أنجيلا ميركل عملت في"ديسكو" ثم تسللت إلى الحياة السياسية - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

بروفايل

أنجيلا ميركل عملت في”ديسكو” ثم تسللت إلى الحياة السياسية

أنجيلا ميركل
أنجيلا ميركل
أنجيلا ميركل

ليس هناك فارق كبير في السلوك السياسي بين المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ورئيسة الوزراء البريطانية الراحلة مارغريت ثاتشر، إذ كان يخشى الأخيرة الكثير من السياسيين البريطانيين والأوروبيين لأنها كانت شديدة المراس وتلجأ إلى أسلوب هجومي عندما تريد الحصول على مكسب سياسي. حتى إن بعض السياسيين الأوروبيين كانوا يكنون لها شبه عداوة بسبب عبارتها المشهورة التي أطلقتها عام 1984 وهو {أريد استرجاع أموالي}. والمقصود هنا تطبيق الخصم على المشاركات المالية التي يجب أن تدفعها بريطانيا أسوة ببقية البلدان في المجموعة الأوروبية (الاتحاد الأوروبي اليوم) بحجة أن بلادها واحدة من أفقر بلدان أوروبا وتتلقى الدعم المالي الأقل خاصة ما يتعلق بالقطاع الزراعي، وهذا دفع بالمستشار الألماني الأسبق هلموت كول إلى وصفها بأنها مثل الشيطان في الماء المقدس، بينما تحصل أنجيلا ميركل وبأسلوب {السلطة الناعمة} إذا ما صح الوصف على ما تريد مرة بالشدة كما فعلت لإلزام بلدان أوروبا المتعثرة ماليا بسبب أزمة اليورو لتنفيذ خطة التقشف ومرة باللين بإظهارها تفهما للكثيرة من الأوضاع مع التشديد على التغيير.

في صباها كانت شابة عادية ترعرعت في ألمانيا الشرقية وتخرجت بدرجة ممتازة وأصبحت فيزيائية لكن من ينظر إلى حركاتها ونظراتها يومها كان يقول إنها تبحث لها عن مكان كبير في الحياة السياسية التي كانت تطمح للوصول إليها، ومع أنها عنيدة فإنها لا تظهر ذلك بل تستخدم أسلوبا خفيا لتصل إلى ما تريده حتى ولو سبب ذلك الأذى لأقرب المقربين لها كما كانت الحال مع المستشار الأسبق وراعيها هلموت كول.
ولقد وصفها الكثير من السياسيين الألمان بالداهية، فهي تستغل وجهها الطفولي وابتسامتها اللطيفة والحنكة التي تعلمتها من والدها رجل الدين هورست كاستنر للوصول إلى أهدافها ولم تتأخر يوما عن طلب المساعدة من سياسيين من أمثال هلموت كول كي تصل إلى مآربها الحزبية، والذي قال بعد ذلك إنها طعنته في الظهر. وقد تكون هذه التهمة محقة لكن كما هو معروف لا ينتظر قطار السياسة أحدا والقوي وصاحب الحنكة السياسية هو الذي يصعد في أول قاطرة.

الحزب المسيحي الديمقراطي

نشأت أنجيلا كاستنر (ميركل بعد الزواج) في بيئة منفتحة في إحدى قرى ألمانيا الشرقية، فوالدها كان قسيسا بروتستانتيا مع ذلك كان يميل إلى أفكار الاشتراكية، وكان يقول يمكن للمسيحية والاشتراكية الاتفاق معا. وكانت زوجته تحمل نفس المبادئ، لكن الغريب أن الابنة أنجيلا اختارت الحزب المنافس العنيد للحزب الاشتراكي فانضمت إلى الحزب المسيحي الديمقراطي، مع ذلك لم تقع أي خلافات بينها وبين والديها، فهي عرفت كيف تسير الأمور من دون حدوث مشكلات سياسية. ولقد اعترفت في إحدى المقابلات بأنها تعلمت فن التعامل مع القضايا الحساسة والمهمة من والدها بشكل يجعلها تخرج من ساحة النقاش دون أن تترك خصما لها، لكن لا أحد يعرف الكثير عن علاقتها بشقيقها ماركوس ويصغرها بسنتين وشقيقتها الصغرى ايرينه وما زالا يعيشان مثل أي فرد في ألمانيا، فشقيقها يذهب إلى عمله بالمواصلات العامة ويشتري احتياجاته من السوق العادية دون أن يلحظه أحد، حتى إنه قال مرة عندما أقف أمام الصندوق للدفع أسمع نكاتا عن المستشارة شقيقتي فأضحك كما يضحك الباقون.


كانت أنجيلا ترغب في دراسة اللغات وهي تحب اللغة الروسية وتتقنها وتتباهى بها عندما تتحدث مع ضيفها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دون الحاجة إلى مترجم إلا في حالات معينة، وقد درست الفيزياء في جامعة كارل ماركس في مدينة لايبزيغ وبررت ذلك يوما بأن الفيزياء والعلوم الطبيعية تفيد عند ممارسة السياسة وفهمها.
انجيلا ميركل في طفولتها
انجيلا ميركل في طفولتها

في عام 1976 تعرفت أنجيلا على أولريش ميركل وتزوجا بعد عام وفي العام التالي نالت الدبلوم في الفيزياء لكن طلبها للعمل في الجامعة رفض فانتقلت إلى برلين الشرقية مع زوجها وعملت في المعهد الأكاديمي للكيمياء الفيزيائية، وكانت المرأة الوحيدة في الفريق الذي أسس القسم ويتشكل من ثمانية علماء. من هنا بدأت تبرز إمكاناتها التنافسية بين الرجال لأنها كما ذكرت مرة كان عليها أن تبرهن أنها قادرة مثل الرجل على العمل حتى في ميادين تعتبر أصلا للرجال.
في عام 1981 انفصلت عن زوجها أولريش وتلا ذلك طلاقها منه، ويعتقد البعض أنها شعرت بالقيد، وهنا يقول زوجها السابق «في أحد الأيام حزمت أنجيلا حقائبها وغادرت المسكن، لقد كان هذا قرارها الذي اتخذته من دون العودة إلي}، وبالفعل كان هذا أحد طباعها.
لكن البعض يقول إنها كانت ترفض أفكاره وعقيدته الشيوعية وكان السجن عقوبة هذا التجاوز الفكري الخطير في دولة شيوعية، كما أنها رفضت الالتحاق بالحزب الشيوعي الحاكم.

ولكي تتغلب على أجواء برلين الشرقية التي كانت تصفها بالحزينة بسبب الجدار الذي قسمها أكثر من ثلاثين عاما وحولها إلى أكبر سجن في العالم قامت ميركل بأنشطة لا تقوم بها عادة ابنة رجل دين، فساعدت في إصلاح ديسكو وعملت فيه وباعت بطاقات للمسرح. ولا تخلو حياتها من المغامرات فعاشت بشكل غير قانوني في منزل مهجور ببرلين الشرقية لمدة طويلة عقب انفصالها عن زوجها لرفضها.

