الاستراتيجات العسكرية الهجينة في الجيش السوري - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

قضايا

الاستراتيجات العسكرية الهجينة في الجيش السوري

تراجع ملموس لدى القوات السورية النظامية على مختلف الجبهات
تراجع ملموس لدى القوات السورية النظامية على مختلف الجبهات

تشير تركيبة ودور الجيش النظامي السوري إلى أنّه أنشئ أساسًا للدفاع عن النظام السوري وليس عن الدولة السورية. ففي سوريا يندمج الحزب الحاكم بالوطن فيصبحا واحدًا، ويندمج شخص الرئيس بالحزب الحاكم فيصبحا واحدًا، وهكذا يتم اختصار الدولة بشخص الرئيس. وبهذا المعنى تصبح مهمّة الجيش الدفاع عن هذا الشخص وليس عن الدولة السورية نفسها، رغم كل ما يقال عن أنّ الجيش السوري تمّ تصميمه لمواجهة إسرائيل وليس لمواجهة انتفاضة شعبيّة.

صحيح أنّ الجيش النظامي مجهّز من ناحية التسليح لمواجهة جيوش نظامية، لكن القول أنّه جيش تمّ توليفه لمواجهة إسرائيل هو ادّعاء غير صحيح وغير دقيق في أحسن الأحوال. فالجيش السوري جيش متخلّف من ناحية التكنولوجيا العسكرية، وآخر معركة خاضها مع إسرائيل في لبنان مني فيها بهزيمة ساحقة، كما أنّه غير قادر حتى عن الدفاع عن الدولة السورية في وجه اعتداءات صريحة من الجانب الإسرائيلي تكررت مرات عديدة وكثيرة خلال العقود الماضية.

لكن وفي المقابل، يتفوّق الجيش السوري على نظيره اللبناني والأردني، ولأن لا خطر يأتي من هذه الدول الإقليمية على نظام الأسد، فإن الجيش السوري تمّ تصميمه منذ البداية لمنع الإطاحة بالنظام القائم، ومنع الانقلابات العسكريّة المحتملة، والقضاء على أي حركة معارضة مسلّحة، وهو ما حصل فعلاً في الثمانينات عندما تم سحق الإخوان المسلمين، وإفشال محاولة الانقلاب التي قادها رفعت الأسد ضدّ شقيقه وبعدها عشرات المحاولات الانقلابية.

مواجهة غير تقليدية مع الجيش الحر

عندما اندلعت الثورة السورية حاول الجيش النظامي استخدام الأسلوب الذي يتقنه، فاستخدم القوّة في قمع المدنيين، ولكنّ انكسار حاجز الخوف أدّى إلى تآكل سياسته، فأصبحت ردود الفعل عكسية، أي أنّ مزيدًا من القتل أدى إلى مزيد من المقاومة الشعبيّة، وقد نشأ الجيش الحر بعد حوالي ستة أشهر من اندلاع الانتفاضة السورية، وعمليًّا بعد تسعة أشهر.
صحيح أنّ الجيش النظامي كان ولا يزال يتمتع بتفوق ساحق في العتاد والعدّة الحربيّة على المعارضة المسلّحة، لكن اعتماد المعارضة المسلّحة على أسلوب حرب العصابات جعل المقاربة أصعب. فالعنصر الأوّل أمّن قوّة ناريّة للجيش النظامي، لكن العنصر الثاني أمّن للمعارضة المسلّحة حريّة حركة وسرعة في التنقّل وعنصر المفاجأة واختيار مكان وزمان الضربات بالشكل المناسب دون إعطاء الخصم فرصة صدّها، وهو ما انعكس تقدّمًا ميدانيًّا لصالح المعارضة المسلّحة على مدى الأشهر الماضية.
فأسلحة مثل الهاون والمدفعيّة والراجمات والدبابات والطائرات والصواريخ البالستيّة ليست مخصصة لإصابة أهداف متحركة وصغيرة ومحدودة من حيث التوزيع، كما أنّ افتقار عناصر الجيش النظامي إلى قضية عادلة وانخفاض روحهم المعنويّة يعدّ أمرًا بالغ الأهميّة في حرب العصابات، لذلك وعلى الرغم من التفوق بالعدّة والعتاد استطاع الجيش الحر والجماعات المسلحة تحقيق تقدّم نوعي على مساحة سوريا خلال فترة وجيزة، وبأسلحة غير نوعية وغير ثقيلة، وبموارد ذاتية محدودة، علمًا أنّ النظام حاول مجاراة أسلوب المعارضة المسلّحة بالاعتماد على الميليشيات المسلّحة “الشبيحة” لكنها فشلت؛ لأنها كانت أقرب إلى مافيا منها إلى جماعة مقاتلة فتم تكليفها بمهام أخرى.

