• العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari
من الأرشيف

محاولة الاستغناء عن مضيق هرمز

حرب نفطية على هامش حرب الخليج/حرب نفطية على هامش حرب الخليج/مجلة (المجلة) العدد رقم: 398 الاربعاء 23-9 -1987
حرب نفطية على هامش حرب الخليج/مجلة (المجلة) العدد رقم: 398 الاربعاء 23-9 -1987
حرب نفطية على هامش حرب الخليج/مجلة (المجلة) العدد رقم: 398 الاربعاء 23-9 -1987

بعد فرض الولايات المتحدة الأميركية عقوبات للمرة الأولى على البنك المركزي الإيراني، بسبب برنامجها النووي، مما يصعب على إيران تصدير نفطها، هددت طهران في نهاية عام 2011 بغلق «مضيق هرمز»، حين قال محمد رضا رحيمي النائب الأول للرئيس الإيراني المنتهية ولايته أحمدي نجاد، إن إيران ستغلق مضيق هرمز أمام الملاحة في حال فرض عقوبات على صادراتها النفطية، مؤكدا: «في حال فُرِضت عقوبات على صادرات النفط الإيرانية، لن تمر أي نقطة نفط عبر مضيق هرمز».ولم يكن التوتر الجيوسياسي بين إيران وأميركا وبريطانيا حول خطر إغلاق مضيق هرمز، جديدا؛ حيث ناقشت مجلة «المجلة» قبل أكثر من ربع قرن «التهديدات نفسها»، وخلصت من خلال تحقيق موسع أجرته مع نخبة من الخبراء والمختصين إلى أن «الدول المصدرة للنفط أدركت أن مضيق هرمز بات محفوفا بالمخاطر بعد التهديدات الإيرانية – آنذاك – وتصاعد عمليات قصف ناقلات النفط، وكان عليها أن تبحث عن بدائل أكثر أمنا، فاتجهت إلى الأنابيب». وطرحت «المجلة» السؤال التالي: «كيف بدأت هذه الفكرة، وكيف تطورت، وإلى أي مدى ستنجح في تغيير مسار الصادرات النفطية الخليجية إلى العالم الغربي؟».

**مجلة (المجلة) العدد رقم: 398 الاربعاء 23-9 -1987

بينما يعكف السياسيون والخبراء العسكريون على تحليل سير المعارك في حرب الخليج، وآخر تطورات حرب الناقلات، ونتائج مباحثات الأمين العام للأمم المتحدة في كل من بغداد وطهران في الاسبوع الماضي، تظهر ملامح حرب أخرى صامتة على أكثر من جبهة، يمكن ان نطلق عليها مجازا لقب “حرب الأنابيب النفطية” فالملاحظ أن الدول المصدرة للنفط، على جانبي الخليج العربي، بدأت تعمل على الاستغناء عن الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز الذي كانت تمر عبره معظم الصادرات النفطية الى العالم الغربي. وتمثل هذا التحرك على هذا الصعيد عبر خطوط أنابيب من مواقع الانتاج الى موانئ على البحرين الأحمر والمتوسط والمحيط الهندي، وحتى البحر الأسود. فقد أدركت هذه الدول ان مضيق هرمز بات محفوفا بالمخاطر بعد التهديدات الايرانية وتصاعد عمليات قصف ناقلات النفط، وكان عليها أن تبحث عن بدائل أكثر أمنا، فاتجهت الى الأنابيب والسؤال المطروح هو: كيف بدأت هذه الفكرة، وكيف تطورت، والى أي مدى ستنجح في تغيير مسار الصادرات النفطية الخليجية الى العالم الغربي ؟

“المجلة” تجيب عن التساؤلات المطروحة في هذا الاطار في تحقيق تحاول من خلاله استقراء حرب الأنابيب هذه وانعكاساتها على المنطقة بعد بضع سنوات مقبلة. كما تتابع “المجلة” في تحقيق منفصل دور شركات التأمين العالمية في استمرار حرب الناقلات بشكل خاص وحرب الخليج بشكل عام، وكيف ان هذه الحرب لم تؤثر على تلك الشركات، بل ساهمت في انعاش صناعة حققت أرباحا بلغت مئات الملايين من الدولارات.

فرغم ان شركة “لويدز” مثلا دفعت بليون جنيه استرليني كتعويضات لسفن تضررت من هذه الحرب، الا أنها ما زالت تقدم خدماتها عبر أكبر شبكة معقدة من المعلومات والتحركات والعملاء.
والحديث عن التطورات العسكرية والنفطية عن الخليج تعود الى التحركات السياسية، حيث تتجه الأنظار الآن الى مجلس الأمن الدولي لبحث كيفية تطبيق عقوبات اقتصادية وحظر أسلحة ضد ايران باعتبارها الطرف الذي لم يتجاوب مع قرار المجلس رقم 598 الداعي الى وقف اطلاق النار. وقد تابعت “المجلة” هذه التحركات على ضوء نتائج زيارة دي كويلار الى طهران وبغداد، كما تابعت التحركات السياسية العربية الجارية على هذا الصعيد، والرامية الى التمهيد لعقد مؤتمر قمة يعيد الاحترام الى الموقف العربي كما قال الشيخ صباح الأحمد الصباح نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الكويتي أخيرا في لندن.
وفي ما يلي حصيلة هذه التحقيقات.

غلاف العدد 398
غلاف العدد 398

اذا كانت دعوة ايران للأمين العام للأمم المتحدة دي كويلار لزيارة طهران قد فسرت في حينها من قبل الكثير من المراقبين السياسيين بأنها محاولة ايرانية لكسب الوقت و”تنفيس” الاحتقان الدولي الناجم عن عدم تجاوب طهران مع قرار مجلس الأمن رقم 598 الداعي الى وقف اطلاق النار، فان زيارة الرئيس الايراني علي خامنئي، وبصحبته وزير الخارجية علي أكبر ولايتي الى نيويورك لالقاء خطاب في الجمعية العامة للأمم المتحدة، تأتي في الاطار نفسه، وهو الاستمرار في سياسة تضييع الوقت ومحاولة تعطيل اي محاولة جدية من قبل الدول الكبرى لاصدار قرار جديد عن مجلس الأمن الدولي بفرض عقوبات على الطرف الذي لم يلتزم بقراره الأول الصادر في 20 يوليو (تموز) الماضي.
فمن الملاحظ، ان الخطة الايرانية التي تشرف على وضع خطوطها العريضة مجموعة من أركان النظام الدارسين في الغرب، وخاصة الولايات المتحدة وبريطانيا، تعتمد حاليا على منهج المناورة، واستخدام كل السبل الكفيلة بعرقلة أية محاولة دولية لوقف اطلاق النار، أولا، وفرض حظر أسلحة ضد ايران ثانيا.

وتركزت التحركات الايرانية في الأيام الأخيرة على القيام بعدة مناورات على اكثر من صعيد، وفي أكثر من واحدة من عواصم الدول الكبرى الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي.
ففي الوقت الذي كان وفد اللجنة السباعية العربية في موسكو، طار الى العاصمة السوفيتية محمد سعيد لاريجاني نائب وزير الخارجية الايراني في محاولة للتشويش على زيارة الوفد العربي الذي كان يضم عددا من وزراء الخارجية العرب، بينهم الشيخ صباح الأحمد وزير خارجية الكويت، والسيد طارق عزيز نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية العراقي. كما طار يوم الخميس الماضي الى بكين علي بشارتي نائب وزير الخارجية الايراني في مهمة تندرج في هذا النطاق نفسه، ومضافة الى ذلك محاولة شراء شحنات جديدة من الصواريخ والألغام والعتاد العسكري وقطع الغيار، وحث القيادة السياسية في العاصمة الصينية على استخدام الفيتو في وجه أي محاولة لفرض حظر أسلحة ضد طهران.

سعي للتسويف

أما زيارة الرئيس الايراني للأمم المتحدة، فتهدف في الدرجة الأولى الى تأجيل اتخاذ قرار مجلس الأمن الثاني عبر اقناع الدول الأعضاء بضرورة الاستماع الى وجهة النظر الايرانية الرسمية قبل الاقدام على اتخاذ اي قرار أو فرض أية عقوبات، خاصة بعد ان اتضح ان مهمة الأمين العام للأمم المتحدة في طهران لم تضف اي جديد الى النتائج التي توصلت اليها الدول الكبرى قبل بدء هذه المهمة.
وكان الأمين العام للأمم المتحدة اطلع الدول الأعضاء في مجلس الأمن على نتائج مباحثاته في العاصمتين العراقية والايرانية، وتردد في أروقة المنظمة الدولية انه حمل مشروعا ايرانيا يتضمن موافقة مشروطة على وقف الأعمال الحربية، على أن يتم ذلك على مرحلتين: الأولى تنص على وقف اطلاق نار يتزامن مع تشكيل لجنة محايدة لتحديد المسؤولين عن نشوب الحرب، والثانية يصبح فيها وقف اطلاق النار رسميا من حيث المبدأ بعد نشر نتائج اللجنة.

