رؤية المرشد الأعلى للعالم

اية الله علي خامنئي

اية الله علي خامنئي

تعمل كل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية في الحكومة، رسميا أو غير ذلك، تحت السيادة المطلقة للقائد الأعلى. وهكذا، يصبح خامنئي هو رئيس دولة إيران وقائدها الأعلى ومنظرها الرئيس. أفكاره هي ما تشكل السياسة الإيرانية لذلك تجدر دراستها بالتفصيل.

ولد خامنئي في مدينة مشهد في شمال شرقي إيران عام 1939. كان والده عالم دين متواضع الدخل. سار خامنئي، وهو الثاني بين ثمانية أبناء، على نهج والده والتحق بالمدرسة الدينية (كما أن له شقيقين من رجال الدين أيضا).

[blockquote]

درس خامنئي في قم من عام 1958 إلى 1964، وعندما كان هناك التحق بحركة المعارضة الدينية التي قادها آية الله الخميني في عام 1962. أدى خامنئي دورا مهما في الثورة الإيرانية عام 1979 وأصبح رئيسا لإيران من عام 1981 إلى 1989، ثم خلف الخميني في منصب المرشد الأعلى.[/blockquote]

كان خامنئي على اتصال دائم بعالم المثقفين الإيرانيين، وقد تشكل الإطار الأساسي لفكره أثناء شبابه وبدايات سن الرشد، في الخمسينات والستينات من القرن الماضي. كانت إيران في ذلك الوقت تحت الحكم الملكي وحليفة للولايات المتحدة. ووفقا للمعارضة الإيرانية في ذلك الوقت، لم يكن الشاه سوى دمية أميركية. وعلى عكس كثير من الإسلاميين الآخرين، كان خامنئي على اتصال مع أهم مثقفي المعارضة العلمانيين واستوعب خطابهم في مرحلة ما قبل الثورة. ولكنه كان أيضا طالبا في المعهد الديني الذي ينصب تركيزه الأساسي على تعليم الشريعة الإسلامية، فتعرف على منظري الإخوان المسلمين وتأثر بأعمال سيد قطب، التي ترجم خامنئي ذاته بعضا منها إلى الفارسية.

عندما كان شابا، شهد خامنئي الخلاف بين الغرب والعالم الثالث، وتصلبت هذه الرؤى أثناء تعامله مع الولايات المتحدة بعد الثورة الإيرانية. وتوصل إلى أن واشنطن عازمة على الإطاحة بالجمهورية الإسلامية وأن جميع القضايا الأخرى التي يثيرها المسؤولون الأميركيون لا تتجاوز كونها ستارا دخانيا. وحتى اليوم، يعتقد خامنئي أن الحكومة الأميركية مصرة على تغيير النظام في إيران، سواء عن طريق إسقاطه من الداخل أو اندلاع ثورة ديمقراطية أو ممارسة ضغوط اقتصادية أو شن غزو عسكري.

غلاف فورن افيرز

غلاف فورن افيرز

دائما ما ينتقد خامنئي الديمقراطية الليبرالية ويعتقد أن الرأسمالية والغرب يتجهان إلى انهيار حتمي على المدى البعيد. علاوة على ذلك يعتبر المرشد الأعلى أن واشنطن بطبيعتها تعاني من الإسلاموفوبيا، ولكنه ليس معاديا للغرب أو لأميركا بالفطرة. ولا يعتقد أن الولايات المتحدة والغرب مسؤولان عن جميع مشاكل العالم الإسلامي، أو أنه يجب تدميرهما، أو أن القرآن والشريعة كافيان في حد ذاتهما لمعالجة احتياجات العالم المعاصر. بل يعتبر أن العلم والتقدم «حقيقة الحضارة الغربية»، ويريد أن يتعلم الشعب الإيراني هذه الحقيقة. إنه ليس مجنونا أو غير عقلاني أو متعصبا متهورا يبحث عن فرص للعدوان، ولكن آراءه المتأصلة وعناده يجعلان أي مباحثات مع الغرب صعبة وممتدة، وسيكون على أي تحسن جاد في العلاقات بين إيران والولايات المتحدة أن يكون جزءا من اتفاق شامل رئيس يتضمن تنازلات من الجانبين.

لمحة عن المرشد الأعلى شابا

من أجل فهم رؤية خامنئي، من المفيد البدء بالاطلاع على تاريخ التدخل الأميركي في إيران. في عام 1953، ساعدت حكومة أيزنهاور على التخطيط للانقلاب ضد حكومة مصدق التي وصلت إلى الحكم عن طريق انتخابات ديمقراطية، وكانت واشنطن الداعمة الرئيسة لنظام محمد رضا شاه بهلوي الاستبدادي، حتى الإطاحة به في عام 1979.

