خديجة خانم تكشف أسرار أول سفير سوفييتي في السعودية - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

من الأرشيف

خديجة خانم تكشف أسرار أول سفير سوفييتي في السعودية

خديجة خانم عقيلة السفير حكيموف تتحدث ل"المجلة" من منزلها في موسكو..وفي الاطار السفير عبد الكريم حكيموف وغلاف المجلة (العدد 507) 31 أكتوبر (تشرين الأول) 1989/2 ربيع الآخر 1410 هـ
خديجة خانم عقيلة السفير حكيموف تتحدث لـ”المجلة” من منزلها في موسكو..وفي الاطار السفير عبد الكريم حكيموف وغلاف مجلة “المجلة” (العدد 507) 31 أكتوبر (تشرين الأول) 1989/2 ربيع الآخر 1410 هـ

في هذا العام حلت الذكرى المائة بعد الألف لدخول الدين الاسلامي الحنيف الى ما يسمى حاليا الاتحاد السوفييتي، وخلال هذه الأعوام المديدة، واجه المسلمون في تلك الديار ظروفا صعبة وقاسية، وحققوا انتصارات كبيرة، كما حلت بهم كوارث لا مثيل لها على يد قوات الامبراطورية الروسية التي شنت ضدهم حروبا صليبية استمرت عشرات الاعوام.
وفي التاريخ الحديث واجه مسلمو الاتحاد السوفييتي وضعا صعبا في وجه المد الالحادي الذي أطلقته الثورة البلشيفية المعاصرة وانتصروا على كل محاولات التذويب والاستلاب، وكان لحكومة جلالة الملك عبد العزيز آل سعود طيب الله ثراه الدور المبادر منذ نحو أكثر من سبعين عاما لنجدة راية الاسلام والمسلمين في الدولة السوفييتية، فبذل الغالي والرخيص من أجل أن تبقى العلاقة الاسلامية قائمة في تلك البلاد.

وفي هذه المناسبة وبعد التطورات البالغة الدلالة التي حدثت في الاتحاد السوفييتي، بعد مجيئ ميخائيل جورباتشوف الى الحكم والآثار الكبيرة التي نجمت عن “البريسترويكا” في جمهوريات الاتحاد السوفييتي الاسلامية فقد أجرت “المجلة” تحقيقات ميدانية، تنقلت خلالها بين موسكو وبشكيريا وعدد من المدن والجمهوريات الاسلامية، وخرجت بنتائج هامة للغاية ومعلومات تنشر للمرة الأولى تؤكد على أن الاسلام في تلك الديار بخير رغم كل ما تعرض له وان الأيام المقبلة حبلى بتطورات هامة ستكون بالتأكيد لمصلحة الاسلام والمسلمين.

ولأن قصة أول سفير لدى المملكة العربية السعودية عبد الكريم عبد الرؤوف حكيموف تلخص قصة الاسلام والمسلمين وما تعرضوا له في العهد الستاليني الدموي، فقد اختارت “المجلة” ان تبدأ تحقيقاتها بهذه القصة المثيرة التي روت تفاصيلها أرملة حكيموف السيدة خديجة. التي عثرت “المجلة” على موقعها حيث تقيم حاليا في شقة في احدى عمارات شارع “لينين” مع ابنتها فلورا وحفيدتها مارينا، والتي رغم مرضها وتقدمها في العمر لا تزال تذكر تفاصيل وأحداث تلك الأيام التي قضتها مع زوجها في الديار المقدسة.

وتبدأ قصة حكيموف بأنه بين عشرات الوفود التي قدمت من كل أنحاء العالم لحضور المؤتمر الاسلامي الأول الذي دعا لانعقاده في مكة المكرمة المغفور له الملك عبد العزيز آل سعود، طيب الله ثراه، في العام 1926، كان هناك وفد يمثل مسلمي الاتحاد السوفييتي، الذين أعجبوا بشخصية هذا الفارس والقائد الاسلامي الكبير الذي دعا الى هذا التجمع الهام.
والمؤكد ان الاعجاب بهذا الفارس الذي برز في ظروف عصيبة وانطلق من جوار بيت الله الحرام ليوحد كلمة الاسلام والمسلمين هو امتداد للاعجاب بشخصيته القيادية الفذة التي تمكنت في فترة زمنية مثالية من توحيد معظم الجزيرة العربية، التي كانت تعصف بها الانقاسامات. وكانت مجموعة من أشباه الدول والفرق والقبائل المتناحرة. لقد استطاع الراحل الكبير ان يلملم أشلاء هذه المنطقة ويضعها على أعتاب مرحلة حضارية جديدة بجهد فاق كل جهد ومن خلال بطولات على نمط فتوحات الدول الاسلامية الأولى.

الملك عبد العزيز رحمه الله كان يعرف بثاقب بصيرته واقع الاسلام والمسلمين تحت نير الثورة البلشفية المستجدة التي عصفت بالبلاد، وكان على اطلاع كامل بالظروف التي يواجهونها، ولهذا فانه وبهدف اطلاع بقية المسلمين القادمين من جميع انحاء الأرض على واقع المسلمين في البلاد الروسية أراد أن يكون لهؤلاء من يمثلهم في هذا المؤتمر الهام وأراد أن يكون وجود هذا الوفد بمثابة الدعم لهم والتأكيد على هويتهم الاسلامية.
وقبل هذا المؤتمر شاءت الأقدار أن يكون عبد الكريم عبد الرؤوف حكيموف، الذي جاء الى جدة قادما من ميناء أوديسا على البحر الأسود مع زوجته خديجة كأول مبعوث سوفييتي الى المملكة العربية السعودية في العام 1926، مسلم من مسلمي بلاد التتار. وقد حاول اقامة علاقة بين بلاده والمملكة العربية السعودية لكنها علاقة لم تدم طويلا انتهت بعد فترة وجيزة كما انتهى حكيموف نفسه بعد استدعائه الى موسكو حيث اعدم في أقبية أجهزة الـ”كي.جي.بي” في عهد الحقبة الستالينية المظلمة.