تقهقر الجيش النظامي وغياب منظومة السيطرة والتحكم

ولأنّ الجيش النظامي واجه معركة غير تقليديّة لحرب عصابات تمتد على مساحة سوريا، فإنه وجد نفسه أمام مشكلة حقيقية في التعامل مع الوضع القائم بإستراتيجية عسكريّة واضحة. وقد غلبت العشوائيّة على عملياته، وكان عنوانها الوحيد هو استخدام القوة الناريّة القصوى، ولاسيما المدفعيّة والراجمات والدبابات والهليكوبتر الحربيّة (في المرحلة الأولى).

وفي مرحلة لاحقة، ومع تزايد الانشقاقات العسكرية، واتساع رقعة العمل المسلّح ضد الجيش النظامي، وانقطاع طرق الإمداد، وفقدان منظومة السيطرة والتحكم، بدا واضحًا أنّ النظام يحاول الاستعاضة عن عدم قدرته على الاشتباك الأرضي، أو حشد القوات المسلحة لاستعادة المناطق التي سيطر عليها الثوار بالقصف البعيد المدى، وقد استخدم المقاتلات الحربيّة (ميغ) لإلقاء مختلف أنواع القنابل بما فيها المحرمة دوليًّا، ولم يوفّر حتى الصواريخ البالستيّة الإستراتيجيّة “سكود”.

جدول بياني لـخسائر الجيش النظامي منذ إندلاع الثورة السورية
جدول بياني لـخسائر الجيش النظامي منذ إندلاع الثورة السورية

لكنّ ذلك لم يسعفه، فقد حقق الجيش السوري الحر والجماعات المسلحة أسرع وأكبر حجم من الإنجازات العسكريّة على مساحة سوريا في الفترة الممتدة بين نوفمبر– ديسمبر 2012 وحتى بداية مارس/ آذار 2013 (تحرير أول مركز لمدينة في سوريا- الرقة)، حيث بدا أنّ الجيش النظامي السوري شبه مفكك، ويعمل بشكل فوضوي دون إستراتيجية أو خطّة، ودون مركز قيادة وتحكم، ودون هدف واضح.

ففي موازاة التقدم الذي حققه الجيش الحر على الأرض خلال السنة الثانية من اندلاع الثورة، لوحظ تراجع ملموس لدى القوات السورية النظامية على مختلف الجبهات على امتداد سوريا، وظهر أنّ النظام فقد المبادرة ولم يعد يمتلك القدرة البشرية على إطلاق حملات عسكرية كبيرة قادرة على دحر الثوّار، ويؤكّد هذا الانطباع عدد من المؤشرات، منها:
• عدم استرجاع النظام حتى تلك الفترة لأي من المناطق التي سيطر عليها الجيش الحر على امتداد سوريا.
• اعتماد الجيش النظامي على سياسة القتل لا القتال. إذ تراجعت قدرته على خوض اشتباكات مباشرة لصالح الاعتماد المكثّف والمتزايد على الطيران الحربي والقصف المدفعي البعيد المدى، والصواريخ البالستيّة.
• تحويل مقراته الأمنية ومعسكراته المنتشرة في المدن الكبرى إلى قلاع حصينة، وهو ما يعني أنه انتقل من الهجوم إلى الدفاع على مستوى السيطرة على الأرض.
• تحويل المطارات في المدن إلى ثكنات عسكرية، ومواقع قوة نارية لقصف الأماكن التي يسيطر عليها الثوّار، وهذا يعني أنّ النظام فقد الأماكن التي يستطيع من خلالها إقامة مواقع نارية.
• ترك وحداته ومقراته العسكرية المحاصرة لمدة أسابيع في المدن والأرياف البعيدة عن العاصمة من دون إمدادات نتيجة سيطرة الجيش الحر على طرق الإمداد الرئيسة، وتقطيعها أو ضرب ما تبقى منها.

