروني مطبقين لوائح حقوق الحيوان بحذافيرها.
الجبال الشَّاهقة التي يتسلقها التلفريك، يستلقها الحمار أيضاً مع اختلاف السّرعة، يسير على حافة السفح واثق الخطوة، لا أظن الإنسان العادي يتوازن في هذا العلو وهو ينظر إلى الوادي السَّحيق. للحمار بسنتروني وقت للعمل والرَّاحة. تراه يقف بالدَّور كوقوف التاكسيات، وأهم مِن هذا لا تسمعه ينهق أبداً، أظن لأنه لا يتألم ولا يعاني مِن الإهمال الذي يعبر عنه بالنَّهيق، وهذا دليل على دلاله، أو أنه متدرب على الصَّمت كي لا ينفر الراكبين.

على خِلاف المألوف، لا أشك في ذكاء هذا الكائن الهادئ، فيكفيه ذكاء أنه يعرف طريقه ذهاباً وإياباً على مدار السَّاعة، ومهما كان وعراً وملتوياً، ولا يختل توازنه في الصعود والهبوط على حافات سفوح الجبال وممراتها الضيقة، فالذين قاتلوا في جبال إقليم كردستان العراق خبرونا عن انتحارات حدثت بين البغال والحمير تحت وطأة الحمولة الثقيلة، مِن السلاح والمؤونة والراكبين على ظهورها، مع شدة وعورة الممرات، فللخلاص مما هو فيه يرمي بنفسه مع حِمله في الوادي.

ظل اسم الحِمار مثالاً للذم الشَّنيع، مع أنه لا يعرف السَّرقة كالقطط وابن أوى، ولا يعرف الفساد في الأرض كالخنزير والأشرار من النَّاس، ولا يتجاوز على حقوق الغير كالنذلاء والكذابين والمنافقين والأفاقين، الذين يسطون على الأموال والأعراض، ولا يتململ من ثقل حِمل أو ظلم يقع عليه. فلصبره يكنى بأبي صابر، ولا أدري لماذا كُني بأبي زياد أيضاً، حتى قيل:
زياد لستُ أدري مَنْ أبوه
ولكن الحِمـــــــــار أبو زياد
(الدميري، حياة الحيوان الكبرى).
تجده ذكياً لوصفه «بالهداية إلى سلوك الطرقات، التي مشى فيها ولو مرة واحدة» (المصدر نفسه). ويضفي على راكبه خصلة التواضع، فالحكيم ابن الأهتم خالد بن صفوان(ت 133 هـ) قال في حِماره: «يمنعني من أن أكون جباراً في الأرض، وأن أكون من المفسدين»(المصدر نفسه)، بينما ركوب العربات الفارهة والمضللة توهم بالكبر والعظمة حتى فقراء النَّاس إذا ركبوها.

لم يخجل آخر خلفاء بني أمية مروان بن محمد(قُتل 132 هـ) من لقبه: “الحِمار”، ذلك لجلده وصبره بل وشجاعته، ولولا أن الخلافة الأموية وصلت إليه مهلهلةً ورثةً، وأن الدول لها بداية ونهاية، لكان في مقدمة الخلفاء فكراً وعزيمة وإصلاحاً، ويكفيه أن كاتبه كان عبد الحميد الكاتب(قتل في السنة نفسها مع الخليفة)، الذي أنشأ أسلوباً مميزاً في كتابة الرَّسائل، وسار على أثره الكُتاب، وكان وزير المهدي العباسي يعقوب بن داود صنيعته، ورشاقة قلم الأخير أهلته للوزارة، وهذا حال معظم الوزراء، يبدأون كُتاباً لينتهوا وزراءً. والكاتب المشار إليه، رفض طلب الخليفة بمفارقته، فالعباسيون سيبقون على حياته لصناعته، لكنه فضل الموت مع مولاه، على حياة النَّعيم مع أعدائه.