وكما هو معروف فان الاتحاد السوفييتي في النصف الثاني من العشرينات وحتى الخمسينات من هذا القرن كان يمر بمرحلة مضطربة للغاية خصوصا في الفترة الأولى بعد وفاة مؤسسي الدولة البلشفية فلاديميير البتش لينين ووصل الرجل الحديدي جوزيف ستالين الى الحكم، حيث استغرق الأمر 4 سنوات حكم خلالها بالنار حتى وطد أركان حكمه ولاحق حتى زملاءه الذين فروا هربا الى خارج البلاد. وأكبر مثال على هؤلاء ليون تروتسكي الذي كان يلقب قبل فراره الى الخارج بخطيب الثورة البلشفية ومؤسس الجيش الأحمر.

وفي حين ان العشرينات والثلاثينات كانت، كما هو معروف، سنوات الاعدامات الجماعية والاقبية والابعاد والنفي والتشريد، فان موجة العنف لم تتوقف على مدى العشرين سنة اللاحقة، فبقيت معسكرات الاعتقال الجماعي مفتوحة واستمرت الاعدامات الفردية والجماعية حتى ان الحصيلة كما تقول التقديرات السوفييتية بعد مجيئ جورباتشوف بلغت الملايين.
وتشير الملفات التي بدأ فتحها في عهد “بيريسترويكا” ان ذلك السفير السوفييتي المسلم عبد الكريم عبد الرؤوف حكيموف الذي حاول كما تقول زوجته خديجة تمثيل مسلمي بلاده في عاصمة الاسلام أكثر من تمثيل ستالين وأفكاره الهدامة، أحد ضحايا هذه الموجة الدموية التي ضربت البلاد على مدى أعوام طويلة فحصدت أرواحا بريئة وخلفت دمارا لا تزال هذه الدولة تعاني منه حتى الآن.

وفي هذه القصة التي نفضت “المجلة” عنها الغبار للمرة الأولى لمناسبة مرور مئة عام بعد الألف على دخول الاسلام الى الاتحاد السوفييتي تروي زوجة حكيموف المسلمة القادمة من بلاد التتار خديجة خانم الأساليب البشعة التي صفت بها أجهزة الـ”كي.جي.بي” زوجها، كما تروي ذكريات جميلة عن الأيام التي قضتها بصحبة زوجها في الديار المقدسة وفي رحاب حكومة صاحب الجلالة المغفور له الملك عبد العزيز آل سعود.

من هو حكيموف؟

تبدأ خديجة خانم، ذكرياتها التي روتها لـ”المجلة” في شقتها في شارع لينين في موسكو وأمام ابنتها فلورا التي تقول عنها أنها تشبه والدها كثيرا بالتعريف بزوجها وسرد قصة حياته فتقول:

“ولد رحمه الله في العام 1882 في عائلة فلاحية كبيرة، وعندما بلغ سن دخول المدارس ألحقه والده بمدرسة كانت متخصصة بتعليم اللغة العربية والدين الاسلامي، وتقع بالقرب من بلدة “أوفا” في بشكيريا مسقط رأسه. وفي العام 1906 سافر عبد الكريم عبد الرؤوف حكيموف سيرا على الأقدام الى مدينة أودينبورغ شمالي بشكيريا حيث عمل هناك في خدمة احد التجار. وفي هذه المدينة بدأ حكيموف تعلم اللغة الروسية قراءة وكتابة. ثم ما لبث ان التحق بالجيش الروسي وعمل كجندي في صفوفه حتى خريف العام 1913، وقد استغل هذه الفترة لتعميق معرفته فطاف مع وحدات الجيش المتنقلة مدنا وقرى كثيرة.

وبعد ان حالفه الحظ في التخلص من الخدمة العسكرية حيث كانت تفرض في ذلك الحين على الرجال حتى سن الخامسة والاربعين عاد حكيموف الى مسقط رأسه “أوفا” واشتغل في محطة للسكك الحديدية، ومن خلال موقعه الجديد تعرف على الحركة العمالية الناشطة في تلك المرحلة وشارك في العديد من الاضرابات ضد الدولة القيصرية التي كانت تحتل بشكيريا وغيرها من الديار الاسلامية.

وبعد ثورة “أكتوبر” درس الدبلوماسية على يد فروتزة وكويبش القائدين البارزين في ذلك الحين في الجيش الاحمر، ونظرا لمعرفته الواسعة باللغات واتقانه للهجات المناطق المختلفة، أوفدته موسكو كقنصل عام لها في مدينة مشهد في ايران العام 1921.

ونظرا لاتقانه للغة العربية ومعرفته الواسعة بالاسلام على اعتبار أنه ينحدر من عائلة مسلمة عريقة، استدعته موسكو من مشهد وعينته في العام 1924 سفيرا في جدة في بلاد جلالة المغفور له الملك عبد العزيز، وبقي هناك فترة من الزمن ثم في العام 1929 تم نقله الى صنعاء كسفير لدى الامام يحيى حميد الدين، وقد كتب امام اليمن في ذلك الحين رسالة الى رئيس الدولة السوفييتيه حول تعيين حكيموف يقول فيها:”..نعلمكم بوصول السيد عبد الكريم حكيموف الى طرفنا بهدف توسيع العلاقات التجارية بين بلدينا، وقد استقبلناه كما يليق بانسان كفوء وقدير”.


في العام 1934 استدعى حكيموف الى موسكو فالتحق بالجامعة لاتمام دراساته العليا ولكن بعد عام واحد من ذلك التاريخ طلب منه التوجه مجددا الى المملكة العربية السعودية لتمثيل بلاده لدى حكومة صاحب الجلالة المغفور له الملك عبد العزيز. فاستقبل تكليفه بهذه المهمة، بشغف عارم وحماس شديد وكان حكيموف يعرف المكانة التي ستحتلها هذه الدولة الفتية بقيادة ذلك القائد النادر في العالم.