ساعد ذلك على تشكيل خطاب جميع معارضي النظام؛ حيث اجتمعت معارضة شاه إيران مع معارضة الولايات المتحدة، وكان الشاه يعتبر أحد جنود واشنطن.

كان خامنئي يبلغ من العمر 40 عاما عندما قامت الثورة؛ وقبل ذلك كان طالب علم ورجل دين، ولكنه متفاعل مع العالم الواسع بالإضافة إلى الأوساط الدينية الضيقة. وكما قال في اجتماع مع العلماء المسلمين ورجال الدين الشباب في مايو (أيار) عام 2012: «شاركت في الأوساط الثقافية قبل الثورة وكانت لدي علاقات وثيقة مع الجماعات السياسية. وكنت أعرفهم جميعا، وشاركت في مناقشات

ومناظرات مع كثير منهم». كان رجلا محبا للموسيقى والشعر والروايات بالإضافة إلى العلم الديني. جدير بالذكر أنه لا يوجد مرجع ديني (آية الله) أو فقيه بارز يملك مثل هذا الماضي الشامل.

أدت علاقات خامنئي الواسعة مع المثقفين العلمانيين في إيران إلى تطرف آرائه بشأن الولايات المتحدة، نظرا لأن هذه الأوساط كانت معارضة للولايات المتحدة بشدة بعد انقلاب عام 1953، وبعد تأييد الولايات المتحدة للشاه وقمعه التالي للمعارضين. وكما قال صديق خامنئي الشاعر مهدي إخوان ثالث، في أحد الأبيات: «لن أنسى أننا كنا شعلة، وهم أطفأونا بالماء». تحدث خامنئي عن دور الولايات المتحدة في انقلاب عام 1953 عدة مرات، وتستمر الذكرى تتردد لديه حتى الآن. صرح خامنئي في العام الماضي في لقاء مع طلاب الجامعات في طهران قائلا:

[inset_right]

* قرأ خامنئي لكّتاب غربيين وأثنى على ليو تولستوي وميخائيل شولوخوف وأونوريه دي بلزاك وميشال زيفاجو، وهوارد فاست ولكنه يعتبر فيكتور هوغو الأفضل،ويعد (البؤساء) أهم رواية في التاريخ.[/inset_right]

«من المثير للاهتمام أن ندرك أن أميركا أطاحت بحكومة مصدق حتى على الرغم من أنه لم يظهر عداء تجاهها. لقد تصدى للبريطانيين ووثق في الأميركان. كان يرجو أن يساعده الأميركان، وكانت له علاقات ودية معهم، وأعرب عن اهتمامه بهم، لعله أبدى لهم خضوعا. (ولكن) أطاح الأميركيون بهذه الحكومة. لم تكن الحكومة القائمة في طهران حينها معارضة لأميركا، لا، بل كانت صديقة لها. ولكن مصالح الغطرسة (وهو المصطلح الذي يستخدمه خامنئي غالبا ليرمز إلى الولايات المتحدة) استلزمت تحالف الأميركيين مع البريطانيين. جمعوا الأموال وجلبوها إلى هنا وقاموا بمهمتهم. ثم عندما تحقق انقلابهم وأعادوا الشاه الذي كان قد هرب، تمكنوا من السيطرة على البلاد».

يملك خامنئي علاقات وثيقة مع جلال الأحمد وعلي شريعتي، أكثر المثقفين تأثيرا في مرحلة ما قبل الثورة. وكانا من أهم المساهمين في نظرية «التسمم بالغرب». ولكن يبدو أن معارضة الإمبريالية هي أكثر ما تأثر به خامنئي من الفكر العلماني.

الصراع ضد الإمبريالية

في أوساط المثقفين الإيرانيين المعارضين قبل الثورة، كانت الثقافة والحضارة الغربية تلقى استهجانا، بل واعتبرت سببا للأزمة والانهيار. وكان العالم الثالث هو البديل الصاعد. وكما يقول الكاتب الإيراني المعاصر لخامنئي داريوش آشوري: «يتكون العالم الثالث من الأمم الفقيرة والمستعمرة، والتي تتسم في الوقت ذاته بالثورية». كانت إيران مستقلة ظاهريا، ولكنهم اعتبروا أن الاستعمار يتخذ شكلا جديدا هناك، في ظل وجود نخبة سياسية محلية في الحكم تؤدي دور العميل للإمبريالية وتعمل من أجل الحفاظ على مصالحها. علاوة على ذلك، سرى اعتقاد بأن العالم الغربي، بقيادة الولايات المتحدة يضع أساسا له للتوسع السياسي والاقتصادي بتدمير الثقافات الأصلية. وفي ظل مثل هذه الظروف، كان من السهل ألا يكون الإسلام مجرد دين بل سلاح ثقافي وآيديولوجي في الصراع ضد الإمبريالية.