عداؤها للنظام الشيوعي جعلها ملاحقة بشكل دائم من جهازه المخابراتي السري «الشتازي» الذي صنفها بأنها «عقائدية سياسية هجومية مموهة»، لكن بصفتها ابنة قسيس لم يتصور أحد أنها ستتجاوز الخط الأحمر وتنخرط في صفوف حركة الانتفاضة الديمقراطية التي تأسست في أواسط الثمانينات للتحضير للوحدة.
بعد فشل أول زواج تعرفت أنجيلا على أستاذ الكيمياء يواخيم زاور وكانت متزوجا ويكبرها بخمسة أعوام، ويبدو أنه عرف خصالها وحبها للحرية فقرر الطلاق من زوجته وتزوج بها عام 1985، وما زالا حتى اليوم زوجين يعمل كل منهما في ميدانه كما تقول هي، ولا أحد يتدخل في أمور الآخر حتى عندما يكون هناك موقف سياسي مغاير تتخذه ولا يعجب زوجها.
هذا النمط من الارتباط الزوجي جعلها تدخل بسهول المعترك السياسي، فهي لم تنجب أولادا وزوجها يتعامل معها بشكل مميز، وهذا ما تريده كل امرأة تود خوض معترك صعب مثل المعترك السياسي، ما وفر لها الأجواء لتصبح أحد أهم المؤسسين للحركة الاعتراضية في ألمانيا الشرقية وتنافس سياسيين مخضرمين مثل راينر ابلمان وفريدريش شولمار القسيسين الإنجيليين، وكانت الكنسية يومها في أوجه نشاطها وساهمت في إزالة جدار التقسيم وإعادة الوحدة الألمانية والبروز كبديل للسلطة الشيوعية.

مابعد إزالة الجدار

في التاسع من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1989 وبعد إزالة الجدار وانهيار ألمانيا الشرقية بدأت أنجيلا ميركل تترقب التطورات السياسية وانتظرت بضعة أسابيع بعدها بدأت تضع الخطط التي تجعلها تصل إلى صفوف القيادة في الحزب المسيحي الديمقراطي، وهذه إحدى خصالها، فهي تتحين الفرص لتقوم بخطوة من خططها، فعينت في الأول من شهر فبراير عام 1990 مشرفة إدارية على ما سمي يومها بالصحوة الديمقراطية في ألمانيا الشرقية، وكان مكتبها في الجزء الشرقي من برلين، لكن بعد أسبوع واحد رقيت لتصبح المتحدثة الصحافية باسمه، وكان لهذا المنصب أهمية، ففي هذا الوقت كانت تتم التحضيرات لانتخاب أعضاء ما يسمى ببرلين الشعب وتأسيس الحزب
المسيحي الديمقراطي في الجزء الشرقي من ألمانيا الموحدة، وكانت لا تريد أن تكون بعيدة عن موقع اتخاذ القرارات المؤثرة لما بعد الوحدة الألمانية، خصوصا وأنه في ذلك الوقت تم تأسيس فروع للحزب المسيحي الديمقراطي في كل أقاليم ألمانيا الشرقية من أجل خوض غمار الانتخابات. وتمكنها من تعزيز مكانتها الحزبية أفسح لها المجال كي تقصي أحد الأشخاص كانت تحوم حوله الشكوك بأنه عمل لصالح المخابرات الألمانية الشرقية ويريد منافستها في الحزب، ودفعت بالسياسي لوثر دي مزيير ليكون رئيس وزراء للفترة الانتقالية، فأصبحت بذلك المتحدثة باسمه وباسم ما يسمى بالتحالف من أجل ألمانيا، وكان يضم أيضا الحزبين الاشتراكي الديمقراطي والليبرالي.

ويقول خبراء سياسيون إن الكثيرين في الجزء الشرقي قلقوا يومها من خبرة أنجيلا ميركل السياسية، فهي استفادة من حياتها السياسية والحزبية التي كسبتها خلال إقامتها في ألمانيا الغربية بعد انتقال العائلة إلى هناك، وفي نفس الوقت كانت تعرف كيف يفكر سياسيون مثل دي مزيير وغيره في ألمانيا الشرقية، لذا فلا غرابة أن تتمكن من الوصول بسرعة إلى المناصب العالية، لكن يجب الاعتراف بأنها إنسانة صاحبة خبرة واسعة بالسياسة الغربية يفتقدها رفاقها في ألمانيا الشرقية ويسعون إلى نيل مراكز بعد الوحدة الألمانية.

ومع حبس الأنفاس بدأت مرحلة ما بعد الوحدة بالتطور، ففي الخامس من شهر مايو (أيار) عام 1990 بدأت المحادثات بين القوى العظمى (روسيا وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية) التي خرجت منتصرة من الحرب العالمية والألمانيتين، حيث شارك فيها وزيرا خارجية الألمانيتين الشرقية والغربية لتوقيع معاهدة الوحدة التي تسهل عملية الاندماج الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وبعد 13 يوما في بون (عاصمة ألمانيا سابقا) وقعت بالفعل، وفي الأول من شهر يوليو (تموز) دخلت حيز التنفيذ. في هذه الأثناء سلكت أنجيلا ميركل وبعكس عائلتها ذات التوجه اليساري سياسة محافظة تماما، وذلك بتعميق انتمائها إلى الحزب المسيحي الديمقراطي المحافظ.

الوحدة الألمانية

في الثالث من شهر أكتوبر (تشرين الأول) عام 1990، وهو يوم الوحدة الألمانية رسميا، ارتقت أنجيلا في مركزها السياسي لتصبح الناطقة الرسمية باسم الحكومة الألمانية التي كان يرأسها يومها المستشار هلموت كول، ويكن لهذه السياسية الشابة كل الإعجاب والتقدير، لكن من جانبها كانت تريد أيضا تعميق علاقاتها مع السياسيين ورجال الدين في ألمانيا الشرقية، وساعدها في ذلك تعرفها عبر والدها القس على الكثير من رجال الدين الذين كان لهم نفوذ ووسعوه خلال المظاهرات من أجل الوحدة.