ويفهم من هذا المشروع الايراني ان القيادة الايرانية ما زالت تتمسك بشروطها التعجيزية السابقة. واذا كانت قد اظهرت انها تخلت عن بعض هذه الشروط، مثل تغيير القيادة العراقية والتمسك بالشرط الأساسي وهو بحث مسؤولية بدء الحرب، فانها تريد هدنة جديدة بضمانة دولية حتى تتمكن من اعادة تسليح قواتها وكسر العزلة العالمية حولها، ثم العودة من جديد الى شن الهجوم البري ضد العراق، ودول الخليج العربية المتحالفة معه. فمن الواضح، وبحكم الخبرة العربية السابقة في معالجة القضايا المعقدة في الأمم المتحدة، ان المداولات تأخذ وقتا طويلا، فتشكيل لجنة في حد ذاته تحتاج الى أسابيع من النقاش حول قانونيته وعدد الأعضاء. ثم ان مسألة “حياد” اللجنة وأعضائها يحتاج ايضا الى شهور من الأخذ والرد، اما عمل اللجنة واطلاعها على شهادات الشهود وروايات الأطراف المتعددة، وفحص الوثائق فتحتاج الى سنوات.

جهد ضائع

ومن جهة أخرى، أدرك العراق ان الجانب الايراني مستمر في اضاعة الوقت واستغلال حالة الاسترخاء الدولي الأخيرة لتصدير المزيد من النفط وجلب المزيد من الأسلحة، فأثر الرد على طريقته الخاصة بشن غارات جوية مكثفة طوال الاسبوع الماضي على الأهداف الاقتصادية الايرانية. وتركزت هذه الغارات على السفن الايرانية وموانئ تصدير النفط، وبعض المصانع الحربية.

أما الدول العربية الأخرى فما زالت تبحث في كيفية مواجهة الاعتداءات الايرانية على دول مجلس التعاون الخليجي التي كان آخرها اطلاق أربعة صواريخ على الكويت. ومن المؤكد ان اتخاذ موقف عربي موحد في مواجهة هذه الاعتداءات لن يتأتى الا من خلال انعقاد القمة العربية التي قال الشيخ صباح الأحمد في أحد لقاءاته اللندنية في الاسبوع الماضي أنها ستعقد قبل نهاية هذا العام.
البروفسور كيث ماكلوخلن استاذ الجغرافيا السياسية في كلية الدراسات الشرقية – جامعة لندن قال أن مسألة فرض عقوبات على ايران، مثل حظر الأسلحة، ستكون خطوة صعبة التطبيق لأن هناك دولا عديدة مستفيدة اقتصاديا من تصدير الأسلحة الى طهران، مضافا الى ذلك ان معظم الأسلحة المصدرة الى الجانب الايراني تمر عبر وسطاء، سواء كأفراد أو دول. ولكن يبدو ان دول مجلس الأمن غير متفقة في ما بينها حول هذه المسألة. وعكس الشيخ عبد العزيز الصقر رئيس غرفة تجارة الكويت مرارة الجانب الخليجي من المواقف الغربية – وخاصة موقف بريطانيا – من حرب الخليج والاعتداءات الايرانية على الكويت، عندما انتقد علنا هذه المواقف ووصفها باللامبالاة. وقال ان بريطانيا دخلت حرب السويس عندما شعرت ان الملاحة الدولية مهددة بالخطر. ولكنها تلكأت في ارسال كاسحات الغامها الى الخليج.

فرض حظر

ويمكن قول ان حرب الناقلات التي أسفرت حتى الآن عن غرق واعطاب حوالي 340 سفينة، وقادت بشكل مباشر الى ازدحام مياه الخليج بالاساطيل الحربية، شرقية وغربية، ستستمر، وستشهد فصولا أكثر حدة في الايام المقبلة. فمن المؤكد ان العراق الذي قبل بقرار وقف اطلاق النار والتزم به مدة شهر ونصف الشهر، وأوقف غاراته في خطوة من جانبه لانجاح مهمة الأمين العام للأمم المتحدة، سيواجه التعنت الايراني بالمزيد من الغارات والهجمات العسكرية. كما ان ايران من جانبها بدأت تتحرش عسكريا بالدول المجاورة وتهاجم وتقصف الأراضي العراقية. وهذا التصعيد العسكري يضع الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة امام تحد قديم متجدد، وهو كيفية وقف هذه الحرب. فالولايات المتحدة كانت على وشك اتخاذ خطوات بفرض حظر أسلحة ضد ايران، ولكن دعوة ايران الأمين العام للأمم المتحدة لزيارة طهران دفعتها الى تأجيل هذا القرار. ومن غير المعروف ما اذا كانت ستقدم على هذه الخطوة من جديد بعد ان تعثرت مهمة الأمين العام.


تشير المعلومات الى أن السوريين الذين تبنوا في اجتماع وزراء الخارجية العرب السابق، سياسة الأبواب المفتوحة مع طهران جددوا الاتصالات مع العاصمة الايرانية وسمعوا ما كانوا سمعوه في السابق

خبير بريطاني متخصص في الدراسات الاستراتيجية قال في حديث جانبي ان ما طرحه الشيخ صباح الأحمد حول ضرورة فرض حظر اقتصادي ضد ايران بسبب عدم قبولها صراحة لوقف اطلاق النار هو الاجراء الأكثر فاعلية من غيره من الاجراءات الأخرى، بما في ذلك حظر الأسلحة. فاذا عجزت ايران عن بيع نفطها (60% من صادرات ايران النفطية تذهب الى اليابان)، وتعذر عليها وجود أسواق في الغرب لهذا النفط، فانها لن تكون قادرة على تمويل آلتها العسكرية، وفي هذه الحالة ستكون غير مؤهلة عمليا للاستمرار في الحرب. اما اذا تزامنت مقاطعة النفط الايراني مع حصار عسكري على الموانئ الايرانية لمنع الواردات، فان الضربة ستكون حاسمة للقيادة الايرانية.

الحرب العراقية – الايرانية

للمرة الثانية خلال شهر واحد، تنتقل الكرة الى الملعب العربي ويصبح المطلوب ان يتبلور الاجماع الذي تحقق تجاه الحرب العراقية – الايرانية وتطوراتها وامتداداتها بشكل حاسم ونهائي، وأن يتخذ وزراء الخارجية العرب القرارات التي لم يتخذوها في اجتماعهم السابق بعدما استنفدت جميع الفرص مع طهران وبات في حكم المؤكد ان ايران مستمرة في نهجها السابق وأنها متمسكة بالشروط ذاتها التي أعلنتها منذ بداية الحرب وواصلت طرحها والتلويح بها على مدى الأعوام الماضية. ففي الاجتماع السابق الذي انعقد في نهاية الشهر الماضي كان الرأي الأرجح انه آن الأوان لاتخاذ الخطوة التي لا بد منها وأنه لا بد تجاه تعنت طهران واصرارها على مواقفها السابقة من قطع العلاقات الديبلوماسية العربية – الايرانية. ومن منطلق الحرص على وحدة الصف وعدم اضاعة فرصة متاحة، قرر وزراء الخارجية العرب اعطاء مهلة جديدة لسياسة الأبواب المفتوحة التي ينادي بها البعض، وتحديد موعد لاحق لاجتماع جديد تتخذ فيه المواقف والقرارات النهائية في ضوء الاتصالات العربية والدولية مع النظام الايراني. على ان الاجتماع الجديد الذي بدأه وزراء الخارجية في العشرين من هذا الشهر في تونس في اطار الجامعة العربية يأتي في ضوء بروز عاملين هامين جديدين، الأول فشل مبادرة الأمين العام للأمم المتحدة في اقناع الايرانيين بالاستجابة للمبادرات السلمية المطروحة، والثاني التأكد من أن سياسة الأبواب المفتوحة التي ينادي بها البعض، لا تزيد طهران الا تعنتا وتمسكا بمواقفها وشروطها السابقة المعروفة.

الرئيس صدام حسين يستقبل دي كويلار
الرئيس صدام حسين يستقبل دي كويلار

وكما ان التطورات وتلاحقها بالصورة التي تمت بها خلالها الشهور الأخيرة قد وضعت الموقف العربي للمرة الأولى منذ اندلاع حرب الخليج بصورة جدية على المحك، فان الموقف الايراني تجاه مبادرة دي كويلار قد نقل الكرة أيضا الى ملعب مجلس الأمن الدولي، واصبح على المجتمع الدولي ان يقول كلمته الأخيرة وأن يتخذ قراره المطلوب، ان لم يكن من أجل ردع المعتدي فمن أجل الحفاظ على هيبة هذه المنظمة الدولية.