وما ان عاد الى جدة مجددا وبدأ يوطد علاقاته بالمملكة العربية السعودية والشعب السعودي، ناقلا صورة حية عن ظروف الاسلام والمسلمين في الاتحاد السوفييتي حتى استدعاه جوزيف ستالين بعد عام بصورة مفاجئة وعلى عجل الى موسكو، واستدعيت معه بطلب مباشر من ديكتاتور “الكرملين” البعثة الدبلوماسية كلها وتم اغلاق هذه البعثة دون أية مبررات.
وتتنهد خديجة خانم وترفع يدها المرتعشة وهي ممدة في سريرها في شقتها في وسط موسكو لتكفكف دمعة متعبة انزلقت على تجاعيد وجهها التي حفرت فيه السنون اقلاما واضحة وتركت عليه المآسي والأهوال التي واجهتها آثارا لم تمح وتقول وهي تلتقط أنفاسا متقطعة:”..وفي شتاء العام 1937 القارس والقاسي حلت بنا المأساة” لقد داهموه في منتصف الليل، وانتزعوه من بيننا، وحملوه في سيارة سوداء كنت أراقبها عن بعد ومعي فلورا الصغيرة الى ان غابت بعيدا في شوارع موسكو التي كانت تكسوها الثلوج البيضاء..أخذوه وذهب الى الأبد..لقد انقطعت أخباره منذ تلك اللحظة وحتى الآن، ووصلتنا روايات متعددة حول مصيره، ولكن المؤكد أنه لاقى المصير نفسه الذي لاقاه الآلاف غيره على يد سفاح الـ”كي.جي.بي” بيريا.

ذاكرة صافية

وتقول خديجة خانم في جلستها وتسند رأسها وهي تنظر عبر ستائر النافذة المقابلة التي تطل على جانب هام من مدينة موسكو بمداخنه وابراجه المرتفعة، وتصمت.. تصمت طويلا وكأنها تلملم أشلاء ذكريات مرت بها حقب وأعوام وعصفت بها احداث جسام وظروف صعبة.

..ذاكرة مدهشة بالفعل، لم تفلح سنوات العسف والقهر في اتلافها، وبما يشبه الحوار مع النفس تفيض العبارات متدفقة من صدر أطبقت عليه الأحزان سنوات طويلة. تبدأ الكلام عن تلك الأيام البعيدة التي أصبحت كالحلم الهارب تلك الأيام التي قضتها مع زوجها حكيموف في الجزيرة العربية وفي حمى فارسها الشهم عبد العزيز آل سعود.
والحديث الذي أدلت به خديجة خانم يكاد يكون وثيقة حية عن أحداث خطيرة وكبيرة وقعت على امتداد بقعة جغرافية ممسكة من جهة بتلابيب الكرملين في عاصمة الدولة السوفييتية البعيدة ومن جهة أخرى بتلابيب جدة عروس البحر الأحمر الجميلة. وخديجة خانم وهي تروي هذه الذكريات لم يكن يخطر ببالها أن ماضيها بحلوه ومره سيعني أحدا غيرها وغير حاضرها المثقل بهموم الشيخوخة والزاحف بسرعة نحو أعتاب العقب التاسع.

و”المجلة” وهي تفتح هذا الملف القديم ذهبت الى أبعد من شهادة أرملة حكيموف. فقد قصدت منزل السكرتير الأول السابق في السفارة السوفيتية في جدة بين العام 1930و1932 ستيباف ماتو شكين لتسمع منه الجانب الآخر من الرواية واذا كانت هذه المرأة التي بلغ بها الكبر عتيا، فقدت زوجها والى الأبد منذ نصف قرن ويزيد عندما جرت تصفيته على أيدي جلاوذة ستالين، فان الرجل فقد منصبه مبكرا في الخارجية السوفييتية وتوارى عن عالم الحياة السياسية منزويا في ركن بعيد.
ورغم ان الحديث معها يفتح نافذة واسعة على الأحزان فان خديجة خانم التي تقول أوراقها الرسمية انها في التاسعة والثمانين من عمرها، تنفجر ضاحكة وهي تردد كلمات عربية ما تزال ذاكرتها الساطعة كشمس الجزيرة العربية تحتفظ بها، وكانت قد تعلمتها قبل نحو 60 عاما عندما كانت مع حكيموف في مهمته التي انتهت باستدعائه على عجل وتصفيته في اقبية المخابرات المعتمة.

ماتوشكين: السكرتير الأول السابق في السفارة السوفييتية في جدة بالزي العربي عام  1932
ماتوشكين: السكرتير الأول السابق في السفارة السوفييتية في جدة بالزي العربي عام 1932

وتزداد بسمتها اتساعا ويعلو وجهها الصبوح الفرح وهي تردد بلغة عربية لا تشوبها اللكنة:”..تفضل اشرب القهوة يا طويل العمر”،وفي اللقاء الآخر يردد ماتو شكين بصوت خافت “..يا بو وجه حسن اشرب المية”، ثم يصمت باحثا في ذاكرته عن بقية المقطع من أغنية نجدية يقول انه أحبها كثيرا، ولكن عندما لم يتذكرها ينفجر ضاحكا ثم يردف قائلا:”..اللغة مثل المرأة اذا هجرتها ضاعت منك؟.

وتسألني خديجة خانم وهي ترفع يدها المرتعشة والمثقلة بالتجاعيد:”من أين نبدأ..”، فأرد:”من حيث تشائين”، ولربما من الافضل ان نبدأ بمهمة المرحوم حكيموف في بلاط أسد الجزرة العربية المرحوم عبد العزيز آل سعود.
ويتهدج صوتها وتخنقها العبرة فتتمتم بلغة عربية “..رحمه الله” ثم تردف بالروسية قائلة، انني لا أزال اذكره وكأنه يقف أمامي الآن بقامته الفارعة، وحضوره العارم. لقد كان مهيبا وكان الرجال يتندرون بقوة شخصيته حتى ان الرجل لم يكن يستطيع النظر في عينيه.

وتواصل وذكرياتها تتدفق تباعا :”..في العام 1924 عينت موسكو حكيموف سفيرا لدى دولة الملك عبد العزيز الذي كان لقبه الرسمي في ذلك الحين، “ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها”، وخلال الشهور الاولى من وجودنا في جدة، عكف زوجي على دراسة اقتصاد الدولة الفتية وأقام شبكة واسعة ومتينة مع المغفور لهما الملك عبد العزيز آل سعود ونجله ووزير خارجيته في ذلك الأمير فيصل.
“لقد كان حكيموف موضع ثقة جلالته وحكومته، وكان يتنقل في عرض البلاد وطولها دون رقيب او حسيب. لقد كان مسلما شديد التمسك باسلامه، وكان مؤمنا يؤدي فرائض الله دون انقطاع، وقد دفعه ايمانه وتعلقه بمكة المكرمة والديار المقدسة الى أداء فريضة الحج سبع مرات، هذا علاوة عن أنه زار كعبة المسلمين خلال وجودنا هناك مرات عدة.