في شبابه، كان خامنئي يحب الروايات. قرأ لكتاب إيرانيين مثل محمد علي جمال زاده وصادق شوباك وصادق هدايت، ولكنه شعر بأنهم يتوارون أمام الكتاب الكلاسيكيين الغربيين من فرنسا وروسيا وبريطانيا. وأثنى خامنئي على ليو تولستوي وميخائيل شولوخوف وأمثال أونوريه دي بلزاك وميشال زيفاجو، ولكنه يعتبر فيكتور هوغو الأفضل. وفي تصريحات لبعض مسؤولي شبكة التلفزيون الحكومية الإيرانية عام 2004، قال خامنئي:

«في رأيي، إن رواية (البؤساء) لفيكتور هوغو أفضل رواية كتبت في التاريخ. طبعا لم أقرأ جميع الروايات المكتوبة في التاريخ، ولكني قرأت العديد من الروايات المتعلقة بأحداث قرون مختلفة. وقرأت روايات قديمة للغاية. على سبيل المثال، قرأت (الكوميديا الإلهية)، وقرأت (أمير أرسلان). وقرأت أيضا (ألف ليلة وليلة).. (ولكن) (البؤساء) معجزة في عالم كتابة الرواية.. وأقول مرارا اقرأوا (البؤساء)، إنه كتاب عن علم الاجتماع والتاريخ والنقد وعلم اللاهوت والحب والمشاعر».

الروايات تمنحه بصيرة

شعر خامنئي بأن الروايات تمنحه بصيرة نافذة إلى الواقع العميق في حياة الغرب، حتى إنه نصح جمهورا من الكُتاب والفنانين في عام 1996 قائلا: «اقرأوا روايات بعض الكتاب ذوي الاتجاهات اليسارية، مثل هوارد فاست. اقرأوا (عناقيد الغضب) الشهيرة التي ألفها جون ستاينبيك.. وانظروا كيف تتحدث عن موقف اليسار وكيف تعامل معهم الرأسماليون في مركز الديمقراطية». كما أنه أيضا من محبي رواية «كوخ العم توم» التي نصح بقراءتها مديرين حكوميين رفيعي المستوى في مارس (آذار) عام 2002، نظرا لما تلقيه من ضوء على تاريخ الولايات المتحدة قائلا: «أليست هذه هي الحكومة التي ارتكبت مجزرة ضد السكان الأصليين على أرض أميركا؟ أليست هي التي تخلصت من الهنود الأميركيين؟ أليس هذا هو النظام وعملاؤه الذين أسروا ملايين الأفارقة من منازلهم واتخذوهم عبيدا وخطفوا أبناءهم وبناتهم الصغار ليتخذوهم رقيقا وألحقوا بهم أقسى معاناة على مدار سنوات طويلة؟ اليوم، أكثر الأعمال الفنية تعبيرا عن هذه التراجيديا هي رواية (كوخ العم توم).. ما زال هذا الكتاب حيا بعد نحو 200 عام».

الإسلامي الناشئ

رغم تردد خامنئي على الأوساط الثقافية العلمانية قبل الثورة، وكونه طالبا للثقافة الغربية بصورة عامة، فإنه كان أولا وقبل كل شيء عالم دين يكرس ذاته إلى تحقيق تغيير اجتماعي بما يتفق مع تعاليم الدين. وفي هذا الصدد، كان سيد قطب، المفكر والناشط المصري والمنظر الرئيس لجماعة الإخوان المسلمين، هو من استولى على قلب خامنئي في شبابه.

نشر قطب، الذي أعدمه نظام الرئيس المصري جمال عبد الناصر في عام 1966، فكرة الدولة الإسلامية. وكما كتب في «معركة الإسلام والرأسمالية»:

سيد قضب سيد قضب

سيد قضب

«إذا أريد للإسلام أن يعمل، فلا بد أن يحكم، فما جاء هذا الدين لينزوي في الصوامع والمعابد، أو يستكن في القلوب والضمائر، إنما جاء ليحكم الحياة ويصرفها، ويصوغ المجتمع وفق فكرته الكاملة عن الحياة.. ومما سبق عرضه من مشكلات اجتماعية وقومية وطريقة علاج الإسلام لها يتبين بما لا لبس فيه ضرورة الحكم للإسلام.. لا إسلام بلا حكم ولا مسلمين بلا إسلام».

أعمدة الحكم الإسلامي التي تحدث عنها قطب هي العدالة والمساواة وإعادة توزيع الثروة. كتب قطب في «العدالة الاجتماعية في الإسلام»: «إن الإسلام الحقيقي هو حركة تحرر وجدان الأفراد ثم المجتمعات الإنسانية من الخوف من عبودية الأقوياء».