وعلى الصعيد العربي، فالمعروف ان عددا من الدول العربية رفعت في اجتماع وزراء الخارجية العرب السابق وفي الاجتماعات والاتصالات التي سبقت ذلك الاجتماع، وعلى مدى سنوات حرب الخليج، شعار الابقاء على سياسة الأبواب المفتوحة مع ايران. وعلى هذا الأساس قام وزير الخارجية الجزائري أحمد طالب الابراهيمي بزيارة الى طهران وصفتها صحيفة “المجاهد” الجزائرية شبه الرسمية بأنها تهدف الى تدعيم الجهود التي يبذلها الأمين العام للأمم المتحدة لوقف الحرب العراقية – الايرانية.

تنسيق ليبي – جزائري

ويلاحظ ان الجزائر في الآونة الأخيرة عززت التنسيق في ما بينها وبين ليبيا بالنسبة الى حرب الخليج. والمعروف ان الموقف الليبي تغير بصورة جذرية تجاه هذا الموضوع الى الحد الذي أصبح فيه استئناف العلاقات الديبلوماسية بينها وبين العراق مسألة وقت فقط بعد الزيارة التي قام بها مؤخرا الى بغداد وزير الخارجية الليبي جاد الله عزوز الطلحي وصدر في أعقابها بيان اشار الى قرب استئناف العلاقات الديبلوماسية بينها وبين العراق مسألة وقت فقط بعد الزيارة التي قام بها مؤخرا الى بغداد وزير الخارجية الليبي جاد الله عزوز الطلحي وصدر في أعقابها بيان أشار الى قرب استئناف العلاقات الأخوية بين العاصمة العراقية وطرابلس الغرب، وتضمن اشارة واضحة الى أن ايران تتحمل مسؤولية استمرار الحرب العراقية – الايرانية.

تغير ملموس في الموقف الليبي بعد زيارة الطلحي لبغداد

وكما أوضح أكثر من مسؤول ليبي، في مقدمتهم العقيد معمر القذافي نفسه، فان الليبيين الذين يخوضون الحرب ضد قوات حسين حبري تحت شعار أن الأرض الليبية أرض عربية وأن الاعتداء عليها يمس السيادة والكرامة العربية، يرفضون المنطق الايراني الذي يدعي ان أي احتلال للأراضي العراقية “عملية تحريرية”. ووفقا لبعض المصادر فان ليبيا قد جددت في الفترة الواقعة بين اجتماع وزراء خارجية الدول العربية السابق واجتماعهم الأخير الاتصال مع طهران لحثها على القبول بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 598 والاستجابة لمبادرات السلام العربية والاسلامية والدولية. ولكن يبدو ان الليبيين سمعوا الكلام نفسه الذي قاله الايرانيون للأمين العام للأمم المتحدة وقالوه لوزير الخارجية الجزائري.
وفي تقدير جهات مطلعة ان الايرانيين يحاولون التلاعب بعامل الوقت لتمييع الموقف الدولي الراهن تجاه حرب الخليج وتطوراتها وامتداداتها.
ويذكر ان الايرانيين كانوا قد ابلغوا وزير الخارجية السوري فاروق الشرع في زيارة سابقة الى طهران انهم على استعداد لوقف استفزازاتهم لبعض دول المنطقة اذا تخلت – حسب رأيهم – عن دعمها المادي والمعنوي للعراق. وقد أبلغت هذه الدول الوزير السوري انها ترفض هذا العرض وأنها ضد سياسة الابتزاز والتخويف التي تنتهجها طهران منذ اندلاع الحرب العراقية – الايرانية.

سؤال سابق

وتشير المعلومات الى أن السوريين الذين تبنوا في اجتماع وزراء الخارجية العرب السابق، سياسة الأبواب المفتوحة مع طهران جددوا الاتصالات مع العاصمة الايرانية لكنهم سمعوا من الايرانيين ايضا ما كانوا سمعوه في السابق.
والآن، ووفقا لمصادر مسؤولة في الجامعة العربية، فان وزراء الخارجية العرب الذين بدأوا اجتماعاتهم في العشرين من هذا الشهر في تونس وجدوا أمامهم جدول الأعمال السابق نفسه، خصوصا وأن نتائج الاتصالات التي قام بها المؤيدون لسياسة الابواب المفتوحة والاستفادة من الفرصة الأخيرة لا تحمل على التفاؤل ولا تشير الى أن المسؤولين الايرانيين لديهم أية نوايا للتخلي عن أساليبهم السابقة، والاستجابة للرغبة العربية والاسلامية والدولية بوقف الحرب.
وهكذا فان وزراء الخارجية العرب قد وجدوا أنفسهم بعد فترة السماح التي استمرت زهاء شهر كامل أمام السؤال الذي طرحوه في الاجتماع السابق، وهو : ما هو الاجراء الممكن ان تتفق عليه الدول العربية لحمل ايران على التخلي عن سياستها وزج المنطقة في أتون مواجهة دولية خطيرة؟

في الاجتماع السابق، وكما هو معروف، كان الرأي السائد ان الحد الأدنى المطلوب لوقف طهران عند حدها هو قطع العلاقات الديبلوماسية معها. ولكن أصحاب هذا الرأي، انطلاقا من الحرص على وحدة الموقف العربي وعدم اضاعة أية فرصة ممكنة لمعالجة الأمور بالروية، علقوا اجتماعاتهم حتى العشرين من هذا الشهر لافساح المجال لاجراء اتصالات جديدة مع ايران رغم معرفتهم المسبقة بأن مواقف المسؤولين الايرانيين باقية على ما هي عليه، وأنها غير قابلة للتزحزح قيد أنملة. وفي الاجتماع الجديد فان الوزراء الذين التقوا في اطار الجامعة العربي، قد سمعوا الآراء التي سمعوها سابقا.
وعلى هذا الصعيد فان الاتجاه المرجح انه ما دامت القمة العربية ستعقد قريبا فلا داعي للتسرع، وأن الأفضل احالة كل شيء الى هذه القمة التي يسود اعتقاد بأنها ستعقد في عمان في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. وهكذا فان الأنظار باتت، بعدما توصل وزراء خارجية الدول العربية الى ما توصلوا اليه، مركزة على القمة المقبلة. متى ستنعقد؟ وأين وما هي الأمور التي ستعالجها؟ وهل تتمكن من لملمة الشمل العربي؟

الحرب الاقتصادية

الحرب العراقية – الايرانية التي دخلت عامها الثامن تعتبر في أحد وجوهها حربا نفطية، لأن البلدين المتحاربين منتجان للنفط، وهما يستغلان عائداتهما لتمويل مجهودهما الحربي، كما يسعيان في الوقت نفسه لانزال الضربات العسكرية بالمرافق النفطية لدى بعضهما البعض. وكان العراق قد بدأ هذا الاتجاه الذي أطلق عليه وصف ” الحرب الاقتصادية “. وأبرز وجوه هذه الحرب الهجوم الجوي المتكرر على ميناء التصدير الايراني الرئيسي في جزيرة خرج.


شركة “لويدز”دفعت بليون جنيه استرليني كتعويضات لأصحاب السفن المتضررة

وقد ردت ايران من جانبها على هذه العمليات باقامة مرافق نفطية تبعد عن مدى الطيران العراقي في جزيرتي سري ولافانن ولو أنهما كانتا في مرمى الهجمات العراقية كذلك. اضافة الى ذلك فان ايران تتحدث دائما عن عزمها على اغلاق مضيق هرمز وحرمان العالم بالتالي من حوالي 6-7 ملايين برميل من النفط تمر عبر المضيق. لكن تكرار التهديد الايراني وعدم فعل شيء حتى الآن جعل المراقبين لا يلتفتون كثيرا الى هذه التهديدات لانها تعني في المقام الأول “انتحار” ايرانيا حيث ان ايران سوف تحرم نفسها من تصدير نفطها اذا أغلقت المضيق، وهو أمر لا يؤثر على العراق بشيء لأنه فقد منافذه التصديرية على الخليج منذ اشتعال الحرب عام 1980، الأمر الذي دفعه الى البحث عن بدائل أخرى، وهو ما نجح فيه بصورة ملحوظة بدليل ان صادراته الآن تقارب امكانياته التصديرية قبل الحرب والمقدرة بثلاثة ملايين برميل يوميا.