عدا ذلك فإنها نالت الدعم السياسي من لوثر دي ميزر (ويشغل حاليا في حكومة ميركل منصب وزير الدفاع)، وكان رئيس حكومة في ألمانيا الشرقية بعد الوحدة. هذا فتح الطريق أمامها كي تلتقي أكثر فأكثر بالمستشار كول الذي دعاها في الثاني من شهر ديسمبر لإجراء محادثات موسعة معها في بون، ولم يكن يدرك أحد هدف هذه المحادثات إلى أن أعلن بعد أيام طرح اسمها لتكون المرشح المباشر للانتخابات النيابية في دائرة شترازوند – روغن الساحلية، وبالفعل نجحت، كما أعيد انتخاب كول مستشارا في الـ18 من شهر يناير (كانون الثاني) عام 1991، وبعد يومين فقط أعلن عن تعيينها وزيرة للعائلة والشباب رغم أنها كانت سياسية جديدة بالنسبة للسياسيين في حزب عريق مثل الحزب المسيحي الديمقراطي، ولا أحد يعرف سر هذا الاختيار حتى يومنا هذا، ثم أطلق عليها اسم «فتاة كول».
في هذا الصدد تقول أنجيلا ميركل «فجأة رأيت نفسي أجلس إلى طاولة مع كل الناس الذين كنت أراهم طوال حياتي عبر شاشة التلفزة فقط». ولم ينته عام 1992 حتى أصبحت «فتاة كول» نائب رئيس الحزب المسيحي الديمقراطي، وفي شهر يونيو (حزيران) عام 1993 رفع منصبها لتصبح رئيسة الحزب المسيحي الديمقراطي لولاية مكلنبورغ فوربومرن الشرقية.

بعد فوز المستشار كول عام 1994 للمرة الرابعة فازت ميركل أيضا كمرشحة مباشرة في دائرتها الانتخابية وتمكنت ولأول مرة من الإطاحة بسياسي معروف وهو المسيحي الديمقراطي كلاوس توبفر، وكان وزير البيئة، ونزعت منه هذا المنصب لكن على حق حسب اعتراف الكثيرين. فخلال شغلها هذا المنصب عرفت الوزارة أفكارا جديدة شكلت دعائم مؤتمرات حماية المناخ وأدخلت تعديلات على معاهدات سابقة من أجل تخفيض نسبة الغازات السامة والانبعاثات الحرارية، وألزمت ألمانيا ودولا صناعية أوروبية بذلك.

ورغم هزيمة كول في شهر سبتمبر (أيلول) عام 1998 ومجيء الحزبين الاشتراكي الديمقراطي والخضر إلى الحكم وخروج ميركل من الحكومة فإن ارتقاءها في حزبها المسيحي الديمقراطي تواصل، وفي المؤتمر الحزبي العام الذي عقد في السنة نفسها تسلم السياسي فولفغانغ شويبله (وزير المالية اليوم) رئاسة الحزب بدلا من هلموت كول، وأصبحت هي سكرتيرة الحزب وكان عمرها يومها 44 عاما، وبهذا كانت أول امرأة في تاريخ ألمانيا تتسلم هذا المنصب الحزبي الرفيع المستوى الذي يشارك في وضع القرارات الحاسمة وكأنها تتحضر لتسلم منصب أعلى بكثير.

فتاة كول

في شهر ديسمبر (كانون الأول) عام 1998 أعلنت زواجها من عالم الكيمياء وأستاذ الجامعة يواخيم زاور، وكانت تعيش معه منذ خمس سنوات، وبعكسها فهو شخصية قليلة الكلام ويتفادى الظهور العلني، لكنه ما زال يحضر معها مهرجان مدينة بايرويت الفني للأوبرا، لذا أطلقت وسائل الإعلام عليه اسم «شبح الأوبرا».
في هذه الأثناء أصبحت ميركل جزءا لا يتجزأ من الحزب المسيحي الديمقراطي الذي كان يعاني يومها من مشاكل داخلية ظلت هي بعيدة عنها حتى ظهرت فضيحة أمين صندوق الحزب المسيحي الديمقراطي فلتر ليسلر كيب في 4 نوفمبر عام 1999، واعتبرت فضيحة عظيمة هزت كيان الحزب والمستشار السابق كول الذي اعترف خلال مقابلة تلفزيونية بأنه لم يصرح بتبرعات بالملايين لحزبه لأسباب لا يستطيع ذكرها، لذا فهو يتحمل كامل المسؤولية، وقد رفض ذكر أسماء المتبرعين أو الجهات التي تبرعت، وما زال حتى اليوم يرفض الإفصاح عنها رغم حالته الصحية المتدهورة. في المقابل كتبت ميركل «فتاة كول» بعد ثلاثة أيام من ظهور الفضيحة مقالة في صحيفة «فرانكفورتر تسايتونغ» الواسعة الانتشار قالت فيها «على الحزب المسيحي الديمقراطي أن يتعلم الآن المشي وحده، وعليه مستقبلا أن يثق في نفسه أيضا من دون محاربيه القدماء مثل هلموت كول (وهذا وصف كان يجد كول متعة عند سماعه)، وعلى الحزب أن يشعر بأنه كما المراهق الذي ترك منزل ذويه وعليه سلوك طريقه الخاص».

ميركل بمكتبها في صباها
ميركل بمكتبها في صباها

هذه الكلمات كانت كما النداء إلى أعضاء الحزب المسيحي الديمقراطي كي يقطعوا كل علاقة مع رئيس حزبهم الفخري والذي كان يعتبر أبا روحيا لكل واحد منهم وخطوة جريئة جدا من سياسية ترفع الصوت عاليا ضد شخصية ليست تاريخية فقط بل ولها فضل في ترقيتها في حياتها السياسية، وبالفعل حصلت على دعم غير متوقع من الحزب أكثر من الرفض، حتى إن خصمها الأكبر أليس شفراتسر، الكاتبة الألمانية المعروفة، قالت يومها «إن ميركل ضمانة من أجل إحداث تغييرات في حزب تقليدي وبداية جديدة له، لقد نظفت أرضية الحزب المسيحي الديمقراطي في وقت تعبت فيه قاعدته من مجموعة رجال يسودهم الفساد. هذا المرأة الآتية من الشرق الألماني تحدث فجأة بما لم يتجرأ أحد حتى على الحديث عنه».
وعندما وضعت علامات استفهام حول دور فولفغانغ شويبله رئيس الحزب في فضيحة التبرعات اضطر للتنحي عن منصبه خوفا على مصيره السياسي، فما كان من القاعدة الحزبية إلا أن انتخبت ميركل بأغلبية الأصوات لتكون رئيسة أكبر حزب في ألمانيا وأوروبا، مما يعني أنها أصبحت رئيسة كل المنافسين لها في الحزب من لوثر دي ميزير وهلموت كول وحتى شويبله، في الوقت نفسه خسرت بعضهم كداعمين لها، لكن في ما بعد أعادت بعضهم ليكونوا في الحكومات التي ترأستها أيضا خلال التحالف الكبير مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي.