أفكار سيد قطب

استمرت أفكار قطب لتصبح قالبا للحركة السلفية الحديثة، حتى تسيطر في النهاية على إسلاميين متطرفين مثل أسامة بن لادن وأيمن الظواهري. وكانت هذه الأفكار تلقى قبولا لدى طلاب المعاهد الدينية الإيرانية. وقرأها خامنئي وانجذب إلى شخصية قطب وإلى بعض أفكاره، بل وذهب إلى ترجمة بعض من كتب قطب إلى اللغة الفارسية بنفسه. وكما كتب خامنئي في مقدمة ترجمته لكتاب سيد قطب «المستقبل لهذا الدين» في عام 1967: «حاول هذا الكاتب العظيم عبر فصول هذا الكتاب.. تقديم روح الدين كما هي، ثم توضيح أنه منهج للحياة.. (وأكد) بعباراته البليغة ومنظوره العالمي الخاص أن حكم العالم في النهاية سوف يكون في يد مدرستنا وأن (المستقبل سيكون للإسلام)».

أحيا قطب المفاهيم الإسلامية التقليدية عن دار الإسلام ودار الحرب ولكنه أضفى عليها معنى جديدا حيث كتب: «إن هناك دارا واحدة هي دار الإسلام، تلك التي تقوم فيها الدولة المسلمة، فتهيمن عليها شريعة الله، وتقام فيها حدوده، ويتولى المسلمون فيها بعضهم بعضا، وما عداها فهي دار حرب، علاقة المسلم بها إما القتال، وإما المهادنة على عهد أمان».

قدم قطب إلى خامنئي أيضا منظورا تجاه الولايات المتحدة بصفتها مجتمع فجور، وهي الأفكار التي التقطها قطب أثناء إقامته المؤقتة هناك في الأربعينات. وصل قطب إلى الشعور بأن الأميركيين مستعدون لقبول الإسلام، ولكن ليس على صورته الحقيقية التي لا تقبل الخضوع: «الأميركان وحلفاؤهم مهتمون بالإسلام في هذه الأيام، إنهم في حاجة إليه ليكافح لهم الشيوعية في الشرق الأوسط.. والإسلام الذي يريده الأميركان ليس هو الإسلام الذي يقاوم الاستعمار وليس هو الإسلام الذي يقاوم الطغيان، ولكنه فقط الإسلام الذي يقاوم الشيوعية! إنهم لا يريدون للإسلام أن يحكم، ولا يطيقون من الإسلام أن يحكم، لأن الإسلام حين يحكم سينشىء الشعوب نشأة أخرى، وسيعلم الشعوب أن إعداد القوة فريضة، وأن طرد المستعمر فريضة، وأن الشيوعية كالاستعمار وباء فكلاهما عدو. وكلاهما اعتداء».

بعد الثورة

في الأيام الأولى من الثورة الإيرانية، بعد أن أعلنت واشنطن أنها سوف تسمح للشاه المريض بدخول الولايات المتحدة لتلقي العلاج، استولت مجموعة من الطلاب الإيرانيين المتطرفين على السفارة الأميركية في طهران واحتجزوا من فيها كرهائن، مما تسبب في خلق أزمة جديدة في العلاقات الأميركية الإيرانية. لم يكن جميع أفراد النخبة الحاكمة الجديدة يعرفون بشأن الخطة أو يوافقون عليها. ووفقا للرئيس الإيراني الأسبق علي أكبر رفسنجاني، لم يؤيد هو أو خامنئي هذه الخطوة: «كان آية الله خامنئي وأنا في مكة عندما سمعنا أخبار الاستيلاء على السفارة الأميركية عبر الإذاعة ليلا، عندما كنا في مكان إقامتنا نستعد للنوم. أصبنا بالصدمة، لأننا لم نكن نتوقع مثل هذا الحدث.

ايه الله خامنئي يمين مرشد الثورة روح الله خميني عام 1979

ايه الله خامنئي يمين مرشد الثورة روح الله خميني عام 1979

ليست هذه سياستنا. حتى في بداية انتصار الثورة، عندما كانت الجماعات السياسية تهتف بشعارات متطرفة ضد أميركا، ساعد المسؤولون الأميركيون الموجودون في إيران على العودة إلى بلادهم سالمين، بل وحمل كثير منهم ممتلكاتهم معهم. وبمجرد أن هاجمت مجموعة مسلحة السفارة الأميركية واحتلتها، جاء ممثل عن الحكومة المؤقتة وأنهى المشكلة. لذلك من الواضح أن المجلس الثوري والحكومة المؤقتة لا يميلان إلى اتخاذ مثل هذه الإجراءات».