والبعد النفطي في الحرب اتخذ له مسارا ملحوظا في صيف 1984 عندما اشتعلت الناقلات. ففي ذلك العام وحده ضربت 54 سفينة وناقلة، وقد هبط العدد قليلا في العام التالي الى 47 ثم ارتفع بصورة درامية في العام الماضي الى 107. وتجاوز الرقم 80 منذ بداية هذا العام وحتى مطلع هذا الشهر، وذلك بالرغم من فترة ستة أسابيع التي أعقبت صدور قرار مجلس الأمن رقم 598 والقاضي بوقف القتال. وكانت أسوأ فترة في هذه الحرب الايام الخمسة المنتهية في الثالث من شهر سبتمبر (أيلول) عندما ضربت 16 سفينة، وهو ما دفع باليابانيين الى التوقف عن ارسال سفنهم لفترة من الوقت حتى تنجلي الامور، كما تصاعدت رسوم التأمين في الوقت ذاته.

وحرب الناقلات هذه كانت من الأسباب الرئيسية الداعية الى استقدام وقدوم الأساطيل الاجنبية الى منطقة الخليج. ويتوقع ان يبلغ العدد الكلي لهذه الأساطيل قرابة السبعين بنهاية هذا الشهر، مصفها يتبع الولايات المتحدة الأمريكية، مع العلم ان واردات أمريكا النفطية من المنطقة لا تتجاوز 6%، لكنها كدولة عظمى لا بد لها من التصدي لأي وجود سوفييتي يمكن أن يركز من اقدامه ليضغط على الحلفاء الغربيين. ويظهر هذا الأمر اذا لاحظنا ان ألمانيا الغربية مثلا تستورد 10% من احتياجاتها النفطية من الخليج وفرنسا 32% وايطاليا 49% واليابان 60%.

نتيجة رئيسية

واحدى النتائج الرئيسية لحرب الناقلات هذه، الاتجاه المتنامي للبحث عن طرق أكثر أمانا لنقل النفط، وعلى رأس هذه الطرق يأتي النقل عن طريق الأنابيب التي تكون أكثر امانا. وحسب الاحصائيات التي أجرتها “المجلة” ففي عام 1984، وقت اشتعال حرب الناقلات، كانت توجد 4 خطوط أنابيب لنقل النفط : “بترولاين” السعودي، خطان عراقيان يمران عبر تركيا وسورية ثم خط “سوميد” الذي تملكه السعودية ومصر والكويت والامارات وقطر. وتبلغ طاقة هذه الخطوط مجتمعة حوالي 4.3 ملايين برميل يوميا، والقابلة للاستغلال منها 3.8 ملايين وذلك بسبب اغلاق سورية لانبوب النفط العراقي الذي يمر عبر أراضيها. والمشتغل فعليا من تلك الخطوط لم يكن ليتجاوز 1.5 مليون برميل يوميا، لكن بسبب توسع الحرب وبروز الحاجة الى استخدام خطوط الأنابيب فان المشاريع التي نفذت منذ ذلك الوقت والجاري تنفيذها وتلك المخططة يمكن أن ترتفع بكمية النفط المنقول عبر الأنابيب الى حوالي 10 ملايين برميل يوميا في غضون ثلاث سنوات، وهو ما يزيد على الكمية التي تمر حاليا عبر مضيق هرمز.

وكانت المملكة العربية السعودية من أوائل الدول التي التفتت الى المخاطر الاستراتيجية لمضيق هرمز وقامت في وقت مبكر نسبيا بالتخطيط لانشاء خط أنابيب الشرق الى الغرب (بترولاين) الذي يمتد من حقول النفط في المنطقة الشرقية لينتهي عند ميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر ليختصر المسافة بحوالي 1.575 ميلا أمام الناقلات المسافرة بين ميناء التحميل في رأس تنورة الى ميناء ينبع. وهذا الخط الذي بدأ العمل فيه عام 1981 بطاقة 1.75 مليون برميل يوميا تم رفع طاقته الى 3.05 ملايين برميل في يناير (كانون الثاني) المنصرم.
ويرتبط بهذا الخط بصورة ما خط “سوميد” الذي يربط خليج السويس بالبحر الأبيض المتوسط. وكلمة “سوميد” مأخوذة من الاحرف الأولى لكلمتي:
(SUEZ-MEDITERRANEAN)
وتملك مصر 50% من أسهم الشركة التي تدير الخط وهي “الشركة العربية لأنابيب البترول” بينما تملك كل من السعودية والكويت والامارات 15% ودولة قطر ما تبقى وهو 5%. والخط الذي بدأ قبل عقد بطاقة 1.3 مليون برميل يوميا. ويعتقد ان العملية يمكن أن تتم في غضون عام اذا اتخذ القرار.

وزير خارجية بريطانيا جفري هاو لدى استقباله وزير الخارجية الكويتي صباح الأحمد
وزير خارجية بريطانيا جفري هاو لدى استقباله وزير الخارجية الكويتي صباح الأحمد

وهذا الاتجاه الى بناء خطوط الأنابيب يجعل هناك تركيزا استراتيجيا على كل من تركيا والأردن ومصر باعتبارها الأقرب الى مناطق الاستهلاك والمعابر التي يمكن أن تمر عليها الخطوط. وقد كان العراق سباقا في الاتجاه نحو النقل بالأنابيب وذلك بسبب ظروفه الخاصة التي حرمته من منافذه البحرية على الخليج كما سبق. وقد بدأ العراق بتوسيع الخط القديم الذي يمر عبر تركيا لتصل طاقته الى مليون برميل يوميا. ثم توصل الى اتفاق مع السعودية لمد خط من الزبير في الجنوب ليلتقي بالخط السعودي في محطة الضخ رقم – 3 قرب الرياض حاملا معه نصف مليون برميل يوميا وهو الخط الذي بدأ نشاطه قبل عامين، حيث يستخدم هذا الخط بعد ذلك “بترولاين” حتى ينبع. وفي أواخر يوليو (تموز) الماضي نجح العراق في تشغيل خط آخر يمر عبر تركيا بطاقة نصف مليون برميل يوميا. وابان زيارة للسيد طه ياسين رمضان نائب رئيس مجلس الوزراء العراقي الى تركيا في ابريل (نيسان) الماضي تم الاتفاق على البحث في أمر خط ثالث بطاقة 70 ألف برميل يمكن أن يمد تركيا بالنفط الثقيل. وبسبب هذه الخطوط أصبحت تركيا مستوردا رئيسيا للنفط العراقي (حوالي 80.400 برميل يوميا) ليحل العراق بذلك محل ايران.

ومن ناحية أخرى دخلت المفاوضات الخاصة بانشاء الخط العراقي الثاني الذي يمر بمحاذاة “بترولاين” ولمسافة 970 كيلومترا لينتهي بحوالي 20 كيلومترا جنوب ينبع. وتبلغ طاقة الخط المقدرة 1.6 مليون برميل يوميا وتصل تكاليفه الى بليوني دولار. وقد بدأت المفاوضات مع المجموعة الأولى من الشركات المتقدمة هذا الشهر وتشمل شركات:”ميتسوبيشي” و”هونداي” و”سنامبر وغيتي” و”سابيم” و”سايدر اكسبورت”. ويتوقع أن تبدأ جولة مع المجموعة الأخرى بقياد “مانسمان انلاكباو” الألمانية الغربية قريبا. لكن المصادر النفطية المطلعة أبلغت “المجلة” ان المفاوضات لن تنتهي قبل نهاية العام وربما في الربيع المقبل حيث تتم ترسية العطاءات ويتوقع للعمل ان يستغرق ما بين عام ونصف العام الى عامين.

وكان العراق قد درس فكرة خط آخر يمر عبر الأردن، ونشط الأمر بين عامي 84/1985 وتمت ترسية العطاء على شركة “بيكتل” الامريكية والتي قيل أنها نجحت في توفير مبالغ تصل الى 500 مليون دولار تشكل نص كلفة المشروع عن طريق ضمانات من بنك الاستيراد والتصدير الامريكي. ومع ان وزارة الخارجية الامريكية كانت مساندة للمشروع الا ان العراق قرر ارجاء التنفيذ لان الشركة لم تحصل على ضمانات من اسرائيل بألا تهاجم الخط في ما بعد. ويلاحظ في هذا الاطار ان العراق قام مؤخرا بعقد اتفاق مع الاتحاد السوفييتي لتطوير المرحلة الاخيرة من حقل قرنة الذي يمكنه انتاج نصف مليون برميل يوميا، وذلك حتى يتمكن من استغلال كافة المنافذ التي أصبحت متاحة له.