ورغم النجاح الكبير فإن ميركل بدأت تقع في أخطاء كبيرة باختيارها سياسيين ليسوا على القدر الكافي من تحمل المسؤولية، فتعيينها لفريدريش مارتس الشاب كان غلطة حيث فشل في إدارة رئاسة المجموعة البرلمانية للحزبين الشقيقين المسيحيين الديمقراطي والبافاري. ولقد اعتقدت أنها مع النخبة التي اختارتها ستشكل قوة سياسية لا تقهر، لكن لم يمض نصف عام حتى استبدلت آخر بسياسي من الحزب، فما كان منه إلا أن هاجمها بالقول «إن استبدال سياسي بآخر قرار خاطئ لا يمكن لميركل تحمله». ورغم تكرار أخطاء مثيلة فإنها كانت تعود لتقف على قدميها، لذا وصفها البعض بأنها مثل اللعبة الروسية «قف يا رجل» كلما تلقت دفعة تنحني إلى الأمام أو الخلف لتقف مرة أخرى.
في أواخر عام 1999 أصبحت مسألة من يجب ترشيحه لمنصب المستشارية في الانتخابات العامة الشغل الشاغل للحزبين الشقيقين المسيحي الديمقراطي بزعامة ميركل والمسيحي البافاري بزعامة إدمون شتويبر، وكان يومها رئيس حكومة مقاطعة بافاريا الصناعية الغنية.
ولأنها لا تريد أن تكون ضحية تداعيات فضيحة التبرعات التي لطخت صفحة المستشار هلموت كول الراغب في دخول التاريخ عبر بوابة الوحدة الألمانية فقد أعلنت مطلع عام 2002 عن عدم ترشحها لمنصب المستشارية، فشعبية حزبها بين الناخبين لم تكن عالية، وحساباتها كانت دقيقة، عدا عن ذلك فقد تتأثر سلطتها الحزبية سلبا، لذا تنازلت لمرشح الحزب الشقيق شتيوبر.
في البداية فُسر قرار ميركل هذا على أنه هزيمة لها، لكن بعد ستة أشهر دل الواقع عكس ذلك تماما، وأن حساباتها كانت دقيقة ولصالحها، وأن خطوتها كانت مثل لعبة الشطرنج «نقلة ذكية». كما زادت شعبيتها وأصبح الناس ينظرون إليها على أنها سياسية تعرف مصلحة بلادها، وأنها صادقة مع نفسها لأنها تحدثت عن فضائح التبرعات بصراحة ومن دون مواربة، كما كسبت دعما كبيرا من القاعدة الحزبية لاعتقاد الكثيرين أن القيادة القديمة خدعتهم وأنهم يريدون الآن المراهنة على قيادة شابة.

في انتخابات الـ22 من شهر سبتمبر عام 2002 أصبح غيرهارد شرودر زعيم الحزب الاشتراكي الديمقراطي مستشارا ورئيسا لائتلاف حكومة بين حزبه وحزب الخضر لكن بأقلية بسيطة جدا، في هذا الأثناء مني مرشح الحزبين الشقيقين المسيحي الديمقراطي والمسيحي البافاري بهزيمة نكراء، وهذا يثبت مرة أخرى أن «نقلة» ميركل كانت بالفعل ذكية عندما فضلت عدم الترشح، وأصرت على أن تكون رئيسة الكتلة البرلمانية للحزبين كي تشكل معارضة قوية ضد الاشتراكيين والخضر. واللافت أنها انتخبت من القاعدة الحزبية ضد السياسي المخضرم فريدريش مارتس يومها وكان من الشخصيات السياسية المعروفة، مما جعلها تقف أمامه كما الند للند، ودعمت قوتها الحزبية بانتخابها بعد ذلك رئيسة فرع الحزب المسيحي الديمقراطي في مدينة هانوفر، وبهذا أمسكت بكل الخيوط الحزبية تقريبا في يدها.
وفي مطلع عام 2005 بدأ الحزب الاشتراكي الديمقراطي الحاكم في مواجهة الخسارة تلو الأخرى في انتخابات الولايات الألمانية، إضافة إلى تزايد ديون الحكومة، فأعلن رئيس الحزب فرانس مونتفيرنغ الاستقالة، مما اضطر المستشار الاشتراكي شرودر لإجراء انتخابات برلمانية مبكرة بحجة أن النتائج سوف تظهر من هو سيد البرلمان الاتحادي ومن لديه أكثرية: تحالف الاشتراكيين مع الخضر أم الشقيقان المسيحيين الديمقراطي والبافاري؟! إلا أنه كان يراهن على حصان خاسر.
بعد هذه المفاجأة عادت قضية من سيكون المرشح للمستشارية للبروز في صفوف الحزبين الشقيقين، فطرحت أربعة أسماء بارزة: كريستيان فولف الذي أصبح بعد ذلك رئيسا للجمهورية، ورولاند كوخ، ومرة أخرى إدمون شتويبر، إضافة إلى رئيسة الحزب أنجيلا ميركل، لكن القرعة وقعت عليها من دون أي صعوبة بسبب مواقفها السياسية الداعية لرص صفوف الحزب.

أزمة المستشار و المستشارة

ورغم الفوز فإن الانتخابات لم تأت بنتيجة تجعل ميركل تنفرد بالحكم، بل أدت إلى تحالف بين المحافظين والاشتراكيين، وهنا دخلت ألمانيا في صراع من سيكون المستشار أو المستشارة ومن سوف يشكل الحكومة. وفي 22 نوفمبر 2005 أعلن القرار الأخير والداعي إلى تشكيل الحكومة تحالفا كبيرا برئاسة ميركل. وبهذا لم تكن المرأة الأولى في تاريخ ألمانيا التي تحكم أحد أكبر بلد في أوروبا بل والأصغر سنا، إذ إن عمرها يومها لم يتجاوز الخمسين، وهذا ما أقلق غيرهارد شرودر الذي كان لا يكن لها ودا وعرف بتمسكه برجولته رغم أنه نشأ في أحضان أمه التي كانت عاملة بسيطة. عدا عن ذلك فهو لا يفضل بأي من الأشكال أن يكون تحت زعامة نسائية، بينما هي فإن الجلوس إلى جانب الرجال لا يزعجها لأنها اعتادت أن تكون دائما في وسطهم السياسي.
وإذا ما حسبنا الفترة الزمنية التي وصلت فيها ميركل إلى سدة الحكم نرى أنها كانت قصيرة جدا، ففي عام 1989 انضمت إلى صفوف ما يسمى بعصبة التحول الديمقراطي في ألمانيا الشرقية، وبعد عام أصبحت نائبا في البرلمان الاتحادي الذي لم يحل عام 1994، حتى تسلمت حقيبة وزارة البيئة، ولها الفضل في إدخال تعديلات على معاهدة كيوتو لحماية البيئة وتخفيض نسبة الانبعاثات الحرارية. وفي سنة 2002 تسلمت رئاسة المجموعة البرلمانية للحزبين الشقيقين المسيحيين الديمقراطي والبافاري. وفي نوفمبر عام 2005 اعتلت أعلى منصب سياسي وتنفيذي في تاريخ ألمانيا، وهذا كله خلال 16 عاما فقط، وما زالت في منصبها حتى اليوم.