ولكن بعد أن خرج الخميني مؤيدا للاستيلاء على السفارة، سار حكام آخرون في الجمهورية الإسلامية على نهجه. وكما قال خامنئي في أبريل (نيسان) عام 1999: «تقابلت أنا والسيد هاشمي وشخص آخر مع الإمام (الخميني) بعد السفر من طهران إلى قم لنسأل: (ماذا سوف نفعل في النهاية مع هؤلاء الجواسيس؟ هل يجب أن يبقوا أم يجب ألا ندعهم يبقون هنا، لاسيما وأن هناك لغطا كبيرا في الحكومة المؤقتة حول ما يجب أن نفعله معهم؟). وعندما وصلنا إلى حضرة الإمام، وشرح أصدقاؤنا الموقف، ونقلوا ما تقوله محطات الإذاعة (الأجنبية) وما تقوله أميركا وما يقوله مسؤولو الحكومة، فكر ثم أجاب في صيغة سؤال: (هل تخافون من أميركا؟) فقلنا: (لا)، فقال: (إذن اتركوهم يبقون)».

[inset_left]

*عين الخميني خامنئي عضوا في مجلس الثورة الإسلامية، وقبل أن يصبح رئيسا للجمهورية في عام 1981، عمل نائبا لوزير الدفاع، والقائم بأعمال رئيس الحرس الثوري الإسلامي، وممثل الخميني في مجلس الدفاع الأعلى.[/inset_left]

طوال فترته كمرشد أعلى، دائما ما يدافع خامنئي عن الاستيلاء على السفارة. ويدفع بأنه أحيانا ما تحتفظ الأنظمة الثورية بعلاقاتها مع القوى الاستعمارية السابقة وتعاني نتيجة لذلك. وفي الحالة الإيرانية، ساعد الاستيلاء على السفارة على جعل ذلك مستحيلا، وقد أشار في خطاب له عام 1993 إلى ذلك قائلا: «قطعت قضية وكر الجواسيس (وهو المصطلح الذي يستخدمه الثوار للإشارة إلى السفارة الأميركية) آخر خيط يمكن أن يصل بين الثورة وأميركا». وأضاف أن احتلال السفارة «كان خدمة عظيمة وجليلة لصالح ثورتنا».

ممثل الخميني في مجلس الدفاع الأعلى

عين الخميني خامنئي عضوا في مجلس الثورة الإسلامية، وقبل أن يصبح رئيسا للجمهورية في عام 1981، عمل نائبا لوزير الدفاع، والقائم بأعمال رئيس الحرس الثوري الإسلامي، وممثل الخميني في مجلس الدفاع الأعلى. وضعه عمله في القضايا الأمنية في مواجهة السياسة الواقعية الباردة التي انتهجتها واشنطن. وفي أغسطس (آب) عام 1980، شن صدام حسين هجوما عسكريا على إيران في محاولة للاستفادة من الفوضى الموجودة مع النظام الجديد. كانت إيران تعاني آثار سقوط الشاه واستمرار أزمة الرهائن، ورفضت الولايات المتحدة انتقاد أفعال العراق، ثم قدمت له الحماية من العقاب في الأمم المتحدة وبعد ذلك دعمت بالفعل الحرب العراقية ضد إيران. وفي نهاية الثمانينات، كان الجيش الأميركي يواجه إيران مباشرة من خلال مهاجمة منصات النفط الإيرانية في الخليج عام 1987، وإسقاط طائرة ركاب إيرانية في عام 1988.

رحلة خامنئي إلى الولايات المتحدة

وفي عام 1987، ذهب خامنئي في رحلته الوحيدة إلى الولايات المتحدة حتى الآن من أجل المشاركة بصفته رئيس دولة إيران في جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة. وفي خطابه، تحدث عن العلاقة بين إيران والولايات المتحدة:

«إن تاريخ أمتنا يحتوي على فصل أسود ومرير ودموي، يمتزج بكراهية وازدراء تجاه النظام الأميركي.. الذي يتحمل اللوم بسبب دعمه الذي استمر 25 عاما لدكتاتورية بهلوي، وجميع الجرائم التي ارتكبها ضد شعبنا. إن سلب ثروة البلاد بمساعدة الشاه، والمواجهة المكثفة مع الثورة خلال الشهور الأخيرة من نظام الشاه، وتشجيعها له على سحق مظاهرات ملايين من الأشخاص، وتخريبها للثورة عبر وسائل عديدة في الأعوام الأولى من انتصارها، واتصالات السفارة الأميركية في طهران المستفزة مع عناصر مناهضة للثورة خارج البلاد، ومحاصرة النقود والممتلكات الإيرانية ورفض نقل البضائع التي تلقوا مقابلها أو الأرصدة التي أخذها الشاه من الثروة الوطنية وأودعها باسمه في البنوك الأميركية، ومحاولة فرض حظر اقتصادي وتكوين جبهة غربية موحدة ضد بلادنا، والدعم العلني المؤثر للعراق في حربه ضدنا، وأخيرا غزو الخليج مثل قطاع الطرق بما يشكل تهديدا خطيرا للأمن والسلام في المنطقة.. هذا كله مجرد بعض مما تتهم به بلادنا النظام في الولايات المتحدة الأميركية».