الزيارة المفاجئة

تتوقف خديجة خانم عن الحديث لتلتقط أنفاسها وربما لتستجمع ذكرياتها ثم تقول:”كان الملك عبد العزيز طيب الله ثراه ذلك الزعيم الذي ترتعد فرائص الرجال خوفا منه، عطوفا طيب القلب، وكنا نشعر أنه يخصنا بمعاملة خاصة وذلك ربما لأنه كان يشعر بمدى ما يعانيه المسلمون السوفييت على أيدي جلاوذة ستالين. لقد كان يزورنا باستمرار وكان يسأل عن أحوالنا وما نحن بحاجة اليه.

…وأذكر الآن ان زيارات الملك عبد العزيز رحمه الله لنا كانت مبعث سرور لنا، وانني أتذكر آخر زيارة من هذه الزيارات وما دار خلالها. لقد جاء رحمه الله مشيا على الأقدام تحيط به ثلة من المرافقين وذلك في 17 أكتوبر، وعندما شاهد حكيموف جلالته وهو مقبل هرع على الفور مرحبا كعادته، فدخل جلالته ومرافقوه الى ديوان الضيوف في الطابق الأرضي. وبعد أن أخذ الملك عبد العزيز موضعه على الأرض، وكان لا يحب الجلوس على الكراسي والآرائك المرتفعة، جلس زوجي مقابله فانهمكا في حديث ودي تخللته أسئلة سمعت جلالته يطرحها وأغلبها يتعلق بأوضاع المسلمين في الاتحاد السوفييتي وأحوال البلاد والمشاريع الاقتصادية الجديدة التي تنفذ هناك. لقد كان حكيموف يجيب على هذه الأسئلة باستفاضة وتوسع وكان جلالته يستمع بانتباه شديد، ويصدر عنه بين فترة وأخرى تعليق مستوضحات أو مستفهما عن أمر من الأمور مجال الحديث”.

وتصمت خديجة خانم لفترة كأنها الدهر وتطلق زفرة حارة من صدرها الذي كان يعلو ويهبط تحت غطاء خفيف برتابة وانتظام وتحاول بيدها المرتعشة تفادي دمعة انزلقت على تجاعيد خدها ثم تواصل حديثها وتقول:”..في هذه الأثناء كنت في الغرفة المجاورة أحاول متابعة الحديث بين جلالته وحكيموف. لقد كنت أحاول التغلب على حزني ودموعي، وأحاول كبت ما في نفسي لكنني وفي لحظة تغلبت فيها العاطفة على العقل لم أتمكن من السيطرة على ما كنت أقاومه فانفجرت باكية وبصوت مرتفع، ويبدو أن جلالته سمع بكائي، اذ سمعته يسأل حكيموف بصوت مرتفع وبتأثير واضح:”يا حاج عبد الكريم انني أسمع نحيبا فما سبب هذا النحيب لعله خير ان شاء الله”.

“ويرد زوجي وهو يحاول اخفاء انفعاله وارتباكه:”انها زوجتي يا طويل العمر، لقد وافت المنية ولدي الصغير شامل ليلة أمس، بعد اصابته بمرض الزحار الذي أودى بحياته”.

وتغرورق عيون خديجة هانم بالدموع مرة أخرى وهي تروي هذه الحادثة ثم تردف قائلة:”ما ان سمع جلالته ذلك حتى انتفض واقفا، فوقف جميع من كان في الصالة، وسمعته يستأذن من زوجي الدخول الى حيث كنت في الغرفة المجاورة..وفي لحظة لا أستطيع وصفها دخل بقامته الفارعة والتأثير باد على هيئته، ثم اقترب من جثمان شامل الذي كان مسجى في منتصف الغرفة، وردد مرات عدة، يرحمه الله، يرحمه الله، وألهمكم جل شأنه الصبر والسلوان”.

وتستطرد قائلة:”كانت لحظة لا يمكن وصفها، فمع أنني كنت أشعر بحزن يمزق أحشائي على فقد ابني الا أنني شعرت أيضا بارتياح شديد، وشعرت كم أن هذا الرجل الذي اهتزت من مهابته كثبان الجزيرة العربية وصحاريها متواضع غاية التواضع، انه تواضع المؤمن والقوي، لقد أمر رحمه الله باقامة عزاء رسمي، وأمر بأن يدفن ابننا شامل في مكة المكرمة”.

اخلاص وحب

وتواصل خديجة خانم الحديث عن زوجها عبد الكريم الرؤوف حكيموف فتقول:”لقد كان رحمه الله يمتلك قدرة نادرة على التحكم في مشاعره وضبطها، وكان يستطيع القيام بواجبه في أصعب الظروف. انه من النوع الذي لا يظهر تأثير مزاجه الشخصي على تصرفاته، الى حد الذي لم يلاحظ فيه جلالة الملك عبد العزيز أي شيء عليه رغم أنه بسبب مرض شامل ووفاته لم يغمض له جفن ثلاثة أيام بلياليها:”لقد حاول حكيموف كظم غيظه ودفن حزنه في قلبه فبدأ أمام جلالته بشوشا مرحا وكأن شيئا لم يحدث. بل وكأن ابنه لم يكن ممدا على فراش الموت في الغرفة المجاورة”، وتستدرك خديجة خانم فتقول:”يبدو ان الملك عبد العزيز، وهو لماح بطبعه شعر بهذه الخصلة، عند حكيموف فأحبه للغاية وقدره أيما تقدير ومنحه الثقة الكاملة. وكانت هذه المعاملة مكان فخر زوجي واعتزازه، وكان يظهر هذا الفخر والاعتزاز أمام المسؤولين السوفييت، وبعض هؤلاء ينقلونه بالطبع الى ستالين والهيئات العليا.

لم يكن حكيموف يخبئ شيئا عن رجالات الدولة السوفييتية التي يعمل سفيرا لها، وكان ينقل تفاصيل لقاءاته مع الملك عبد العزيز الى رؤسائه، وكان يحدثني بفرح منقطع النظير عن المشاريع الطموحة التي كان يخطط لها لتعزيز العلاقة مع الدولة التي أحبها ومع حكومة بن سعود الذي كان يكن له احتراما شديدا وكان يدرك ان ما قام به سيكون نقطة تحول في العالمين العربي والاسلامي.