كما لوحظ في تلك الفترة أنّ الجيش النظامي بالإضافة إلى افتقاده الخطة والإستراتيجية، يفتقد إلى القيادة الميدانية أيضًا، فهناك غياب شبه تام للقيادات العسكرية الرئيسة، إذ لا نرى وزير الدفاع، ولا قائد هيئة الأركان، ولا القادة الأمنيين المسئولين في هكذا وضع عن قيادة العمليات العسكرية والتوجيه. إضافة إلى غياب منظومة التحكم والسيطرة على مستوى البلاد، وهو ما يعني أنّه قد تم إعطاء القادة الميدانيين على الأرجح صلاحيات واسعة لقيادة القوات المنتشرة في المدن.

من يقود الجيش السوري اليوم؟

لكن ومنذ بداية شهر مارس الماضي، بدا أنّ هناك تحوّلاً يحصل على مستوى الإستراتيجية العسكرية للجيش النظامي السوري، أو ما تبقى منه بالأحرى. حيث بدأ جيش الأسد منذ تلك الفترة بالاعتماد على إستراتيجيّة عسكريّة هجينة (Hybrid) تخلط بين القتال النظامي وشبه النظامي وغير النظامي، وبين الحرب التقليدية وغير التقليدية، في محاولة لصد التقدّم الذي تحرزه المعارضة المسلّحة، وللتغلب على عقبة مواجهة أسلوب حرب العصابات.

ويُعزا هذا التحوّل إلى مساعدة خارجيّة تلقّاها النظام من الجانب الروسي ومن الجانب الإيراني على وجه الخصوص من بداية الثورة، ليس من ناحية الدعم السياسي والعسكري والمالي الذي تم تأمينه لمنع انهياره فقط، وإنما من ناحية إرسال الطرفين لمستشارين أمنيين وعسكريين ليتولوا زمام الأمور وإدارة العمليات العسكرية والأمنيّة والدفاعية إثر الفشل الذريع للجيش النظامي في مواجهة المعارضة المسلّحة، وذلك لما لدى روسيا وإيران من خبرة طويلة وعميقة في مواجهة مثل هذه الحالات.

وفيما ركّز المستشارون الروس على الجانب الدفاعي عبر تولّي قيادة وتوجيه الأنظمة الدفاعية للجيش السوري، وتدريب عدد من منتسبيه المتخصصين عليها، ركّز الإيرانيون على الجانب الهجومي المتعلّق بالجيش النظامي والمجموعات المسلحة شبه النظامية التابعة له، وغير النظامية المساندة له أيضًا.

عناصر من الحرس الثوري الإيراني داخل الجيش النظامي السوري
عناصر من الحرس الثوري الإيراني داخل الجيش النظامي السوري