وفي خطاب جماهيري في العام التالي، تحدث عما مر به أثناء إقامته في نيويورك قائلا: «جاء مسؤول رفيع المستوى في دولة أوروبية لمقابلتي وقال لي (يجب أن تحل مشكلتك مع أميركا)! اعتقدوا أنني بمجيئي إلى نيويورك ووجودي في أميركا قد يستطيعون استغلال الموقف. ولكني قلت: (مستحيل. قضية الأمم المتحدة شأن آخر. مجيئي إلى الأمم المتحدة للحديث مع شخصيات من العالم وهذا ليس له علاقة بأميركا. قضية أميركا لها شأن آخر)».

من الخميني إلى خامنئي

منذ أن أصبح المرشد الأعلى لإيران في عام 1989، أصبحت آراء خامنئي حيال سياسة الولايات المتحدة الأميركية أكثر حدة. وفي الوقت الحالي، موقفه واضح وبسيط: ترغب الحكومات الغربية، بقيادة واشنطن، في الإطاحة بالجمهورية الإسلامية وتدمير الثورة الإسلامية، تمامًا مثلما حدث مع الاتحاد السوفياتي.

وفي اجتماعه مع مسؤولين من الحكومة الإيرانية عام 2000، صرح خامنئي قائلاً: «لقد تم وضع خطة أميركية شاملة لتدمير النظام الجمهوري الإسلامي، حيث جرت تهيئة كافة جوانبها. تمت إعادة بناء تلك الخطة منذ انهيار الاتحاد السوفياتي.. وأعادوا وضع الخطة، في مخيلاتهم، لتدمير السوفيات وفقا للظروف التي تشهدها إيران». وأشار خامنئي إلى أنه كانت هناك عوامل داخلية مسؤولة عن انهيار الاتحاد السوفياتي، بما في ذلك الفقر والقمع والفساد والعرقية والاضطرابات القومية. وذكر خامنئي أن الأميركيين استفادوا من تلك الظروف لدفع الدولة السوفياتية نحو الانهيار – من ناحية من خلال استغلال وسائل الإعلام وتنظيمهم (لغزو ثقافي)، ومن ناحية أخرى قاموا باستخدام الضغوط السياسية والاقتصادية. وعلى الرغم من ذلك، فإن مثل تلك الجهود لن تجدي نفعا داخل إيران، حيث يرى خامنئي أن ذلك يرجع إلى أن الجمهورية الإسلامية ليست مثل الاتحاد السوفياتي – وليس أقلها أنه على عكس الشيوعية، لا يعد الإسلام آيديولوجيا جرى تبنيها حديثا من قبل أي حزب حاكم عقب الانتصار في حرب أهلية. علاوة على ذلك، تملك إيران تاريخا طويلا في وجودها كدولة موحدة. فلم تترابط عناصرها المكونة معا من خلال التوسع الإمبريالي وحروب الغزو على مدار القرون الأخيرة، كما كان الحال مع الإمبراطورية الروسية التي ورثها النظام السوفياتي. وأشار أيضًا إلى أن الجمهورية الإسلامية نتاج لثورة شعبية وتتمتع بالشرعية الدينية.

خامنئي يقبل يد مرشد الثورة روح الله خوميني

خامنئي يقبل يد مرشد الثورة روح الله خوميني

يعتقد خامنئي أن هناك العديد من التدابير التي بإمكانها ضمان أن الجمهورية الإسلامية لن تلق المصير ذاته الذي حل بالاتحاد السوفياتي. أولا، ينبغي تحديد المتمردين السياسيين المحتملين – النسخ الإيرانية المحلية من بوريس يلتسن – ومعرفتهم. ثانيا، ينبغي الإعلان بوضوح عن خطط إصلاح منطقية، وبالتالي لن يكون من الممكن إساءة فهمها أو تحريفها. ووفقًا لوصفه، فإن التدابير الإصلاحية ينبغي أن «يقودها مركز قوي وصارم، بحيث لا تخرج عن السيطرة». ثالثًا، لا ينبغي السماح لوسائل الإعلام بعرقلة عمل الحكومة. ورابعًا، ينبغي منع أية تدخلات من قبل أي قوى خارجية، مثل الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل.

يعتقد خامنئي أيضًا أن الولايات المتحدة الأميركية، والغرب بصورة عامة، وإسرائيل لديهم رغبة في استخدام الانتخابات الخاصة بالعديد من المراكز الإيرانية (مثل مجالس المدن والهيئة التشريعية والهيئة القضائية ومجلس الخبراء الإيراني) لخلق موقف من «السيادة المزدوجة» من خلال «حلفائها بالداخل». ووفقا لما يراه خامنئي، فإن الهدف الكامن وراء ذلك هو خلق حالة انقسام بين المرشد الأعلى والمسؤولين الحكوميين المنتخبين. ومثلما فعل البريطانيون، الذين خضعوا لحاكم ذي سلطة مطلقة في الماضي، إنهم حولوا الملكية إلى مجرد منصب شرفي، وبالتالي فإن أعداء إيران، وفقا لما يراه خامنئي، يرغبون في تحويل الحكم المطلق للفقيه أو «ولاية الفقيه» إلى حكم هش لا فائدة منه.