ميركل تتوسط بوش وبوتين
ميركل تتوسط بوش وبوتين

وكتلميذة في المدرسة أو كشابة فإن أصدقاءها ومدرسيها يقولون عنها إنها كانت بسيطة وغير مزعجة وتندمج بسهولة في المجتمع، واللافت هي علاماتها الجيدة جدا في اللغة الروسية والرياضيات، ونالت جوائز كثيرة لإتقانها اللغة الروسية على مستوى ألمانيا الشرقية، لكنها لم تكن تشارك في احتفالات الشبيبة الألمانية الشرقية، بل أنشطة شبابية أخرى، مما جعلها تشارك في رحلات إلى روسيا، منها إلى موسكو وليننغراد سابقا (بطرسبورغ حاليا)، وفي يونيو عام 1978 تخرجت بدرجة جيدة جدا.

ولا تنكر ميركل حتى هذا اليوم أنها كسبت من المستشار كول خصالا كثيرة وخبرة فائقة، منها ترويض الأعداء والخصوم بالحجة أو بوسائل أخرى إذا ما احتاج الأمر، لكنها في الوقت نفسه تعتقد أن قوتها في ضعفها. وهي لا تصر على سماع تفاصيل الأمور، إلا إذا كان ذلك يخدم النتيجة النهائية والكاملة، والمهم عندها كما تقول «أن أطرح الأسئلة المهمة وأترك من أمامي ينهي حديثه بشكل تخرج عنه المحصلة التي أسعى إليها، فليست هناك نتائج نافعة من دون تحديد أسئلة». ومن عاداتها أن تحلل الأمور بأعصاب باردة وبعيدة عن الانفعالات وإذا ما واجهت أمورا معقدة فإنها تنقر على الطاولة.

وتعرف ميركل كيف تبقي صفحتها نظيفة، لذا تشن هجوما صريحا حتى على أقرب الناس إليها، وهذا ما فعلته مع والدها الروحي المستشار الأسبق كول بعد فضيحة التبرعات المالية التي أخفاها عن الحكومة لصالح حزبه فوافقت يومها على تشكيل لجنة لتقصي حقيقة التبرعات من دون مراعاة لأي شخصية متورطة فيها. وهذه الخصال ما زالت متمسكة بها، فهي تتخلص من كل شخصية مهما كانت مكانتها الحزبية كي تحافظ على حكومتها، وأولى الأوراق التي أسقطتها هي ورقة وزير الاقتصاد الأسبق كارل تيودور تسو غوتنبرغ الذي غش خلال تقديمه أطروحة الدكتوراه بالاستعانة بفقرات ومداخلات كتبها أساتذة من دون أن يذكر الوزير ذلك، ونفس الشيء انطبق على وزيرة التعليم انيتا شافان قبل أشهر قليلة. وتقوم بين الفترة والأخرى بحملة تنظيف في كل صفوف حزبها، بحجة أن من لا ينظف بيته من الداخل يجب ألا يطالب الآخرين بالنظافة.

ولا تتوانى ميركل عن مواجهة التحدي الصعب والقاسي، فمن أجل مواجهة إدمون شتويبر الخصم العنيد في الحزب الشقيق والسياسي التقليدي والذي لا يقبل أن يكون شريكه امرأة، لجأت إلى خطة هجومية عندما قررت الترشح للمستشارية، ومن موقع قوة اتصلت به وقالت له «إذا كنت تعتبرني يسارية من الأقاليم الشرقية ولا تريدني شريكا فقل ذلك بوضوح». وهذا ما فاجأ شتويبر الذي لا يعرف في تعامله السياسي هذه اللهجة المتمردة والواضحة التي أشعرته بوجوب دعوتها للمشاركة في احتفال تقليدي بافاري معظم المشاركين فيه رجال، فجلسا جنبا إلى جنبا كما كان يفعل أيام المستشار السابق كول وشربا البيرة البافارية.

ورغم قوتها السياسية فإن ميركل تظهر احتراما كبيرا لخصموها السياسيين الأقوياء كالمستشار السابق شرودر، وقالت مرة «يجب الاعتراف بقدراته السياسية مع الإيمان بأنني قوية أيضا». ويقترن عملها دائما بما كسبته من والدها القسيس، وتعلمت العمل بصمت وهدوء للوصول إلى أهدافها التي لا تصرح بها أو تعلن عنها، بل تكتفي بالقول «لا أضع حواجز أمام أمنياتي».


من خصالها التي ورثتها عن والدها الروحي كول أيضا «الديكتاتورية الحزبية»، رغم نفيها لذلك بالقول «لا توجد ديكتاتورية في حزب ديمقراطي، لكنني أتعامل مع القضايا بأسلوبي الخاص». هذه الديكتاتورية الناعمة مكنتها من تحجيم بعض القياديين الحزبيين، ومع ذلك تغضب جدا عند يصفها صحافيون بأنها «الرجل الصلب الوحيد في الحزب المسيحي الديمقراطي» وتحاول عدم الرد على أسئلتهم.

ومن خصالها السلبية أنها لا تعترف بسهولة بالأخطاء، بل تتحايل على الوقت لتمرير اعترافها، أو تبرر ذلك بأنها ليست بالأمر السيئ، ثم تسارع لتضيف «لا أخوض أي معركة كانت، قبل أن أقدر حجم الخسارة والربح، وعلى المرء ألا يحارب على أكثر من جبهة في وقت واحد، وهناك معارك بإمكان المرء تأجيلها كي لا يخسرها».
وقد اختارتها مجلة «فوربس» الشهيرة كأقوى امرأة في العالم لهذا العام، لكن من هي هذه المرأة وما هي الخفايا التي لا يعرفها الكثيرون عنها؟
أحد أهم أسرارها أو عاداتها للتركيز أنها عندما تتحدث تجمع يديها معا وتلمس أطراف أصابعها الخمسة مع تقريب الإبهامين إلى صدرها، ثم تطوي اليدين، بعدها تبعدهما عن بعض بحركة سلسة لا تتعارض فيها الأصابع بعضها مع بعض، وتكون ملامح وجها جدية، بعدها تظهر عليها ابتسامة خفيفة. ومع أنها تتحدث بإسهاب عن قضايا كثيرة فإنها عندما طرحت مؤخرا في مجلس النواب الاتحادي مسألة حصص النساء في مناصب عالية في السياسة والحكومة تحدثت عن الموضوع لمدة دقيقتين و30 ثانية، وحجتها أنه لا داعي للتحدث طويلا عن قضية محقة ويجب أن تتحقق ولها مواقف كثيرة حيالها.