وقد ضمّت الهيئة الاستشارية الإيرانية فيما يتعلق بالجيش النظامي السوري ممثلين عن فيلق القدس، والحرس الثوري، والقوات البريّة الإيرانيّة، وهدفها الأساسي إعادة هيكلة العمل العسكري والأمني بما يساعد على وقف التدهور الحاصل، ومنع انهيار نظام الأسد، أو تأخير ذلك على الأقل إلى أبعد حد ممكن للاستفادة لاحقًا في أي عملية تفاوض محتملة.
عمليًّا، كانت مهمة اللجنة تقتضي:
• تشكيل وحدات من القوات الخاصة متخصصة بحرب العصابات، وهذه يشرف عليها “الحرس الثوري- فيلق القدس” بقيادة الجنرال “قاسم سليماني”، وبمساعدة الرجل الثالث في الحرس محسن شيزاري المسئول عن تدريب الميليشيات المسلحة خاصة في العراق، وتم إيكال مهمة المساعدة أيضًا إلى حزب الله اللبناني.
• تشكيل وحدات من القوات شبه العسكرية، وإعادة تأهيلها وتوظيفها فيما يخدم الجيش النظامي، وهذه يشرف عليها “الحرس الثوري- هيئة الاستخبارات” بقيادة رئيسها حسين طائب، وهو مهندس حركة قمع الاحتجاجات العنيفة التي اندلعت في إيران عقب انتخابات عام 2009 الرئاسية.
• تشكيل وحدات من الجيش النظامي متخصصة بمحاربة التمرد، وهذه يشرف عليها “الحرس الثوري- القوات البريّة الإيرانية” بقيادة اللواء حسين حميداني، وهو من أكثر القادة الإيرانيين خبرة في قمع الانتفاضات وحركات التمرّد، برز اسمه في قمع الانتفاضة الكردية في إيران عام 1979، وشارك في الحرب العراقية- الإيرانية، وكان له دور رئيس في الإشراف على عمليات قمع الاحتجاجات في طهران عام 2009 كقائد لفيلق رسول الله.
• إعادة تصويب الإستراتيجية العسكرية للجيش النظامي السوري بما يخدم الهدف الأساسي.
وبالفعل، فمع حلول شهر مارس آذار 2013، كانت هذه اللجنة الإيرانيّة قد أنجزت جزءًا كبيرًا من مهمتها، وهي تتابع اليوم عمليًّا تنفيذها. وأصبح واضحًا أنّ الجيش النظامي السوري يعمل بالتوازي مع مجموعة من المقاتلين شبه النظاميين كجيش الدفاع الوطني، والجيش الشعبي، بالإضافة إلى الشبيحة، وذلك بدعم قوي من عناصر حزب الله، والميليشيات الشيعية لاسيما العراقية، بالإضافة إلى عناصر من الحرس الثوري، فقد تم دمج كل هؤلاء في العمل العسكري والحربي تحت إشراف الهيئة المذكورة.

واستخدم النظام السوري في إطار إستراتيجيّته الهجينة مجازر التطهير الطائفي (بانياس)، والأسلحة الكيماويّة، واستكمل استخدام الصواريخ البالستيّة (فاق عدد المستخدم منها 200 صاروخ سكود حتى أبريل 2013)، وشنّ هجمات منسّقة مشتركة على القصير، وبعض القرى السورية الصغيرة على الحدود اللبنانية. (انظر الخريطة لمزيد من التفاصيل).

خريطة توضح عناصر الاستراتيجية الهجينة للجيش السوري (المصدر/ الكاتب)
خريطة توضح عناصر الاستراتيجية الهجينة للجيش السوري (المصدر: الكاتب)

الإستراتيجيات العسكرية الهجينة للجيش النظامي السوري

وبموازاة هذه التغيرات، لوحظ وجود تبدّل في إستراتيجية الجيش النظامي السوري العسكرية، من الفوضى المطلقة إلى الفوضى المنظّمة، فقد تم توظيف فوضى العمل العسكري للجيش في سياسة هجينة تعتمد على ثلاث إستراتيجيات عسكريّة تعود في الأساس للجيش الإسرائيلي والسوفيتي والإيراني، وهي:

أولا: إستراتيجيّة العقاب الجماعي (Collective Punishment).