مفهوم السيادة المزدوجة

استخدم سعيد حجاريان، كبير الاستراتيجيين الإصلاحيين الإيرانيين، مفهوم السيادة المزدوجة كأداة تحليلية لوصف التغيير في موازين القوى في إيران عقب فوز محمد خاتمي في الانتخابات الرئاسية التي جرت في مايو عام 1997.

وردا على ذلك، حاول الموالون لخامنئي اغتيال حجاريان في مارس 1999. لكنه نجا من محاولة الاغتيال، إلا أنه أصيب بالشلل منذ ذلك الحين. وذكر خامنئي مفهوم السيادة المزدوجة بوصفها فكرة هدامة في خطاب جماهيري ألقاه في عام 2004، نظرا لأن إدارة خاتمي ضعفت خلال السنة النهائية لها في السلطة: «سمعتم شعار (السيادة المزدوجة)! وقد كرر عدد من الناس غير العقلانيين هذه الكلمات داخل البلاد.. السيادة المزدوجة غير مرغوب فيها إنها مدمرة وسم قاتل! وهذا ما يريده (أعداء إيران)».

بعد الانتخابات الرئاسية الإيرانية التي أجريت في يونيو عام 2009، تدفق مئات الآلاف من الناس إلى شوارع طهران ونظموا مظاهرات سلمية ضد نتائج الانتخابات التي تم التلاعب فيها. ومع انتشار المظاهرات، شبه خامنئي، في خطبة صلاة الجمعة، الاحتجاجات «بالثورات الملونة»، وخصوصا تلك التي وقعت في جورجيا، والتي ادعى أن الأميركان والبريطانيين هم من أطلقوها. وأكد خامنئي أنه خلال الأسابيع السابقة، أصبحت خطابات رجال الدولة الأميركيين والأوروبيين أشد حدة، وبعد احتجاجات طهران، خلعوا «أقنعتهم»، وكشفوا عن «ملامحهم الحقيقية».

في خطاب شعبي ألقاه في شهر يونيو عام 2011، وصف خامنئي المظاهرات، التي عرفت باسم الحركة الخضراء، بأنها استمرار لسياسة تغيير النظام التي تنتهجها الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها وقارن بينها وبين الثورة الحقيقية، مثل تلك التي أدت إلى تأسيس الجمهورية الإسلامية: «إن الثورة التي لا تستطيع الدفاع عن نفسها في عصر الفتنة، ضد مختلف المحاولات الانقلابية السياسية أو العسكرية وغيرها من أعمال من هذا القبيل، لا حياة لها. هذه الثورة على قيد الحياة، لأنها تدافع عن ذاتها وتسود وتنتصر. هذا مؤكد، كما رأيتم ما حدث (في أعقاب الاحتجاجات) في عام 2009».

[inset_right]

* لا ينكر خامنئي التقدم الكبير الذي شهده الغرب على مدار القرن الماضي. واعرب عن إعجابه ببعض الجوانب التي تتسم بها المجتمعات الغربية.[/inset_right]

الفكرة الرئيسة المتكررة التي يتناولها خامنئي هي وجود تهديدات خارجية مستمرة للجمهورية الإسلامية وقدرة النظام على التصدي لها. يقول خامنئي إن الولايات المتحدة والكتلة الغربية يريدان الإطاحة بالنظام في إيران وقاما بمحاولات متنوعة لتحقيق ذلك، بما في ذلك الغزو العسكري العراقي عام 1980، واستغلال الخلافات العرقية، وفرض العقوبات الاقتصادية. وكما قال في خطاب جماهيري آخر ألقاه في أغسطس عام 2010: «إنهم يريدون أن يسقطوا الثورة. هذه العقوبات الاقتصادية هي إحدى الوسائل التي يستخدمونها. يقولون إن (العقوبات) لا تستهدف الشعب الإيراني، لكنهم يكذبون! المقصود من العقوبات هو تعطيل أحوال الشعب الإيراني. فرضت العقوبات لإنهاك الشعب الإيراني وجعله يقول (نحن تحت ضغط من العقوبات بسبب سياسات الجمهورية الإسلامية). إنهم يريدون قطع العلاقات بين الشعب والنظام الجمهوري الإسلامي. وهذا هو الهدف الحقيقي من العقوبات. ويمارسون ضغوطا اقتصادية من خلال العقوبات».