وهذا النشاط في مجال النقل بالخطوط لم يقتصر على العراق، فايران من جانبها بدأت الحديث عن خياراتها في هذا المجال، خاصة وهي تعلن عن اصرارها على مواصلة الحرب بأي ثمن، وهو اصرار لا بد من دعمه بامكانيات مادية. وقد أعلن وزير النفط الايراني غلام رضا اغازادة ان طهران وموسكو قد اتفقتا على استغلال خط الغاز المعروف باسم “ايقات – 1” وتحويله لينقل النفط الخام بطاقة 700 ألف برميل يوميا وهو ما يعادل نصف الصادرات الايرانية حاليا، وان هناك تفكيرا في انشاء خط آخر لتجاوز معضلة مضيق هرمز. والدوائر النفطية التي اتصلت بها “المجلة” أوضحت ان تحويل الغاز الى نقل النفط الخام ليس بالسهولة التي يجري الحديث عنها لان هذا الخط يمد حوالي 200 ألف مسكن في طهران باحتياجاتها من الغاز، ثم ان عملية التحويل لا بد ان تستغرق أكثر من الأشهر الثلاثة التي ورد ذكرها.

اما بالنسبة الى الخط الثاني فقد تضاربت الأقوال بشأنه. فصحيفة “وول ستريت جورنال” تقول انه يمتد لمسافة 900 كيلومتر من اقليم خوزستان الى جاسك، وقد تم تقسيم الخط الى أجزاء طول كل واحد منها 100 كيلومتر، وان الشركات بدأت العمل فعلا. لكن نشرة “ميس” النفطية المتخصصة اشارت الى أن الحديث عن هذا الخط لم يتجاوز النطاق الى مرحلة التنفيذ الفعلي وأنه حسب اتصالاتها لم تسمع عن شركة معينة تم ترسية عطاء لبناء الخط عليها او ان هناك أنابيب قد جرى ترحيلها الى مكان العمل. واشارت دوائر أخرى الى أن مجلس النواب الايراني قد أقر مؤخرا لوزارة البترول حق استعمال عائدات بيع 100 ألف برميل للتمويل مشاريع جديدة، وتشمل هذه المشاريع مجمعا للبتروكيماويات ومرافق أخرى ليس من بينها على أي حال ما يخص خطا للأنابيب.

وقد كثر الحديث عن خطوط أخرى يمكن ان تبنيها ايران لتنتهي في البحر الأسود في الاتحاد السوفييتي، لكن كما وضح مصدر يباني مطلع فان ايران يمكنها التخطيط لأي عدد تريده من المشاريع وهي حتما راغبة، لكن السؤال الاساسي عن التمويل. ومع ان العراق يواجه هذه المشكلة، الا انه وحتى الآن قد نجح في اقناع الشركات المتقدمة لعطاءاته بتوفير التمويل، وهو الشيء الذي لم تنجح فيه ايران بعد. وأشار الى أنه من المستبعد مثلا أن تشارك الشركات اليابانية بعد التجربة المريرة التي مرت بمجمع بندر عباس للبتروكيماويات الذي خسرت فيه الشركات اليابانية الكثير من الوقت والمال واضطرت للانسحاب منه ولم يكتمل.

دول أخرى

وخطوط الأنابيب لم تشغل بال العراق وايران فقط وانما امتدت الى الدول المنتجة الأخرى. فدول مجلس التعاون الخليجي الست أظهرت اهتماما بالأمر، وتم اعداد دراسة حول خط يبدأ من السعودية ليمتد الى سواحل عمان ويمكنه نقل مليونين ونصف المليون برميل يوميا بكلفة تصل الى بليوني دولار. لكن في اجتماع وزراء النفط في دول المجلس في نوفمبر (تشرين الثاني) 1985 طلبت عمان سحب الموضوع من جدول الاجتماع، وذلك لاخضاعه الى المزيد من الدراسة. وفي وقت لاحق أعلن الدكتور عبد الله القويز مساعد الأمين العام للمجلس للشؤون الاقتصادية ان هناك عاملين يحكمان النظر الى المشروع، وهما الوضع المالي للدول الأعضاء خاصة بعد انخفاض أسعار النفط ثم الحاجة الفعلية للمشروع لدى هذه الدول.

هذا الاتجاه نحو خطوط الأنابيب يمكن ان يتيح الفرصة من جديد أمام خط الأنابيب الافريقي الذي يمتد مسافة أربعة آلاف كيلومتر من ميناء بورتسودان في السودان الى ميناء دوالا الكاميروني والذي تقدر كلفته بحوالي عشرة بلايين دولار. وصاحب الفكرة هو رجل الأعمال الامريكي، اليوناني الأصل آلكس تساكسوس، الذي كان النجاح الوحيد الذي حققه يتمثل في توقيع كل من السودان أيام الرئيس السابق جعفر نميري على اتفاقية لمرور الخط، وكذلك توقيع كل من افريقيا الوسطى والكاميرون على اتفاقيات. لكن بما ان هذه الدول مستفيدة في كل الأحوال من هذا المشروع ولا تخسر شيئا، فان توقيعها هذا لم يدفع بالمشروع الى الامام خاصة في غياب أمور أساسية مثل وجود اتفاقيات مع الدول المصدرة لاستخدام الخط، ثم غياب التمويل، اذ لم يسجل تساكسوس نجاحا يذكر في هذا المجال. وحتى محاولاته لاشراك وزارة الخارجية الامريكية وبعض الشركات العملاقة مثل “اكسون” في الأمر لم تجد نفعا. واذا كان المجال قد أتيح لاختبار كل الفرص المتاحة أمام انشاء مختلف خطوط الأنابيب، فمن الواضح ان الأنابيب لا تمثل حلولا آمنة ومطلقة لنقل النفط. وكما لكل حل مشاكله الخاصة به، فمثل هذا الخط الذي يمر عبر القارة الافريقية له مشاكل عديدة على رأسها ضمانة سلامته ووجود الامكانيات الفنية والاستقرار اللازم لضمان تشغيله بصورة مستمرة، وهو الأمر الذي لم تنجح الدراسات القديمة التي قدمت في توفيره.

ان نجاح ايران النسبي في بيع نسبة من نفطها الخام، رغم الخسائر الكبيرة في الناقلات الايرانية، هو الذي يمكنها من الحصول على العملات الاجنبية وبالتالي من مواصلة حربها المدمرة ضد العراق وتصعيد التوتر في الخليج العربي. ولكن النظام الايراني ما كان ليستطيع الاستمرار في بيع هذه النسبة من نفطه تحت ضغط سلاح الجو العراقي المركز، لولا ان بعض شركات التأمين البحري العالمية، ما زالت تقدم غطاء للتأمين ضد مخاطر الحرب في منطقة جزيرة الخرج، وان برسوم خيالية للناقلات الاجنبية المستعدة للمخاطرة بنقل النفط الايراني من الجزيرة.
وعلى الرغم من انسحاب العديد من شركات التأمين البحري في العالم، وهي مؤسسة “لويدز” اللندنية للتأمين، لا تزال واحدة من شركات التأمين البحري القليلة التي تؤمن الناقلات التي تعمل لحساب ايران، والتي تحقق أرباحا خيالية.

شركات التأمين البحري

في الدور الثاني من عمارة للمكاتب في بلدة جلوشستر، التي تبعد قرابة 60 ميلا عن لندن، دائرة تابعة لمؤسسة “لويدز” اللندنية للتأمين، هي دائرة “استخبارات لويدز” التي تجمع المعلومات عن تحركات السفن وأخبارها من شتى أنحاء العالم لمنفعة وكلاء التأمين في “لويدز” اللندنية. ولعل أبرز المسؤولين هناك، رجل اسمه روجر لوز، الضابط المسؤول عن جمع التقارير المتعلقة باصابات السفن أو غرقها. ففي امكان هذا الرجل اذا أصيبت سفينة تجارية أو ناقلة في منطقة الخليج مثلا، ان يعرف بالخبر خلال عشرين دقيقة، اي أسرع من اي شخص آخر خارج المنطقة، عن طريق مكالمة هاتفية من واحد من “مصادره السرية” في الخليج كما يسميهم. وعندئذن يسارع الى كتابة رسالة واحدة، يرسلها جهاز تلكس متصل بكومبيوتر الى قرابة ثمانين منظمة مختصة، تتراوح بين شركات القطر وانقاذ السفن من الغرق والأحواض الجافة، وبين الشركات المتخصصة بالمحافظة على البيئة من التلوث ولاسيما بالنفط الخام المندلق. ولكن وكلاء التأمين في “لويدز” اللندنية، هم الجهة التي يرسل اليها التقرير أصلا، والذين قد يكون احدهم في الأغلب هو الجهة المؤمنة على الناقلة المعطوبة او الغارقة، والذي يتعين عليه أن يدفع تعويضا الى أصحاب السفينة. أما بقية الجهات التي تتلقط أخبار الكوارث في الخليج فهي جهات مستفيدة، ازدهرت أعمالها منذ انفجرت حرب الناقلات سنة 1984، ازدهارا كبيرا.