وتعد إسرائيل من أكثر دول العالم تطبيقًا لهذه السياسة، بل وتفننًا -إن صح التعبير- في تطويرها. ومن السخرية بمكان أنّ آخر نسخة من هذه الإستراتيجية الإسرائيليّة تمّ تطبيقها في لبنان، وعرفت باسم “عقيدة الضاحية” (Dahiya Doctrine) وضعها الجنرال غادي إيزينكوت وهو الآن نائب لرئيس هيئة الأركان الإسرائيلي.
وتقوم هذه الإستراتيجيّة على الاستهداف المتعمّد للمدنيين عن سابق إصرار وتصميم خاصة أولئك الذي يشكلون ملجأً أو بيئة حاضنة أو داعمة للخصم. وتسمح هذه السياسة باستخدام كل أنواع الأسلحة المحرّمة لتحقيق الانتصار المرجو عبر معاقبة المدنيين المؤيدين للخصم، بحيث يؤدي ذلك إما إلى القضاء عليهم، وبالتالي على المعارضة المسلحة أيضًا، أو إلى استسلامهم، وبالتالي إلى إثارة ردود فعل عكسية تجاه المجموعات المسلّحة التي تصبح في موقف حرج وبمواجهة بيئتها، وإما إلى رفع تكلفة تأييد الخصم بما يؤدي إلى تراجع الدعم له في المناطق المجاورة، أو في الحالات المشابهة، فينشأ عنها سياسة ردع.

ثانيًا: سياسة الأرض المحروقة (Scorched earth)

وهي إستراتيجية عسكرية سوفيتية، تمّ استخدامها ضد النازيين في الحرب العالمية الثانية، وهي بالأساس ذات طابع دفاعي تقوم على مبدأ حرق وتدمير القرى أو المدن التي أصبح من اليقيني سيطرة العدو عليها وجعلها ركامًا حتى لا يستفيد لا من غذاء ولا دواء ولا مأوى فيها. وقد استخدمها الروس تاريخيًّا حتى قبل ذلك ضد التتار ونابليون بونابارت، مستفيدين من الطبيعة الجغرافيّة والمناخيّة للبلاد لاسيما الطقس البارد جدًا، أو ما يعرف باسم “الجنرال ثلج”.
ويمكن استخدام هذه الإستراتيجية أيضًا بشكل هجومي إذا عجز المهاجم عن اقتحام مدينة، فيلجأ إلى دكّها بشكل كامل، وتسويتها بالأرض حتى يستطيع دخولها ويقهر دفاعها بشكل كامل.

ثالثًا: إستراتيجية الحرب غير النظامية (Irregular Warfare)

ويتم فيها اللجوء إلى أساليب الحرب اللا تناظريّة وتكتيكاتها (Asymmetric)، والتي تتضمن من بين ما تتضمن حرب العصابات، وتوفير كل الموارد المتاحة غير التقليديّة لدعم تحقيق الهدف النهائي من الحرب. وتعتبر إيران واحدة من الدول الأكثر كفاءة وخبرة في العالم في إدارة مثل هذه الحرب.

الانعكاسات مدمّرة

ونتيجة لهذه الإستراتيجيات الهجينة، فإن التداعيات على الشعب السوري، والبنية التحتيّة السوريّة، والدولة السورية أصبحت لا توصف على الإطلاق؛ إذ تسببت هذه الإستراتيجية منذ بداية تطبيقها في شهر مارس آذار 2013 إلى مقتل حوالي عشرين ألف سوري في ثلاثة أشهر فقط من شهر مارس وحتى يونيو ليفوق إجمالي عدد شهداء الثورة السورية الـ100 ألف منذ انطلاقها.
فقد أدّت إستراتيجية “الأرض المحروقة” و”العقاب الجماعي” إلى تهجير ما يزيد عن 600 ألف سوري إلى الخارج خلال ثلاثة أشهر فقط، ليصل إجمالي اللاجئين السوريين في الخارج في شهر حزيران إلى حوالي 1.6 مليون لاجئ سوري مع توقعات بأن يصل العدد إلى ثلاثة ملايين نهاية عام 2013.