Angela+Merkel+Joachim+Loew+Merkel+Receives+NdvbLTfnuQrx

وما يميز ميركل عن غيرها من السياسيين أيضا أنها تستطيع تغيير انطباع وجهها خلال لحظات كما يقول أحد الذين كتبوا عن شخصيات عدة مرات، فإذا ما كانت ضمن حفل فإنها تتنفس الصعداء ثم تقترب من الميكروفون فترفع كتفيها قليلا وترجعهما إلى الوراء وكأنها تريد أن تقف بشكل يسمح لها بالتنفس العميق، بعدها تقرأ خطابها وتكون ملامح وجهها جدية كثيرا وباردة، لكن عندما تنتهي من القراءة تنظر إلى فوق وتسترجل أحيانا بعض العبارات الفكاهية.
والكل يتذكر عندما انتخبت لأول مرة مستشارة، قامت بنفس حركة اليدين، ثم نظرت إلى الأعلى وقالت «عندما كنت موضع نقاش كي أصبح رئيسة للحزب قال لي أحد الزملاء عليك القيام بذلك، فأجبته، لا أعرف إذا ما كنت محافظة وبالشكل المطلوب كما حزبي كي أرشح نفسي أم لا».
ويعتقد البعض أنها تقول هذه العبارة وكأنها تريد أن يشارك الآخرون في مسؤولية قرارها وليس هي وحدها، لكن مهما كان الأمر فإنها تلجأ إلى أنوثتها التي تظهر في حركات بسيطة جدا، لذا لا يمكن القول بأنها امرأة حديدية، بل امرأة خيوطها من الحرير الناعم الذي لا ينقطع بسهولة. وتحب سرد النوادر القصيرة بين الحين والآخر وبشكل غير متوقع، لذا فإن المتحدث إليها يشهد تغييرا في ملامحها، مما يجعله في بعض الأحيان لا يعرف ماذا ينتظره بعد لحظة، كما أنها لديها القدرة على التفكير في أكثر من فكرة في الوقت نفسه، فملامحها لا تفضح تفكيرها أبدا.

ميركل من عشاق كرة القدم

والكل يعرف أن ميركل من عشاق كرة القدم، وهي لا تتردد إذا كان الوقت يسمح بحضور مباريات دولية مثلما فعلت في مباراة بكأس العالم الأخيرة، عندما تبارت ألمانيا ضد اليونان، وكانت المرأة الوحيدة الحاكمة في العالم الموجودة في مقصورة الشخصيات المهمة في الملعب، لكنها لم تجلس بل كانت تتفاعل كما أي شخص في الملعب وتقفز كلما سجل فريق بلادها هدفا. لذا يقول أحد المقربين منها «من يريد التعرف على حقيقة ميركل فعليه مراقبتها عندما تشاهد مباراة، فهي تصبح شخصا آخر، تقفز من الفرح وتغضب وتنفعل». وحبها لكرة القدم كان قبل اقتحامها المجال السياسي، لكنها لم تمارس هذه الرياضة أبدا، بل تفضل حتى اليوم المشي، وهذا ما تفعله مع زوجها في أيام العطلات.

وبعكس الكثير من السياسيين الذين يأتون أحيانا متأخرين عن الموعد لسبب ما فإن ميركل لا تنسى الموعد التالي الذي ينتظرها، فهي تنظر إلى ساعتها ثم تقول لمرافقيها حان الوقت للموعد المقبل، علينا أن نسرع. ومع أنها تعطي انطباعا بأنها شخصية باردة، فإنها عندما تلقي خطابا في أي مناسبة كانت وبالأخص في البرلمان فإنها تتحول إلى محاربة عنيدة تدافع عن أفكارها وأفكار حزبها وخطها السياسي وبحدة شديدة أحيانا، ومع كل مقطع يزداد صوتها ارتفاعا.
ولا يؤثر الحر عليها، فعندما تكون في قاعة تغص بالحاضرين تبقي أزرار سترتها مغلقة، وهذه أيضا من عاداتها.

وتتأثر ميركل أحيانا بالانتقادات التي تعتبرها غير محقة، ويصيبها الغضب، لكنها تحاول جاهدة إخفاء ذلك، كما تحاول إخفاء رفضها لأي هزيمة، وهذا ما ورثته عن المستشار كول، بل تحاول الدفاع عن أفكارها حتى النهاية، وهذا ما فعلته أيضا في ما يتعلق بأزمة اليورو، حيث استقبلها اليونانيون عندما زارت أثينا بصور تمثلها وكأنها هتلر، لكنها لم تعط أي اهتمام وأصرت على وجوب قبول اليونان بشروط منح القروض وإلا فلا قروض تقدم لها من أجل تعويم نفسها وهي تسبح في بحر هائج من الأزمات الاقتصادية والمالية.

ولقد تعرضت لها إحدى مقدمات برنامج تلفزيون معروف بتحد عندما سألتها «السيدة ميركل.. هل أنت الشخص المناسب لمواجهة الأزمة؟»، فكان جواب ميركل بكل هدوء ممزوج بالتحدي «نعم، أعتقد ذلك»، ثم التزمت الصمت. وتقول أيضا «قد يكون الصمت أحيانا بديلا عن رد هجومي أو عن خطة دفاعية، فكل شخص له أسلوبه الخاص في الرد في مثل هذا المواقف»، وهذا يفسر رد فعلها الهادئ عندما يجري استقراء للرأي خاصة في السؤال المتعلق: ماذا تعني ميركل للمواطن الألماني مقارنة مع المستشارين السابقين هيلموت كول وغيرهارد شرودر؟!.. فإذا كان نسبة الذين يجيبون بأنها لا تعني شيئا فإنها لا تظهر تأثرا، فهي تملك القدرة على امتصاص الغيظ وإمكانية مواجهة حتى أشد الهجمات، لكن عندما تُسأل «هل ستفوزين مرة أخرى بالانتخابات؟»، تقول بشكل لافت «هذا يتعلق بي»، أي يتعلق بسياستها والخطط التي تتبعها.

مع ذلك فإنها تسلك أحيانا استراتيجية الهجوم الدفاعي حسب قولها، وهذا يفسر امتعاض بعض الصحافيين منها، إلا أن الكثير من الصحافيين الأجانب يقولون بأنها ذكية جدا، مثل قول أحد الصحافيين الهولنديين، رغم عدم الود الذي يجمع البلدين لأسباب تاريخية. فبرأيه «ما يعجبني في ذكائها أنها لا تستخدم أنوثتها، وهذا يسهل العمل معها، فهي ترد بتركيز وبسرعة على الأسئلة. لكن عندما يحاول صحافي طرح ثلاثة أو أربعة أسئلة معا فإنها تتصرف معه كما المعلمة مع تلميذ في المدرسة باختصار وبنبرة وكأنها تقول له: أيها التلميذ اجلس الآن».