لقد بلغ عدد السفن من ناقلات وغيرها، التي أصيبت في حرب الخليج منذ مايو (آيار) 1981، ثلاثمائة وأربعين بحسب احصائيات “لويدز” كانت خسارة 115 منها “خسارة تامة” أي أنها غرقت او تضررت ضررا حتم بيعها لتجار الخردة. كم حصدت حرب الناقلات منذ عام 1984، حياة 212 بحارا حسب ما ذكرته صحيفة “قائمة لويدز”. وقد علمت “المجلة” ان “لويدز” اللندنية للتأمين، أكبر المؤمنين ضد مخاطر الحرب في الخليج، دفعت خلال السنوات السبع الماضية منذ اندلعت حرب الخليج، تعويضات بقيمة ألف مليون جنيه استرليني، وان كانت بعض هذه التعويضات دفعت لاصحاب السفن التي أصيبت عند اندلاع الحرب وهي في شط العرب، أو التي ظلت محصورة في شط العرب حتى تآكلت من الصدأ. ولكن رغم ارتفاع قيمة التعويضات التي دفعتها “لويدز” اللندنية لأصحاب السفن، الا انها ظلت تحقق أرباحا تتصاعد عاما بعد عام، حتى انها حققت سنة 1984 (من تقاليدها نشر ميزانيتها متأخرة ثلاث سنوات) أرباحا قياسية بثلاثمائة مليون استرليني. ولم تأت هذه الأرباح بطبيعة الحال من التأمين على السفن ضد مخاطر الحرب في الخليج. اذ تتعاطى “لويدز” جميع أنواع التأمين الدولي، ولا سيما التأمين على الطائرات المدنية والتأمين البحري عموما. ولكن أعمالها في منطقة الخليج، ولا سيما التأمين على السفن والناقلات ضد مخاطر الحرب، ظلت تشكل نسبة عالية من دخلها.

بدأت “لويدز” اللندنية وغيرها من أسواق التأمين البحري، تعتبر أجزاء من منطقة الخليج، منطقة حربية، ولا سيما منطقة جزيرة خرج، منذ عام 1981، حيث فرضت رسوم تأمين خاصة بمخاطر الحرب تزيد عن رسوم التأمين البحري العادية، التي تبلغ 0.025% من قيمة السفينة. وفي أغسطس (آب) من العام التالي (1982) تضاعفت رسوم التأمين ثلاث مرات بالنسبة الى الناقلات والسفن المتجهة الى المياه الايرانية. وبهذه الزيادة بلغت رسوم التأمين ضد مخاطر الحرب، اثني عشر ضعف التأمين البحري العادي.

وفي مايو (آيار) 1984 تصاعدت رسوم التأمين ضد مخاطر الحرب أكثر حتى بلغت 2% من ثمن السفينة عن رحلة في اتجاه واحد، وبذا أصبحت رسوم تأمين ناقلة ثمنها عشرة ملايين دولار 200 ألف دولار في كل اتجاه. ولكن لجنة تحديد رسوم التأمين ضد مخاطر الحرب في “لويدز” اللندنية، قررت بعد ستة أشهر (نوفمبر/تشرين الثاني 1984) ان توفر لوكلاء التأمين فيها مرونة أكبر اثر فترة من الهدوء النسبي في الخليج، فسمحت لهم بالتفاوض حول عقود التأمين ضد مخاطر الحرب، بدل الالتزام بسعر ثابت هو 2% وقد اتخذت “لويدز” هذا القرار بالتخلي عن الأسعار الثابتة لمساعدة وكلائها في سوق أصبحت شديدة المنافسة، وفي فترة أصبح فيها أصحاب السفن يبحثون عن ترتيبات تأمين جديدة. ولكن أسعار التأمين عادت ترتفع في الشهر التالي (ديسمبر /كانون الأول 1984) ارتفاعا كبيرا، ووسعت شركات التأمين الرقعة التي تعتبرها منطقى حرب، بعد أن أصبحت الطائرات الايرانية تغير على الناقلات التي تحمل نفطا عربيا.

واستمرت رسوم التأمين البحري تتصاعد بانتظام حتى في المناطق الخليجية البعيدة عن منطقة الحرب. ففي منتصف أغسطس (آب) من العام الماضي رفعت لجنة تحديد رسوم التأمين ضد مخاطر الحرب، رسوم التأمين بالنسبة الى السفن المتجهة الى الخليج من 0.05% الى 0.125% من قيمة السفينة، الأمر الذي عكس تزايد قلق أسواق التأمين البحري من تصاعد عدوانية النظام الايراني. وفي الوقت نفسه تضاعفت رسوم التأمين على الناقلات التي تذهب الى جزيرة سري – التي أصبحت نقطة تصدير النفط الايراني الرئيسية – ثلاث مرات بعد أن نجح سلاح الجو العراقي في الوصول الى الجزيرة وقصفها، بعد تزودها بالوقود جوا. فقد كانت رسوم التأمين ضد مخاطر الحرب في تلك المنطقة البعيدة عن مسرح العمليات العسكرية ومدى سلاح الجو العراقي قبل ذلك هي 0.125%، ولكنها ارتفعت في صيف العام الماضي الى 0.375% من قيمة السفينة أو الناقلة. وخلال أشهر قليلة (ديسمبر/كانون الأول 1986) تضاعفت الرسوم في منطقة هرمز كلها الى 1% من قيمة السفينة. وفي الثاني من الشهر الحالي (سبتمبر/أيلول) ارتفعت الرسول اجمالا بمعدل 50%.

لقد تطورت حرب الناقلات عام 1984، بسبب قناعة العراق بأن حرمان ايران من دخلها من النفط، سيجعل في وضع حد لهذه الحرب الدامية. ولما كان العراق يصدر نفطه عن طريق الأنابيب، فقد ركز هجماته على جزيرة خرج (نقطة تصدير النفط الايراني الرئيسية)، وعلى الناقلات التي تتجه اليها لنقل النفط، وردت ايران بمحاولة الانتقام من الناقلات العربية او التي تحمل النفط العربي، ولا سيما من الكويت. ولكن عندما تعاظمت خسائرها من الناقلات في منطقة الخرج (تقدر “لويدز” اللندنية ان شركة الناقلات الايرانية خسرت أربعين ناقلة وسفينة) بدأت سلطات النظام الايراني في نقل النفط الايراني عن طريق أسطول من الناقلات الصغيرة المستأجرة، في عملية مكوكية تحمل النفط الى جزيرة اصطناعية صغيرة قرب مضيق هرمز، مكونة من عدد من ناقلات النفط العملاقة المربوطة الى بعضها والتي تصل حمولتها الى 300 ألف طن. وكانت الناقلات الأجنبية تأتي الى هذه الجزيرة الاصطناعية لتأخذ النفط الى العالم الخارجي.

أرباح خيالية

ولكن مخاطراتجاه ناقلات النفط الى جزيرة الخرج، او الى مناطق الخليج الشمالية ولا سيما الكويت، ظلت تتزايد. فمن ناحية تصبح الناقلات المتجهة الى الموانئ العربية أكثر عرضة، ولاسيما لطائرات الهليكوبتر الايرانية المسلحة، التي تتخذ من منصات حفر آبار النفط في وسط الخليج قواعد لها. ولذا أصبحت رسوم التأمين على الناقلات المتجهة الى الكويت مثلا 0.5% من قيمة السفينة. أما الناقلات التي تشترك في عملية نقل النفط المكوكية من جزيرة خرج، وأغلبها ناقلات يونانية ونرويجية يجتذب أصحابها الطمع الشديد، فقد وصلت رسوم التأمين عليها 5% عن الرحلة الواحدة. وفي بعض الحالات دفع أصحاب السفن رسوم تأمين بلغت 40-50% من قيمة السفينة عن عقد تأمين ضد مخاطر الحرب لمدة ستة أشهر. ولكن أصحاب الناقلات كانوا قادرين دوما على ترجمة المخاطر ورسوم التأمين العالية، الى أجور خيالية يقبضونها من النظام الايراني. فمنذ ثلاثة أشهر فقط كانت أجرة الناقلة الصغيرة التي تشترك في عملية نقل النفط المكوكية من جزيرة خرج تحت حراسة الاسطول الايراني الصغير 25 ألف دولار في اليوم. ويتقاضى قبطان الناقلة عشرة آلاف دولار عن كل رحلة من الرحلات المكوكية الى جزيرة خرج، ويكسب في السنة ما كان يكسبه في عشر سنوات. أما طواقم البحارة الذين يتشكلون عادة من هنود وفيلبينيين وغيرهم، فيتقاضون في هذه الرحلات 370 دولارا في الشهر، أي ضعف مرتباتهم العادية.