خريطة توضح أعداد ومواقع اللاجئين السوريين . (المصدر: HIU )
خريطة توضح أعداد ومواقع اللاجئين السوريين . (المصدر: HIU )

أمّا على الصعيد الداخلي، فقد أصبح هناك ما يزيد عن سبعة ملايين سوري في حاجة ماسّة إلى المساعدة بمختلف أنواعها، منهم حوالي خمسة ملايين مدني تمّ تهجيرهم داخليًّا عن مناطقهم، نصفهم تمّ تهجيره نتيجة هذه السياسة في الفترة الممتدة بين بداية عام 2013 وشهر أيار من نفس العام.

أما على صعيد البنى التحتيّة، فحجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتيّة نتيجة سياسة النظام هذه لا يصدّق على الإطلاق. مدن بأكملها قد تمّ تسويتها بالأرض تمامًا، حتى إنّ الدمار الذي ألحقه النظام السوري بمدينة حلب لم يسبق أن تعرّضت له أي مدينة في العالم منذ الحرب العالمية الثانية، وكذلك حمص المحاصرة، وبعدها العديد من القرى والأرياف، حتى إنّ الخسائر الكليّة تقدّر حتى الآن بحوالي 100 مليار دولار.

وعلى صعيد إستراتيجيّة الحرب غير النظاميّة، فقد حققت بعض الانتصارات التكتيكية المحدودة بقيادة حزب الله اللبناني على بعض القرى السورية المتاخمة للحدود مع لبنان، والتي عمد النظام إلى تضخيمها في إطار حملة لاستعادة معنويات جنوده المنهارة، وللاستفادة منها أيضًا في إعادة إطلاق حملات على مناطق أخرى تهدف إلى محاولة وقف الخسائر التي يمنى بها على مساحة سوريا، وإنشاء خط دفاعي متقدّم عن تواجده في العاصمة دمشق تكون حدوده الشمالية في حمص، وأن يستفيد من هذه المعارك المجهريّة في التوظيف السياسي بانتظار المفاوضات السياسيّة.

مصير الجيش النظامي السوري؟

وفقًا للعرف العسكري، فإن وضع أي جيش نظامي في مواجهة المتظاهرين والمدنيين سيؤدي حكمًا إلى تقويض عقيدته القتالية، وإلى ضعضة صفوفه، وإلى انفراط عقده. ولا شك أنّ ذلك ينطبق على الحالة السوريّة أيضًا. فما جرى هو مجرّد رتوش لا يمكن من خلالها تعويض الضرر البالغ والكبير الذي لحق بالجيش النظامي السوري، والذي سينهار حكمًا بشكل كليّ ما أن تتضاءل مصادر الأسلحة الإستراتيجيّة.

ويبدو واضحًا اليوم أنّ هذا الجيش تحوّل من جيش كان يفترض به حماية الدولة والشعب أمام المخاطر الخارجية إلى بضعة وحدات عسكريّة عبارة عن عصابة طائفية عامل تماسكها الوحيد هو العصب الطائفي، والدعم الخارجي، وهو بهذا يصلح لأن يكون في خدمة كانتون طائفي وأمير حرب، وليس دولة ومجتمع. وهو إن حقق بعض الإنجازات التكتيكية الصغيرة على مستوى بعض القرى والبلدات بفضل هذه الإستراتيجيّة الجديدة، إلا أنّ المشهد العام لا يعكس هذا الانطباع خاصة في جبهة درعا التي تكاد تُطبق على النظام من دمشق.

تدرك إيران هذه الحقيقة تمامًا، ولذلك فقد يكون عملها جزءًا من خطّة تقتضي تحويل ما تبقى من الجيش من وحدات طائفيّة فيما بعد إلى جانب الميليشيات المتعدِّدة المذكورة أعلاه إلى أذرع لها في سوريا المستقبل على غرار حزب الله في لبنان، خاصّة إذا ما انتهى الوضع إلى تحوّل سوريا إلى دولة فاشلة.

Previous ArticleNext Article
باحث في منظمة البحوث الإستراتيجية الدولية (USAK) أنقرة- تركيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.