ومهما كان الوقت متأخرا وكثرت الأعمال والمؤتمرات الصعبة تبدو المستشارة مستعدة دائما لمواصلة العمل إذا ما كان ذلك ضروريا وتحاول إخفاء تعبها، وهذا ما تقوله أيضا إحدى المصورات البريطانيات التي التقطت لها العديد من الصور. وكثرة العمل لم تضعف ذاكرتها، ويقول معظم الذين يعملون معها في المستشارية إنها تطلب الكثير من المعلومات قبل القيام بأي عمل أو إجراء مقابلة أو لقاء، وتخزنها في رأسها، فطاقة ذاكرتها للحفظ تصل إلى مئات الغيغابايت، وقد يكون السبب عدم وجود مشاغل لديها سوى منصبها وإدارة حكومتها، لكن هذا لا يفقدها روح المرح حتى بعد يوم زاخر بالأعمال، وتصف نفسها بالإنسانة المرحة حتى ولو كان يومها مليئا بالقضايا الشائكة أو المعقدة.

وصعوبة عملها لا تجعلها تهمل الحفاظ على صحتها والنوم وقتا كافيا حسبما تقول، وهي تحاول قدر المستطاع المشي، والأمر المحبب إليها هو الطبخ أو بالأحر طبخ الحساء بالخضار أو البطاطا من حديقتها الصغيرة ببيتها في منطقة أوكرمارك التي تحاول قضاء عطلات الأسبوع فيه والعمل في الحديقة، هناك لا تتحدث مع زوجها عن السياسة كثيرا، وإذا كان ممكنا عن مواضيع أخرى. لذا تقول «أسر كثيرا عندما أعود إلى الحياة العادية بعد يوم صعب ومليء بالمواعيد».

مارغرت ثاتشر و أنجيلا ميركل

وفي الوقت الذي وصف فيه المستشار الأسبق هلموت شميدت المستشارية بأنها أسوأ منصب لما فيه من مسؤوليات كبيرة جدا تجعل الشخص يصل إلى حدود قدراته، تقول ميركل «لا أصف هذا المنصب بهذا الوصف، إنه منصب جميل وجدي، فعلى المرء أن يتخذ قرارات صعبة، لهذا فالأمر مثير».
لكن هل ندمت لأنها لم تنجب أطفالا؟
إنه موضوع من النادر ما تتطرق إليه ميركل، لكنها تقول في هذا الصدد «لم أندم، عدا عن ذلك لم تتوافر الفرص لذلك، لكنني لو أنجبت أطفالا لما أصبحت سياسية»، هذه هي إجابتها المختصرة والواقعية.

ويمتلك المرء الشعور بأن ميركل تطلق العنان لمزاجها الجيد والبهجة عندما تقوم برحلة إلى الخارج. ففي ألمانيا تسيطر على يومها نقاشات الحكومة والصراع الدائم مع المعارضة السياسية وبالأخص حاليا، لأن الانتخابات العامة في شهر سبتمبر الحالي، بينما في الخارج فليس لديها سوى موضوع واحد لمناقشته ولا يطمع أحد في الاستيلاء على منصبها.

المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل توقع على كتاب التعازي بمناسبة رحيل مارغريت تاتشر في السفارة البريطانية
المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل توقع على كتاب التعازي بمناسبة رحيل مارغريت تاتشر في السفارة البريطانية”برلين”11 أبريل 2013

ومنذ اعتزال رئيسة الوزراء البريطانية الراحلة مارغرت ثاتشر فإن أنجيلا ميركل هي المرأة الوحيد منذ أكثر من ربع قرن التي لها حضور سياسي رئيسي ومهم في كل المؤتمرات الدولية، لكن وبعكس ثاتشر فإنها تتعامل مع كل مسؤول رجل بشكل يجعله يعتقد أنه المفضل لديها، وهذا سرها، فما يهمها هو مصلحة بلادها. وعندما تكون هي المضيفة للمؤتمر فإنها تحاول خلق جو من التناغم، فمع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي كانت لا تنسى إعطاءه قبلة على وجنته، وهذا كان يسعده، وكانت تعانق الرئيس الروسي السابق ديمتري ميدفيديف، ومع أنها كان لا تكن الود لرئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلسكوني فإنه كان يسر بالجلوس إلى جانبها على مائدة الغداء، وهي تبتسم لكل ضيوفها ليشعر كل واحد بأنه في المنزلة نفسها من التكريم الكبير، وهذا دليل على مدى إلمامها بأصول الدبلوماسية وهي الفتاة التي ترعرعت في بيت قسيس بسيط، لكن البعض يقول إن كثرة تقييدها في هذه البروتوكولات جعلتها مثل الرجل الآلي، تتحرك بانضباط كبير، لكن ماذا عليها أن تفعل؟
والقليل من الأشخاص الذين يعرفون بعض العبارات التي تؤمن بها ميركل، مثل عبارة «يحتاج المرء إلى الصمت لكي يتمكن من التحدث بذكاء». ولقد اعترفت مرة بأنها رشت مدرس القيادة في ألمانيا الشرقية من أجل الحصول على شهادة لأنها رسبت أكثر من مرة في الامتحان.

ومن الأمور التي ترفضها ميركل، لكنها مهمة هي الترجمة المباشرة خلال الزيارات الرسمية أو المحادثات المهمة وغيرها، فهي أول مسؤول كبير يتنازل عن المترجم، لأن الهمس في الأذن يضايقها وتفضل الاعتماد على سماعة الرأس وهذا يشكل تحديا لحلاقها الخاص أودو فالتس لأن عليه أن يصفف شعرها بشكل لا تؤثر عليه سماعة الرأس. وتبرر إصرارها على هذا النوع من المترجمة أنها توفير للوقت، كما تخشى أن يكون المترجم المباشر خلال الرحلات ا لطويلة والشاقة تعب فتكون الترجمة أيضا غير صحيحة، مما يعني بناء مواقف خطأ على ترجمة خاطئة، بينما يتناوب المترجمون في كابينة الترجمة على العمل. لكنها مع زوار مثل الرئيس الروسي الأسبق ميدفيديف والرئيس الحالي فلاديمير بوتين، فإنها تتحدث بالروسية التي تتقنها بطلاقة، وتقبل بالترجمة المباشرة في المحادثات السرية أو فائقة الأهمية وتتكلم الإنجليزية بشكل جيد.

وخصوصيات ميركل لا تختصر على الترجمة الفورية، بل أيضا على الملابس، فهي لا تلبس آخر الموضة بل تعتمد موديلات الكلاسيكية، أي السروال المتوسط الضيق مع ستر (جاكيت) متنوعة الألوان وتغيير في شكل ياقتها. ومن النادر أن تلبس فساتين إلا في المناسبات الرسمية مثل حفل «كوكتيل» أو حضور مهرجانات فنية مثل مهرجان ماغنر في مدينة بيروت. لكن حتى الفساتين التي تلبسها لا تتغير موديلاتها كثيرا وأخذت لها صور العام الماضي تظهرها في نفس فستان السهرة الأزرق الذي كانت تلبسه عام 2008 خلال حضورها مهرجان ستراسبورغ عام 2002 وما تغير هو العقد الذي يحيط برقبتها، لذا أطلق صحافيون نكتة تقول بأن المستشارة مع سياسية الدوير حتى تدوير ملابسها، بينما ترى هي أنه لا داعي للتبذير، والفستان الذي يلبس مرة في العام يمكن الاحتفاظ به للمناسبات القادمة. لكن ما يتعلق بعقود الرقبة فإنها تظهر كل يوم تقريبا بعقد جديد وأغلى عقد لديها هو من العنبر ولا يتجاوز ثمنه الـ200 يورو.