وكان النظام الايراني يعرف دائما ان تصاعد رسوم التأمين ضد مخاطر الحرب، قد يشل في نهاية المطاف تصدير النفط الايراني، وسيساهم في “المجهود الحربي العراقي”. ونتيجة لذلك عرضت شركة التأمين التابعة للدولة الايرانية منذ مارس (آذار) 1984، ان تؤمن جميع ناقلات النفط الاجنبية التي تتجه الى جزيرة الخرج وغيرها من موانئ النفط الايرانية، برسوم تقل كثيرا عن الرسوم العالمية. وتعهدت الشركة التي يدعمها مصرف ايران المركزي، بدفع التعويضات بسرعة فائقة. وكان المصرف المركزي حول 100 مليون جنيه الى حساب شركة التأمين الايرانية في أحد مصارف لندن لهذه الغاية. وفي يونيو (حزيران) من العام الماضي عاد المصرف وحول 8.3 ملايين جنيه أخرى بهدف توفير تأمين رخيص للناقلات التي تحمل النفط الايراني.

وكانت مجموعتا تأمين بحري رئيسيتان، هما “الجمعية الهيلينية للتأمين ضد مخاطر الحرب” ومقرها برمودا، و”الجمعية البريطانية للتأمين ضد مخاطر الحرب” ومقرها لندن، قد سحبتا أغطية التأمين بالنسبة الى الناقلات التي تستعمل جزيرة الخرج. غير أن أصحاب السفن اليونانية والبريطانية كانوا ما زالوا قادرين على الحصول على غطاء تأمين من “لويدز” اللندنية، وهي احدى المجموعات القليلة التي ما زالت توفر تأمينا ضد مخاطر الحرب في الخليج. وفي لقاء مع مسؤول في “لويدز” اللندنية اسمه جون ديفيز، قال لـ”المجلة” ان “لويدز” اللندنية لن تقرر الانسحاب من سوق التأمين ضد مخاطر الحرب في الخليج. فالمسألة كما قال، ليست مسألة انسحاب أو عدمه، لأن أصحاب السفن هم الذين يقررون ما اذا كانوا يريدون الحصول على غطاء ضد مخاطر الحرب أم لا. فكلما ازدادت المخاطر، ارتفعت رسوم التأمين. واذا أصبح صاحب السفينة غير قادر على تحمل هذه الرسوم، ينسحب هو من الساحة. أما “لويدز” فلا تنسحب.

ولكن سجل “لويدز” اللندنية يحتوي على حالات انسحبت فيها من السوق. فقد سحبت أغطية تأمين السفن المتجهة الى الارجنتنين أثناء حرب الفولكلاند، وسحبت تأمين طائرات طيران “الشرق الأوسط” اللبنانية، وان كانت عادت وقبلت التأمين عليها شريطة الا تبيت طائرات “الجمبو” الثلاث التي تملكها الشركة في مطار بيروت. وعلى الرغم من أن أركان النظام الايراني يتهمون “لويدز” اللندنية بأنها “تتواطأ مع أعداء ايران والامبريالية” برفع رسوم التأمين ضد مخاطر الحرب، الا أن العديد من المراقبين العرب والأجانب يعتقدون ان بقاء “لويدز” اللندنية في سوق التأمين ضد مخاطر الحرب، يساهم بطريقة أو بأخرى في اطالة أمد الحرب.

وقد نفت “لويدز”، ردا على سؤال “المجلة” ان يكون ارتفاع رسوم التأمين ضد مخاطر الحرب ساهم في ارتفاع أسعار النفط العالمية. وقالت ان الكلفة الرئيسية التي قد تؤثر على أسعار النفط، ليست رسوم التأمين وانما كلفة الشحن، بما في ذلك مرتبات القباطنة الذين يقبلون بالمغامرة والذهاب الى أماكن شديدة الخطورة وأجرة الناقلات. ولكن على الرغم من تقارير نشرتها الصحف الكويتية من أن ارتفاع رسوم التأمين ضد مخاطر الحرب، جعل أصحاب الناقلات يرسلون سفنهم الى الخليج بدون تأمين، الا ان توفر بوالص التأمين البحري وارتفاع الأجور التي يدفعها النظام المكوكية من الخرج، ساعدا في تحريك سوق وبيع وشراء وتأجير الناقلات في الخليج. فالعديد من أصحاب السفن يشترون ناقلات، كانت منذ شهور تعرض بأربعة ملايين دولار، بضعف ذلك المبلغ أو أكثر، لتشغيلها في عملية مكوك الخرج، وبينما كانت في الخليج قبل ثلاثة أشهر 27 ناقلة تنتظر دورها للتأجير، لم يبق اليوم سوى خمس ناقلات أو أربع.

أحد فروع بنك لويدز في كوفنتري اتجلترا، بني في عام 1932
أحد فروع بنك لويدز في كوفنتري اتجلترا، بني في عام 1932

وكانت الكويت ألغت عقدها مع “لويدز” اللندنية بالنسبة الى تأمين أسطول ناقلاتها المكون من 23 ناقلة، في يوليو (تموز) 1984، بسبب الارتفاع يومئذ في رسوم التأمين في منطقة الخليج الشمالية الغربية، ووفرت بذلك مبلغ 21 مليون دولار خلال الشهور الستة المتبقية من تلك السنة بالحصول على غطاء تأمين ضد المخاطر الاعتيادية وليس مخاطر الحرب. وتؤمن معظم الناقلات العربية مجموعة تأمين عربية تشكلت عام 1980 من 27 شركة تأمين محلية، اسمها “مجموعة التأمين العربية ضد مخاطر الحرب”.

ولا يعتبر المسؤولية في “لويدز” اللندنية كما قالوا لـ”المجلة”، ان تواجد أكبر تجمع من الاساطيل الحربية يشهده العالم منذ الحرب الفيتنامية، في منطقة الخليج، سبب يحفزها الى التفكير في خفض رسوم التأمين ضد مخاطر الحرب، رغم الحماية التي توفرها هذه السفن متعددة الجنسيات لحرية الملاحة في الخليج ولتدفق النفط العربي الذي يشكل 14% من احتياجات الغرب. وقد تكون “لويدز” مصيبة في تقديراتها هذه المرة. فلم يتوقع أحد نجاح دي كويلار في مهمته في ايران، وبدا واضحا ان نظام طهران يماطل ويحاول كسب الوقت. اذ يعرف زعماء طهران ان الاستجابة لنداء مجلس الأمن الذي اتخذ بالاجماع، والموافقة على وقف اطلاق النار تمهيدا لانهاء هذه الحرب الدامية، سيعنيان انكشاف مسألة افلاس النظام الايراني السياسي والعسكري والأخلاقي.

وسيعني هذا أيضا أن تسعى ايران جاهدة في خلال الوقت الذي تكسبه، الى الحصول على أكبر قدر من الأسلحة قبل أن يفرض مجلس الأمن حظرا على مبيعات الأسلحة الى ايران، سواء عن طريق مبادلة اليهود الايرانيين بالاسلحة الاسرائيلية، أو عن طريق انفاق أموال الايرانيين على سماسرة الاسلحة في العالم. وقد كشفت المصادر الصحفية الاوروبية أخيرا عن أن العروض انهالت في الواقع على ايران لتزويدها بكل أنواع الأسلحة، التي تتراوح بين الأسلحة الخفيفة، والدبابات والطائرات والسفن الحربية، من الصين واسرائيل ودول أوروبا الغربية مقابل أثمان مرتفعة بطبيعة الحال.

وعلى نقيض اصرار العالم، الذي مثله قرار مجلس الأمن بالاجماع، بوقف اطلاق النار في حرب الخليج، يبدو ان الاسرائيليين يعدون، كما ألمح بوضوح مسؤول ايراني في مقابلة مع صحيفة “الاوبزيرفر” اللندنية، لشن هجوم آخر في حربهم ضد العراق. وسيعني هذا زيادة في التوتر في منطقة الخليج ككل. فعلى الرغم من أن الايرانيين حاولوا حتى الآن تفادي الاصطدام مع القوة البحرية الامريكية التي زاد عدد وحداتها عن الاربعين حتى الآن، الا أن تصاعد التوتر وقلة خبرة “الحرس الثوري” بتكنولوجيا المسح البحري، يعرضانهم ان عاجلا أو آجلا، والأرجح عن طريق الخطأ، الى صدام مع الامريكيين. ولكن الأمريكيين بدورهم يحاولون كسب الوقت حتى تصل حاملة طائرات أخرى . فاحد التكتيكات المعروفة عن الأسطول الامريكي أنه لا يوجه ضربة جوية الا بوجود حاملتي طائرات، لأن أي عملية انتحارية يقوم بها طيار ايراني بالانقضاض والتحطم على سطح حاملة الطائرات، سيعني نهاية الطائرات التي كانت موجودة في الجو. أما بوجود حاملة أخرى، فان الطائرات المقلعة ستهبط عليها بأمان.