وكنت عندما آوي الى فراشي في ليالي الجزيرة العربية الجميلة المقمرة يبقى هو والى أن تلوح أضواء الفجر عاكفا على اعداد التقارير والدراسات حول اقتصاد المملكة الفتية وما تحتاجه. لقد كان يعمل بقلبه وبعقله من أجل أن يقدم شيئا لهذه المملكة، وكانت له خبرة واسعة في مجال الاقتصاد، وكان حريصا على أن تستفيد المملكة العربية السعودية من هذه الخبرة.
وتصمت خديجة خانم وتنظر عبر النافذة المقابلة لسريرها ثم تقول:”لعلني لا أذيع سرا اذا قلت أن معظم هذه الأبحاث والدراسات التي وضعها حكيموف حول الدولة السعودية الفتية لا تزال محفوظة في الخارجية السوفييتية وأعتقد أنها لا تزال تحتفظ بقوتها وعمقها حتى الآن، ولا عجب في ذلك فالسر يكمن ببساطة في اخلاص زوجي للعرب. لقد أحبوه وأحبهم، سواء خلال تمثيل بلاده في بلاط المغفور له الملك عبد العزيز آل سعود، أم خلال وجوده في اليمن..”.

وتواصل خديجة خانم ذكرياتها حول هذه الفترة فتقول:”عندما ذهبنا الى جدة كانت تختلج في نفوسنا مشاعر عدة، كنا فرحين باختيارنا لمجاورة الديار المقدسة، وما ان وطأت أقدامنا رمل هذه البلاد، حتى شعرنا أننا بين أهلنا وذوينا واننا لسنا غرباء وسط اخوتنا في الدين، لقد استقبلونا كاخوة وتعاملوا معنا على هذا الاساس، لقد كنا نشعر ونحن نعيش في حمى ذلك الرجل الكبير أننا بين أهلنا وفي بلادنا”.

زوّار السفارة السوفييتية في جدة

تقول خديجة خانم:”كان يلفت انتباهنا الى ابناء الملك عبد العزيز رحمه الله كانوا يتحملون المسؤوليات الجسام رغم صغر سن بعضهم. وكنا نتابع عبر الأحاديث التي تناقلها أفراد البعثات الديبلوماسية ومن خلال قربنا من الأسرة الحاكمة نظرا للثقة التي أولانا اياها المغفور له على اعتبارنا نمثل مسلمين الاتحاد السوفييتي، ما كان يقوم به هؤلاء الأبناء الى جانب والهم الكبير. ومن بين ما كنا نسمعه أن الأمير (الملك حاليا) فهد كان صغيرا يتصف بالفطنة ورجاحة العقل وان والده كان يعتمد عليه في تصريف بعض الشؤون والمسؤوليات الكبيرة.

ومن بين الذين كانوا يترددوا على سفارتنا ويلتقون حكيموف ويتحادثون معه ساعات عدة المستشار الانجليزي جون فيليبي الذي اعتنق الاسلام وغدا اسمه الحاج عبد الله فيليبي، والى جانب هذه الزيارات الرسمية كانت هناك زيارات بين زوجات السفراء والتجار. وكان مواطنون عاديون كثيرون يزورون السفارة يوميا، وبين هؤلاء نساء كثيرات كن يحضرن بهدف العلاج لأن طبيبة السفارة كانت السيدة أمينة عليم بيكوف، وهي مسلمة مثلنا كانت تعالج المرضى مجانا”.

وتتوقف خديجة خانم عن الكلام برهة لتلتقط أنفاسها ثم تضيف قائلة:”في العام 1932 قام سمو الأمير (الملك في وقت لاحق) فيصل، وكان وزير خارجية المملكة العربية السعودية في ذلك الحين، بزيارة الى موسكو بدعوة رسمية من الحكومة السوفييتية استمرت 15 يوما (في الفترة ما بين 28 مايو (آيار) و13 يونيو (حزيران)). ورافقه خلال هذه المدة حكيموف الذي كان يغادر المنزل في ساعات الصباح الأولى ولا يعود الا متأخرا من الليل. وكان يحدثني بحماس وسرور عن برنامج الزيارة وعن الانطباعات التي كونها الأمير الزائر عن بلادنا حيث التقى العديد من كبار المسؤولين في الدولة ومنهم رئيسها لينين. وبعد أن غادر الأمير فيصل البلاد انهمك حكيموف في اعداد مسودة لمشروع مشترك حول التعاون. وكان يداوم ساعات عدة في مكتبه في الشقة التي كنا نسكنها لاعداد هذا المشروع. وكان متحمسا وعلى اتصال دائم بوزارة الخارجية. سائلا ومستوضحا ومستفسرا”.

وتستطرد خديجة خانم قائلة وهي تركز نظراتها نحو النافذة التي تتراءى منها احياء موسكو القديمة:”ومع حلول 1937 واشتداد القبضة الحديدية الستالينية على البلاد والعباد، بدأنا نحس بأننا مهددون. وراودتنا مشاعر غريبة فقضينا الليالي ونحن نتهامس بخوف ونتساءل: هل تضربنا أمواج العنف السوداء وتلحقنا بمن ابتلعتهم؟ وما هي التهمة التي يعدها لنا ذلك الارهابي بيريا، الذي أزهق أرواح الآلاف بتهم مختلفة وباطلة؟ ومتى يأتون؟ وهل سيكتفون بحكيموف وحده أم أنهم سيأخذوننا جميعا لنقضي كما غيرنا في زنزانات سيبيريا الموحشة وجليدها القاتل؟
وجاءت الليلة الرهيبة وكان الشتاء البارد ينهش البلاد السوفييتية بأنيابه الحادة، كان شتاء 1937 نادرا مما زاد الأجواء حزنا وقتامة، تلك الليلة كانت طويلة الى درجة بدت كل لحظة منها دهرا. وكنا منذ ساعات المساء الأولى قد شعرنا بأن مصيبة ما ستحل بنا، وان شيئا ما سيحدث. وقد أوينا الى فراشنا وحاولنا أن ننام دون جدوى. وبقي حكيموف يتقلب في سريره: مرة يستدير نحو هذا الاتجاه ومرة أخرى نحو الاتجاه الآخر. مرة يضع الغطاء فوق رأسه ومرة أخرى يركله بعيدا.