من خفايا ميركل أيضا أن كل الخيوط المهمة لعملها لا تضعها في يد أحد من وزرائها كما هي الحال مع كثير من المستشارين السابقين، بل في يد مديرة مكتبها بياتي باومن، التي تستمع ميركل إليها مع بعض الأمور. وتعتبر أكثر السياسيين استعمالا للهاتف الجوال وتملك اليوم واحدا لا يمكن اختراقه، وتدير عبره حكومتها وتتصل بوزرائها أو أعضاء الجناح البرلماني لحزبها خاصة إذا كانت في رحلة في الخارج وذلك عبر الرسائل القصيرة (إس إم إس). ولو عملت 18 ساعة وأمامها في اليوم التالي رحلة إلى الخارج فإنها لا تغادر مكتبها إلا بعد أن تشرب كأس نبيذ أو أي مشروب آخر مع موظفي مكتبها. والسر الذي كشف قبل فترة قصيرة أنها كانت تدخن أكثر من عشرين سيجارة يوميا وظلت على عادتها عندما كانت وزيرة الشباب ما بين عام 1991 و1994، لكن بعد ذلك تخلت عن التدخين كليا وتقول أيضا إلى الأبد.

وخلال رحلاتها ترافقها أيضا المتخصصة بالماكياج بيترا كلر، كي تبدو دائما نضرة، لكن التعب يغلب عليها ويظهر بوضوح خاصة بعد جلسات طويلة في الاتحاد الأوروبي. وإذا ما تمنت تغيير شيء فيها فإنها تريد تغيير شعرها فقط وتحبه أحمر وكثيفا، ولا تنتعل ميركل أحذية عالية الكعب لأنها ترتاح عندما تشعر بالأرض تحت قدميها.
ولم يرها أحد تقود سيارة حتى الآن لكنها مولعة بالغولف مع أن السيارة التي تستخدمها للعمل هي أودي، مما جعلها تكسر عادة كل المستشارين السابقين الذين يفضلون المرسيدس.
وعندما تجد وقتا فإنها تستحم في بحيرة في بلدتها اكرمارك، لكن وبعكس الماضي وكانت تستحم عارية في ألمانيا الشرقية فإنها تستحم بملابس السباحة.
وفي أيام العطل فإنها تتبضع بنفسها في بلدتها وتجر بنفسها عربة التبضع وتتحدث مع الناس إذا ما كان الوقت والوضع يسمحان، كما تعترف بأن حلمها كان أن تصبح راقصة بالية على الجليد مع أنها تعرف أنها لا تستطيع إتقان مثل هذه المهنة، لذا تقول: «كنت أتمنى أن أمتهن مهنة لا أستطيع امتهانها، وعندما كانت طفلة تمنت أن تصبح بائعة مثلجات وآيس كريم».
ومن أهم رحلاتها الغريبة في شبابها تلك التي قامت بها عبر أرمينيا وجورجيا وأذربيجان وحتى روسيا بحقيبة ظهر صغيرة إما مشيا على الأقدام أو بتوقيف السيارات للصعود فيها.

وبعكس كثير من الألمان فإن ميركل لا تحب الكلاب بل تخاف منها، وهي لا تستخدم أي نوع من العطور ولا تلبس حتى خاتم الزواج أو أي نوع من المصاغ لكنها تمتلك كثيرا من عقود العنق. وعلى طاولة عملها توجد صورة للقيصرة الروسية الألمانية الأصل كاترين الكبيرة، وتعترف بوجود نقطة ضعف لديها وهي أنها تصرخ بصوت مرتفع خاصة عند مشاهدة لعبة كرة القدم أو تعرضها لمفاجئة أيا كان نوعها.

لا تحب الحراسة

وتحرص على عدم التقاط صور لها لا تسمح بها مثلا بملابس السباحة، لذا أقامت الدنيا ولم تقعدها عندما التقط لها باباراتسي صورا شبه عارية في أحد المنتجعات الإيطالية وهي تأخذ حمام شمس مما دفع المجلة إلى الاعتذار الشديد.
ومع أنها لا تحب الحراسة الشديدة عليها لكنها اضطرت خلال زيارتها إلى اليونان وإسبانيا لمناقشة برامج التقشف من أجل مواجهة أزمة اليورو بالقبول بالمزيد من الحراس الشخصيين،
حتى أن المكتب الاتحادي الجنائي حذرها من احتمال تعرضها لأي اعتداء في ألمانيا أيضا فقبلت برفع عدد الحراس الشخصيين من 16 إلى 20، ويرافقها عن قرب وعلى مدار الساعة حارسان أو ثلاثة حراس أيضا في وقت العطل، وترافقها حارستان عند ذهابها إلى الحمامات الصحية فيقفن أمام الحمام عند استحمامها أو في كابينة تغييرها للملابس.

ومن الممثلين المفضلين لها دوستين هوفمان وتحاول أن لا تفوت فيلما للممثل الأميركي روبرت ريدفورد. وليس لديها شخصية مثالية تقتدي بها لكن هناك أشخاصا أثروا عليها مثل وزير الخارجية الأميركي السابق هنري كيسنجر.
وزوجها هو الشخص الوحيد الذي يواسيها عندما تشعر بالضيق، في الوقت نفسه لا يتدخل في شؤونها كمستشارة، فكل واحد له ميدان عمله وعندما تزوجا كان الاتفاق أن يهتم هو ببحوثه العلمية وهي بالسياسة. لكن صندوق أسرارها هي أختها التي تصغرها بعشرة أعوام.

وأمنيتها التي تعرف أنها لن تتحقق، طالما أنها تمارس السياسة، هي السفر في قطار سيبيريا للقيام برحلة طويلة جدا عبر آسيا لتقف في عدة محطات في روسيا ولتتحدث الروسية لأنها الشيء الوحيد الذي أحبته وتعلمته خلال الحكم الشيوعي في ألمانيا الشرقية.
وهي من أفضل السياسيين الألمان التي تمكنت من الفصل بين العائلة وعملها، ففي الوقت الذي كان لزوجة المستشار الأسبق شرودر مكتبا في المستشارية، فإن زوج ميركل أستاذ الجامعة لا يملك حتى كرسي أو طاولة هناك.

Previous ArticleNext Article
اعتدال سلامه

كاتبة صحافية مقيمة في برلين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.