ومن الدلائل على جدية الموقف الامريكي، رغم ان أحدا لا يعتقد بأن الامريكيين سيكونون البادئين في اطلاق النار، استدعاء سفينة المعارك البحرية “ميزوري” التي تعود الى الحرب العالمية الثانية، والمزودة بمدافع ضخمة بعيدة المدى قادرة على ضرب مواقع صواريخ “دودة القز” الصينية الصنع، عند مضيق هرمز. ولكن ميزة هذه البارجة الرئيسية، انها مزودة باثنين وثلاثين صاروخ “كروز”، برؤوس غير نووية، وبخارطة رقمية يمكن برمجة الصواريخ بها، لضرب أي موقع على مسافة 500 ميل. وباستعمال هذه الصواريخ بدل الطائرات، يضمن الامريكيون عدم وقوع أي من طياريهم رهينة في ايدي “الحرس الثوري”، وما يتبع ذلك من تهديد للأمريكيين.

“لويدز”من مقهى الى شركة عالمية

تعتبر مؤسسة “لويدز” اللندنية للتأمين، واحدة من أهم المجموعات التي تتعامل بالتأمين على اختلاف أنواعه وأكثرها شهرة. فالتعويضات بشأن أي كارثة في العالم كما قال أحد كبار المسؤولين في “لويدز” اللندنية، ينتهي المطاف بها سواء عن طريق التأمين المباشر أو اعادة التأمين، في “لويدز” اللندنية. ولكن “لويدز” اللندنية نفسها، لا تتعامل بالتأمين على الاطلاق، وانما تشكل مظلّة ادارية لأكثر من ألف من وكلاء التأمين:
(underwriters)الذين يمثلون أكثر من 30 ألفا من الأفراد الذين يريدون استثمار أموالهم في مخاطر التأمين البحري أو غيره.

ولفهم الأسلوب الفريد الذي تعمل به “لويدز” اللندنية، يتعين علينا القاء نظرة تاريخية على تطور هذه المؤسسة العملاقة. وهي احدى مجموعات التأمين القليلة في العالم. التي تقدم أغطية تأمين خاص بمخاطر الحرب للسفن المقلعة الى الخليج. ففي عام 1688 افتتح رجل ويلزي طموح يحمل أفكارا خلاقة ويدعى ادوارد لويد مقهى على حافة نهر التايمز قرب برج لندن التاريخي اسماه “مقهى البرج”. وكان همه بطبيعة الحال اجتذاب زبائن من بين القباطنة والبحارة والتجار، الى مقهاه في حقبة كانت فيها المقاهي، أمكنة للاجتماع من أجل المتعة والعمل والنقاش والتقاط الأخبار والشائعات.

مقهى "البرج"
مقهى “البرج”

وكانت التأمين على السفن في تلك الايام، عملية بسيطة، تتلخص في أن يتعهد أناس من ذوي المكانة الاجتماعية والمالية المضمونة، بدفع تعويضات مالية لصاحب السفينة تغطي قيمة السفينة وحمولتها من البضائع اذا غرقت السفينة. مقابل حصولهم على نصيب من أرباح البضائع، اذا رجعت السفينة سالمة. وكان هؤلاء الناس الذين يستثمرون أموالهم في مخاطر التأمين على السفن والبضائع، يكتبون أسماءهم على رقعة ورق في رأسها وصف للبضائع المشحونة. يليه توقيع قبطان السفينة. وكانت الأسماء أو التوقيعات تكتب في قائمة تحت اسم القبطان، ومن هنا نشأ في الانجليزية تعبير:
(underwriter)أي “الموقع أدناه”.ولم يعرف عن ادوارد لويد انه شارك في عمليات التأمين هذه على الاطلاق، وانما كان همه توفير الأجواء المناسبة والتسهيلات الضرورية في مقهاه، لتنشيط عمليات التأمين واجتذاب الزبائن بالتالي. وكان قبطان السفينة الذي يريد الحصول على تأمين لسفينته يعلق وصفا للسلع التي تحملها سفينته على لوحة في المقهى، ويوقع الصك باسمه. فيأتي كل من تهمه المشاركة في التأمين على السفينة من المقتدرين ماليا ويكتب اسمه تحت اسم القبطان. وقد ازدادت أهمية “مقهى البرج” عندما استأجر ادوارد لويد عدائين فتيانا لجمع المعلومات عن السفن التي ترسو في موانئ لندن أو تقلع منها، وبخاصة السفن التي تعرضت هي أو حمولتها لاضرار أو سطو القراصنة أو تمرد البحارة. فقد أصبح المقهى مصدرا مهما للمعلومات المتعلقة بتحركات السفن والتجارة المتصلة بالبحر، بعد أن أصبح لويد يكتب هذه المعلومات على لوحة في المقهى. وقد كانت تلك المعلومات موثوقة الى درجة أصبح معها “مقهى البرج”، هو المكان المعترف به للحصول على بوليصة تأمين بحري. وبذا ضمن ذلك الويلزي الذكي ان يخلد اسمه، الذي أصبح رمزا دوليا ولا سيما في حقل التأمين البحري، على الرغم من ان نشاطات “لويدز” اللندنية تغطي اليوم جميع أنواع التأمين المتعارف عليها.

والفرق بطبيعة الحال كبير بين “مقهى البرج” الذي شهد نشأة مؤسسة “لويدز” اللندنية، وبين مقر الشركة الجديد الذي افتتحته الملكة اليزابيث في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في قلب حي الستي في لندن. فالمبنى الجديد، الذي قال لنا جون ديفز من المسؤولين في “لويدز” اللندنية انه يؤمل ان ينقل المؤسسة الى القرن الحادي والعشرين، مصمم تصميما ممعنا في الخيال، حتى أنه ليبدو من تصاميم عصور الفضاء البعيدة. فقد صممه المهندس المعماري البريطاني المعروف ريتشارد روجرز، مصمم “مركز بومبيدو” في باريس. وقد وصف مبنى “لويدز” اللندنية، الذي يقع الى جانب أحد أقدم أسواق حي الستي، بأنه منصة لحفر آبار النفط، وشبه بأنه مثل ابريق قهوة.
وكما كان عليه الأمر في عهد ادوارد لويد، يمثل وكلاء تأمين عددا من الافراد الذين يريدون استثمار أموالهم في مخاطر التأمين. ويبلغ عدد المستثمرين عن طريق قرابة الف وكيل، وثلاثين ألف مستثمر، يختلفون عن غيرهم من شركات التأمين بأن مسؤوليتهم غير محدودة. فاذا تعين على وكيل التأمين دفع تعويضات عالية لمواجهة التزام ببوليصة تأمين، يمكن ان يخسر هؤلاء المستثمرون كل أموالهم وممتلكاتهم، بما في ذلك منازلهم وسياراتهم ويخوتهم. اما في حالة شركات التأمين العادية، فان مسؤولية المساهمين في الشركة تكون محدودة بقيمة أسهمهم، ولا تتعدى ذلك الى ممتلكاتهم الخاصة. ولاربما كان هذا أحد أسباب نجاح “لويدز” اللندنية. فليست هناك في سجلها أي اشارة الى أنها أخفقت في الوفاء بالتزاماتها المالية.

وبالنسبة الى التأمين على السفن – او ما يسمى التأمين على هياكل السفن – فلا يوجد اي رسوم متفق عليها بالنسبة الى التأمين ضد مخاطر الحرب. ويقوم وكلاء التأمين في “لويدز” اللندنية بالتفاوض على حدة مع أصحاب السفن للتوصل الى اتفاق محدد في اطار الادراك لمدى المخاطر التي تشكلها تلك الحرب للسفن. وتتذبذب الرسوم نسبيا على التأمين ضد مخاطر الحرب، باختلاف ادراك وكلاء التأمين لمدى الخطورة. أما رسوم التأمين خارج مناطق الحروب، فهي ثابتة بين كل الوكلاء وشركات التأمين الأخرى، وتبلغ 0.025% من قيمة السفينة لفترة تمتد عادة الى 14 يوما.

أما التأمين على البضائع فيحدد رسومه معهد في لندن اسمه “معهد مؤمني لندن”. ولكن هناك بطبيعة الحال فرقا بين التأمين على السفن والتأمين على حمولتها. فالسفينة المتجهة الى الكويت مثلا، تكون معرضة في طريق الذهاب عبر مضيق هرمز وفي طريق العودة. اما الحمولة فتكون معرضة في طريق الذهاب فقط. ولذا فان التأمين على البضائع لا يتجاوب مع تطورات الأحداث في الخليج بالسرعة نفسها التي يتجاوب فيها التأمين على السفن. فقد ذكر احد المسؤولين في “لويدز” اللندنية. انه عندما وضع الايرانيون الألغام البحرية في مياه الخليج، تجاوبت سوق تأمين السفن مع هذا الخطر الجديد خلال 48 ساعة. اما سوق التأمين على البضائع فقد احتاجت الى أسبوع كامل لتقرر أن هناك خطرا اضافيا يهدد حركة النقل البحري في الخليج.

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.