طاقم السفارة مع مسؤولين سعوديين وعدد من التجار.ويظهر في الوسط زوجة الطبيب ماشكوفسكي
طاقم السفارة مع مسؤولين سعوديين وعدد من التجار.ويظهر في الوسط زوجة الطبيب ماشكوفسكي

“وفي ساعة متأخرة من الليل، فيما كان البرد يعتصر موسكو والرياح تتراكض في شوارعها كخيول جامحة، أحسسنا بجلبة في الخارج. وتيقنا أن اللحظة التي انتظرناها طويلا قد حانت. وبدأت جلبة الأحذية الثقيلة الصاعدة باتجاه شقتنا تتناهى الينا وكأنها طبول جنائزية. انها لحظات مرهقة ومتعبة. وبدأت الجلبة تقترب. وازدادت الرهبة لدينا، كما ازدادت ضربات قلوبنا. ورفعت وجهي واستدرت نحو حكيموف وهويت برأسي على صدره وتمسكت به بقوة. وفيما كانوا يطرقون الباب بعنف كنت أزداد تشبثا بزوجي. فقد راودني احساس بأنهم قادمون لانتزاعه مني الى الأبد. وتشبثت به وكان الطرق على الباب يزداد عنفا، فاستيقظت طفلتنا فلورا مذعورة وبدأت الصراخ. وخرج صوت أجش مرعب:”افتح يا حكيموف. اننا نعرف أنك في الداخل. افتح..والا اضطررنا الى..” وقفز حكيموف من سريره كالقط المذعور واتجه نحو الباب وهو حافي القدمين في ما بدا وكأنه في وضع يتجه معه الى المقصلة، وقد كان في ثياب النوم، وكانت يده ترتعش بقوة. وما ان فتح الباب حتى تدفقوا بعنف وأوقفوه في زاوية ووجهه الى الحائط، ثم فتشوا الشقة تفتيشا دقيقا، وبعثروا الأوراق وحملوا منها ما حملوا، وفتحوا أدراج خزانة الملابس وأنزلوا الفراش عن السرير.

“لقد كانت لحظات رهيبة بالفعل وقد تحامل حكيموف على نفسه وغلبت شجاعته خوفه فارتدى ملابسه بهدوء وضمني مودعا وهو يقول:”سأعود بعد قليل..لا تقلقي، اذ يبدو ان في الأمر خطأ ما”. ثم احتضن فلورا وقبلها قبل أن يسحبوه فيختفي وراء الباب الى الأبد. وبعد أيام جاء رجال بيريا فاعتقلوني أنا أيضا. وأمضيت في معسكرات الاعتقال عشر سنوات لا يعلم سوى الله جل شأنه كم عانيت خلالها وكم قاسيت، وكم عانت طفلتنا التي تركتها ولم أرها أو أعرف عنها شيئا فترة طويلة.

“بعد سنتين، التقيت في معسكرات الاعتقال سيدة قالت ان زوجها رأى حكيموف آخر مرة في أحد السجون في العام 1938، وأنه بعد ذلك التاريخ لم يره مطلقا ولم يسمع عنه شيئا. ومع مرور الزمن أدركت حملة التصفيات الواسعة التي نظمها ستالين وبيريا قد شملته هو أيضا. ولم تكن هناك أي تهمة ضده سوى أنه كان محبا ومخلصا لبلاده وأنه أراد أن يرسي دعائم علاقات ثابتة بينها وبين الدول الاسلامية وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية. وقد سمعت بعد سنوات أن الأجهزة الأمنية وجهت الى زوجي تهمة التخابر مع جهات أجنبية، وأنه جاسوس لدولة معادية! وبالطبع فان سجل زوجي الناصع يشهد على مدى اخلاصه لوطنه، وانني على ثقة من أن حكيموف المثقف الواعي والانساني هو نقيض الطابع القمعي لمرحلة ستالين الاستبدادية. وقد اغتالوا فيه، وبشهادة المؤرخين والباحثين، شخصية فذة وانسانا موهوبا”.

وتنتقل خديجة خانم الى مرحلة أخرى فتقول:”في أواخر الخمسينات بعد أن فتح خروتشوف ملف الستالينية انعقد المؤتمر العشرون للحزب فأعاد الاعتبار الى زوجي. وتضمنت المقررات فقرة جاء فيها “ان حكيموف ذهب ضحية العسف والتصفيات الجسدية التي جرت في بلادنا في نهاية الثلاثينات”. غير ان هذا النص غير كاف لأننا نسعى الى رد اعتبار كامل، ونريد معرفة كل الوقائع التي أحاطت باعتقاله وتصفيته. ونطالب باعادة جميع الوثائق والأوراق الشخصية التي صادرها رجال المخابرات من شقتنا..كما نريد معرفة الواشي وكل التفاصل.ونطالب بقرار يلقي الضوء على كل ملابسات القضية، فقد غاب عنا حكيموف لكنني لا ازال أعيش ذكراه. ولن يهدأ لي بال حتى تتكشف جميع الحقائق وأرجو من الله عز وجل ان يتم ذلك وأنا على قيد الحياة”.

رد الاعتبار

وتتابع الابنة فلورا الحديث:”لقد أوكلنا محاميا، ونحن نتابع القضية ونحتاج الى دعم الأصدقاء لاستصدار قرار يرد الاعتبار الى أبي. وانني أعرف ان هذا الأمر لا يتم الا بفتح ملف القضية ونشر جميع الحقائق. وبكل تأكيد لن يهدأ لوالدتي بال حتى يتحقق هذا الأمل. وأتمنى أن تغادرنا بعد عمر طويل وهي مرتاحة الضمير والقلب”.
والى جانب خديجة خانم وابنتها فلورا هناك شاهد آخر هو السكرتير الأول في السفارة السوفييتية في جدة من العام 1930 الى 1932 ستيبان ماتوشكين روى ما عرفه عن حكيموف وكان قد تعرف عليه صيف 1929 في اليمن عندما كان حكيموف ممثلا تجاريا في ميناء الحديد، وعندما كان ماتوشكين في مهمة تدريبية من قبل معهد الاستشراق في موسكو.