كان الحِمار مركوب الأنبياء والخلفاء والعشاق، فأخباره كثيرة في الأدب العباسي، وخلاف الخيل لا علاقة للحمير بالحرب ولا بالسفر الطويل وألم الفراق، وكان الماء يصل إلى بيوت بغداد محمولاً على ظهورها، ويحمل الأطباء لعيادة مرضاهم، وحِمارة الشَّاعر المتفلسف جميل صدقي الزهاوي (ت 1936) البيضاء كانت معروفة بين البغداديين، تقله إلى المقهى، تعرف طريقها إليه مِن دون توجيه. كذلك حِمارة المرجع المستنير أبي الحسن الأصفهاني (ت 1946) مشهورة بين النجفيين، حتى أنه عندما نفقت سُحبت إلى خارج المدينة، والمتسكع المعروف بالنَّجف (عِباية) يردد والأطفال معه وهم يسحبون الأتان: «أوداعة الله يا جحش واليَّنا/ ها هيَّ لو بعد تلفينا»(الخليلي، هكذا عرفتهم).

كان الحمار كله فائدة ولا إيذاء فيه سوى صوته الغليظ بما جاء في الآية: «إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ»(لقمان 19)!
أجدها مناسبة أن أكشف عما يجهله الكثيرون، وهو أن الحمير تُدخن أيضاً، أقولها مِن مشاهدة في الصِّبا، وليصدق مَن يصدق ومَن لا يُصدق لا يصدق. وقصة ذلك: إنه حتى العام 1962،لم تعرف منطقتنا، القصية في وسط الأهوار، السيارة إلا ما نسمعه من المسافرين وبالألوان فقط: صفراء حمراء خضراء… إلى آخره، وتنهب الطريق وتفترس معترضها! لذا كانت مهمة مدِّ الطرق البسيطة على ضفاف النهيرات والتُّرع مناطة بالحمير، وفي ذلك العام قدمت قافة منها محمولة في الأبلام (نوع من السفن بالأهوار) مع سائسها، بينها حمار عظيم الجثة أبيض اللَّون.
كان السائس يمتدحه لكثرة ما يحمل من التراب والطين ويسير في مقدمة السِّرب، لكنه ليس كالباقين، يسير منفرداً، واعتاد التدخين، فلا يتحرك بحِمله صباحاً إلا بعد أن يضع السائس سيكارة عظيمة في منخره، يلفها له بأي ورق كان. رأيت هذا بنفسي، لكني توقفت عن سرد حكاية هذا الحمار لعدم تصديقها، مع أنها حقيقة، ولست صاحب خيال خصب كي أولف مثل هذه الحكاية، ولم أكن قرأت مسرحية أو رواية “الحمار الحكيم” بعد. لهذا لا ألوم الجماعات التي أطلقت على تنظيماتها اسم الحِمار أو الحمير، مثلما حدث بالشَّام في الأربعينات، وبالعراق قبل وقت ليس بالبعيد، وابحثوا عن هذه الجماعات فقد صار لها تاريخ في السِّياسة.

ليس في حكاية الحمار المدخن لمز أو همز أبداً، وليس نقلاً من «كليلة ودمنة» فقد كُتبت قصصها قبل اكتشاف التبغ، بل هي الحقيقة بعينها حمار أدمن التدخين. فلهذه الدابة أعصاب تتأثر مثلما هي أعصاب البشر، لكن فضيلة الصبر على الإيذاء ميزتها، ولعلَّ صوته الغليظ كان تعبيراً عن شدة آلامه، وما حمل مِن الأسفار. لا أعلم مِن بلدان أهل الصناعة والتكنولوجيا ما زال الحمار فيها وسيلة نقل، ويأتي بمعاش لأهله، ويقف نداً لجهاز التلفريك المعلق في الهواء سوى سنتروني. إنه ما زال هنا يحمل أسفاراً ويعيش برفاهية.

Previous ArticleNext Article
رشيد الخيّون
باحث عراقي متخصص في الفلسفة الإسلامية. من كتبه "100 عام من الإسلام السياسي بالعراق".

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.