وقال ماتوشكين الذي قصدته “المجلة” في منزله الكائن في احدى ضواحي موسكو القريبة:”تعرفت على حكيموف وتدربت على يده في الحديدة. ووجدت فيه شخصية لامعة وموهوبة. لم أصادف مثلها في حياتي. وبعد ان تركت العمل الديبلوماسي، علمت بمصرع حكيموف. وكانت أخبار التصفيات الجسدية خبزنا اليومي لسنوات طويلة، خاصة الاعدامات من 1937 حتى نهاية الأربعينات. وفي ديسمبر (كانون الأول) 1930 التحقت بعملي كسكرتير أول ومترجم في سفارتنا في جدة، وكان السفير في حينها المرحوم ناظر بك تورياكولوف وهو كازاخي مسلم خلف حكيموف في هذا المنصب، فيما شغل حكيموف منصب السفير في اليمن. وأدركت خلال عملي في جدة الأثر الذي تركه حكيموف خلال وجوده في السعودية، وكذلك التقاليد الدبلوماسية والسياسية التي ثبتها واستمرت قائمة حتى بعد ا نتقاله. وفي الواقع كنا نعمل وفق الأسس التي وضعها حكيموف. وكنا نسمع مرارا عبارات الثناء التي يصرح بها أمامنا كل من عرفه، سواء من العرب أو من الأجانب، خاصة الملك عبد العزيز بن سعود رحمه الله الذي كان يذكره بحب وتقدير كلما التقيناه”.


*كيف جرت لقاءاتكم بالملك عبد العزيز؟ وما هي الانطباعات التي تركتها هذه اللقاءات؟

-التقيت الملك عبد العزيز (رحمه الله) لأول مرة خلال وجود جلالته في جدة في طريقه الى الحج في مكة. وأذكر ان هذا اللقاء كان في ابريل (نيسان) 1931. وقد زرناه والسفير تورياكولوف الذي كان يتقن العربية في منزل يقع على بعد كيلومتر تقريبا من المدينة. وكان الهدف من الزيارة هو التعارف. وتحدث السفير فيما جلست أنا منصتا. وكان يحيط بجلالته وزراؤه وموظفوه وعدد من التجار الذين نعرفهم. وقد سأل رحمه الله عن أحوالنا، وعن عملنا. كما سألنا عن أحوال حكيموف، وعن الأوضاع المستجدة في بلادنا. وكرر السؤال أكثر من مرة عما اذا كنا بحاجة الى اي مساعدة لتسهيل العمل في سفارتنا. ثم تركز الحديث على الامور التجارية.

وكان وزير المالية حاضرا ذلك اللقاء. وكانت اسئلة جلالته تتركز على القضايا التي تتعلق بتجارة النفط. ولقد شعرت في الوهلة الاولى كم ان هذا الرجل الكبير كان طيبا للغاية ودمثا الى أبعد الحدود. وتحدث بلهجة قريبة جدا من العربية الفصحى. بحيث انني لم أجد صعوبة في الفهم، سيما وانني حديث التخرج من المعهد وليست لدى تجربة في التحدث بالعربية. وقد لاحظت ان الملك عبد العزيز يضيق بالمراسم ويتعامل مع الجميع ببساطة، وان ديوانه مفتوح باستمرار ويدخله من يشاء دون اذن مسبق. بل ان الزائر يكتفي بالسلام ثم يجلس في ركن معين، وعندها سرعان ما يلتفت اليه جلالته سائلا عن أحواله. وفي حينها بدا لي جلالته موفور الصحة، طويل القامة، مهيبا وأقرب الى السمرة. وشعرت انه يدير كل الأمور وعلى اطلاع بكل شاردة وواردة، ينصت الى أحاديث وزرائه باهتمام ثم يعلق عليها بايجاز ولكن بحسم. وكانت حركاته تلقائية حرة، وهو يتربع فوق البساط المتواضع المفروش على أطراف الصالة، ويحتذي نعلا مفتوحا.

وواصل ماتوشكين قائلا: في المرة التالية التقيت جلالته بصحبة القائم بالأعمال السوفييتي زالكنت الذي ناب عن السفير تورياكولوف أثناء غيابه في موسكو. وزالكنت لا يعرف العربية، لذلك قمت بدور المترجم. وقدم نفسه باعتباره قائما بالأعمال فرحب به الملك وسأله عن أحوال حكيموف وعن عمله في اليمن. ثم طرح علينا أسئلة تتعلق بالوضع في الاتحاد السوفييتي، خاصة في مجال المشاريع الصناعية. وحدثه زالكنت عن سيرها. وأذكر انه أخبره عن مجلة تصدر في بلادنا تهتم بهذا الموضوع، فابدى الملك اهتماما. ثم طرح زالكنت فكرة توسيع التعاون التجاري مع المملكة.
فرد الملك بأنه يرحب بذلك وأنه مرتاح الى العمل الذي قام به حكيموف في هذا المجال، وأنه يشعر بأن العلاقات بين دولتينا حسنة وهو مع تطويرها. وفي نهاية اللقاء وجه الينا الملك دعوة لحضور العرض العسكري الذي أقيم بعد ايام في جدة، وهو عرض سنوي تجريه قطعات المشاة والهجانة والفرسان وقد لبينا الدعوة شاكرين وحضرنا العرض والتقينا جلالته مرة أخرى وبعد ذلك كنا نلتقيه كلما قدم الى جدة فيما كان مقره الرياض. وكان يمكث فترات مختلفة في الأولى كل عام على اعتبارها كانت مقر كل السفارات الأجنبية. وأعتقد ان اختيار جدة مقرا للبعثات الديبلوماسية الأجنبية جاء بسبب طبيعتها المناخية المعتدلة ونسبيا ولقربها من ساحل البحر”.

أين كان مقر سفارتكم في جدة؟

-لم تكن في جدة آنذاك أسماء للشوارع، ولذلك يصعب علي الآن تحديد موقعها. وكانت جدة آنذاك مدينة صغيرة يستطيع أن يطوفها المرء في نصف ساعة على قدميه. وأذكر ان المسافة بين مبنى السفارة وساحل البحر كانت تستغرق سبع دقائق. ومبنى السفارة هو بيت استأجره حكيموف من تاجر عربي ويتألف من طابقين. وكل طابق يحتوي على خمس غرف. وسكنا في غرف البيت العلوية مع أسرنا، وأما الطابق الأرضي فقد شغل السفير غرفة فيه فيما الغرف الباقية كانت مكاتب.

من كان طاقم السفارة في حينها؟

-السفير تورياكولوف، والطبيب ماشكوفسكي الذي أرسل خصيصا من موسكو لعلاج الأمراض الاستوائية، ومعه زوجته. وأنا وزوجتي تاتيانا غيورغيفنا التي عملت طبيبة أيضا. وكانت مع البروفسور ماشكوفسكي تستقبل المرضى. وفيما هو يستقبل الرجال كانت هي تعالج النساء. كما كان في السفارة عمال محليون أذكر منهم أحمد آغا الذي كان يقوم بأعمال مدير المنزل والبواب، والسائق حسن والطباخ سليمان وكان هناك خادمان هما أبو بكر وحسين.

وضيوف السفارة؟

-التجار بالدرجة الأولى، وممثلو البعثات الديبلوماسية الاجنبية، وبشكل خاص كل من السفير الايطالي والايراني والتركي، ونادرا ما كان يزورنا السفير الانجليزي السير رويان ولكننا كنا نلتقيه في المناسبات. كما كان يزورنا بعض الوزراء السعوديين وبشكل خاص وزير المالية الذي نسيت اسمه للأسف. وضيفنا الدائم كان شخصا اسمه الدكتور صالح وهو تركي قطن الحجاز منذ فترة طويلة. وكان ينقل الينا المعلومات عن حركة السوق، وعما يسمعه من أخبار. وهو شخصية ذكية لبقية وشديدة الاخلاص لصداقته معنا. وقد لاحظت أثناء لقاءاتنا بجلالة الملك عبد العزيز وبوزارائه اهتماما كبيرا بموضوع النفط والصناعات النفطية وكذلك الصناعات الخفيفة.

ما هي في تقديرك الأسباب التي دفعت ستالين الى تجميد العلاقات مع المملكة العربية السعودية؟

-يبقى هذا السؤال محيرا، شأنه شأن مصرع المرحوم حكيموف. وعلى الباحثين والديبلوماسيين الشباب الاجابة عنه. وبالطبع كنت بعيدا عن الخارجية حين جرى اغلاق السفارة، في العام 1939 على ما أذكر. غير أني أعلم ان ستالين استدعى البعثة الديبلوماسية ومنعها من العودة. ولا أدري ماذا حل بأثاث السفارة، وبالعاملين المحليين فيها، وكيف جرت كل الأمور المتعلقة بتجميد العلاقات وما هي صيغة القرار وحيثياته وأية عوامل خارجية وداخلية اقتضته؟
ويستطرد قائلا:”للأسف، لا يزال هذا السؤال بقعة بيضاء في تاريخ الديبلوماسية السوفييتية. وكل ما ما أستطيع أن أقوله كديبلوماسي قديم أحب الشرق العربي ليس لاسباب سياسية قدر كونها نوازع انسانية، ان تلك الخطوة مؤسفة وان من اتخذها مصاف بقصر النظر السياسي لأنه لم يقدر الدور المقبل والمؤثر للمملكة العربية السعودية على الساحتين العربية والدولية، على الرغم من أن التقارير التي بعث بها السفراء وبشكل خاص المرحوم حكيموف كانت تؤكد أهمية هذا الدور المستقبلي، وقد حددت بوضوح ودقة حجم ومستوى تأثير المملكة المقبل على الصعيدين السياسي والاقتصادي. ويكفي ان أشير الى أن مجال عملي في السفارة كان يتمركز على دراسة الجوانب الاقتصادية للدولة الفتية. وكنت أبعث بتقارير شهرية عن النشاط الاقتصادي في المملكة وبشكل خاص عن دور الحج في اقتصاديات السعودية، اذ اعتقدنا عن حق بأن واردات الحج التي بلغت في حينها أكثر من مليوني جنيه استرليني تتيح للعاهل السعودي ومؤسس الدولة الفتية امكانية استثمارها لتثبيت أسس الدولة التي جاهد الملك عبد العزيز بن سعود لاقامتها وكرس حياته لها”.

ويضيف ماتوشكين الذي عاد من السعودية العام 1932 وواصل عمله في الخارجية السوفييتية بضع سنوات ثم اعتزل العمل الديبلوماسي، والسياسي، بعد تفاقم القمع الستاليني:”لقد أسف كل أصدقاء العرب وسط الديبلوماسيين السوفييت لتجميد العلاقات. وفي حينها ما كان يمكن أحدا أن يرفع صوته وأن يجهر بآرائه. وفي اعتقادي ان الوقت قد حان لتسليط الضوء على هذا الجانب وفتح ملف اغتيال السفير حكيموف الذي لا يجوز على الاطلاق تجاهل دوره في مد الجسور بين موسكو والعرب. وأعتقد أنه ذهب ضحية اخلاصه لوطنه ولعمله وحبه واخلاصه للعرب وللملك عبد العزيز بن سعود، الذي كان لا يفوت فرصة في كل لقاء شهدته الا ويسأل عنه وعن أخباره”.

وتعيش خديجة خانم في شقة متواضعة في العاصمة السوفييتية، وتغالب آلام الشيخوخة وهاجس الذكريات المريرة، فيما يعني ماتوشكين أكثر بالحاضر، وبزهور حديقته وبابن حفيدته سيرجي، الى جانب كلبين صغيرين يستقبلان ضيوف الديبلوماسي المتقاعد في ضاحية هادئة وبعيدة عن موسكو يغلفها الصمت وتحيطها خضرة شاسعة في الربيع والصيف فيما تكسوها ثلوج تعلو هامة الانسان في فصل الشتاء.
واتسعت حدقتا ماتوشكين دهشة حين عرف ان السيدة حكيموف على قيد الحياة. وقال مودعا عند عتبة المنزل:
-أرجو ان تنقل اليها تحياتي. وعسى أن نلتقي.
قالها بعربية صعبة، وقفل عائدا الى داخل المنزل، فيما بدأ الغروب يخيم كالحزن العميق.

موسكو – خاص بـ”المجلة”

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.