يدعي خامنئي مرارا وتكرارا أن المبررات المعلنة لسياسات الولايات المتحدة تهدف إلى إخفاء دوافع أكثر شرا. وقال في خطاب جماهيري آخر في أغسطس عام 2011: «على الرغم من أن حجة العقوبات هي قضية الطاقة النووية، فإنهم يكذبون.. ربما تذكرون أن العقوبات الأولى ضد هذا البلد صدرت في وقت لم تكن فيه القضية النووية موجودة على الإطلاق .. وبالتالي، هدف العدو هو إسقاط الجمهورية الإسلامية».

يبني خامنئي هذه الحجج إلي حد ما بناء على يراه من محاولتين فاشلتين من إيران للوصول إلى تسوية مع الولايات المتحدة. كانت المحاولة الأولى خلال فترة رئاسة خاتمي، عندما علقت الحكومة تخصيب اليورانيوم لمدة عامين كإجراء لبناء الثقة. ويعتقد خامنئي أن الحكومات الغربية لم تكن مهتمة ببناء الثقة، لكن كانت مهتمة فقط بوقف دائم للتخصيب. لم تحقق مدة التعليق التي استغرقت عامين إنجازات لإيران – لم ترفع العقوبات، ولم يتم الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة في الولايات المتحدة، ولا أي مكافأة أخرى.

في خطاب ألقاه في يناير (كانون الثاني) عام 2008، قال خامنئي:

«اليوم، لكل من يأتي إلينا ويقول: (سيدي، قوموا بوقف مؤقت)، نقول: (لقد كان لدينا بالفعل إيقاف مؤقت، لمدة سنتين!). كان لدينا وقف مؤقت لمدة عامين. كيف استفدنا من هذا الوقف؟ وتصورنا، من جانبنا، أنه كان مؤقتا وأنه كان اختياريا. وعندما تحدثنا عن استكمال العمل، بدأوا هذا الهوس الإعلامي والصخب السياسي قائلين: (يا للمصيبة! إيران تريد إنهاء وقف التخصيب!). وأصبح الوقف قضية مقدسة لا تملك إيران حقا في المساس بها.. وأخيرا يقولون هذا الوقف المؤقت ليس كافيا، يجب أن توقف المشروع الذري برمته. كان هذا انتكاسة لنا. قبلت (حكومة خاتمي) التراجع. ولكن كان لهذا التراجع أثر إيجابي بالنسبة لنا. تعلمنا الدرس من هذه التجربة. وتعلم الرأي العام العالمي منها أيضا.. قلت إنه إذا كانت عملية إضافة مطالب جديدة سوف تستمر فسوف أتدخل. وقد فعلت؟ وقلت يجب أن نستمر في موضع هجومي (ونعود إلى عمليات التخصيب)».

وذهب خامنئي إلى تذكير مستمعيه بأنه على الرغم من رغبة خاتمي في التسوية، وكلامه الطيب مع الأميركان وتعاونه في إسقاط طالبان وفي مفاوضات بون التي جاءت بعد ذلك من أجل تنصيب حكومة موالية لأميركا في أفغانستان، فإن الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش ظل يضم إيران إلى «محور الشر» الذي تحدث عنه.

تجربة القذافي

التجربة الثانية التي استشهد بها تتعلق بقرار ليبيا في عام 2003 بالتخلي عن طموحاتها النووية، التي لم تمنع الإطاحة العنيفة بمعمر القذافي عن طريق التدخل العسكري لحلف الناتو. صرح خامنئي في خطابه السنوي بمناسبة العام الإيراني الجديد في مارس عام 2011: «في ليبيا، على الرغم من أن القذافي أظهر اتجاها معاديا للغرب أثناء أعوامه الأولى في الحكم، فإنه في الأعوام الأخيرة قدم خدمة جليلة للغرب.. جمع هذا الرجل برنامجه النووي.. وأعطاه للغربيين. وقال (خذوه بعيدا)!.. (ولكن تمت الإطاحة به)».

المقدسات

إحدى القضايا الأخرى المهمة بالنسبة لخامنئي هي الأفعال التي يعتبرها تصل إلى إهانة الإسلام. بعد الإعلان عن إمكانية حرق القرآن علي يد قس في ولاية فلوريدا عام 2010، تساءل خامنئي في أحد خطاباته الجماهيرية قائلا: «من وما الذي يقف وراء كواليس هذه الأفعال السيئة؟». في الوقت ذاته، يحاول خامنئي جاهدا أن يتجنب تصوير هذه المسألة على أنها صراع بين الإسلام والمسيحية. وقال في خطاب جماهيري في سبتمبر (أيلول) عام 2010: «إن الهدف من هذه التصرفات المثيرة للغضب (عمليات حرق القرآن) هو نقل المواجهة مع الإسلام والمسلمين إلى التيار الرئيس في المجتمعات المسيحية وإضفاء طابع ديني متعصب عليها». وأضاف: «يجب أن ندرك جميعا» أن هذا «ليس له أي علاقة بالكنائس أو المسيحية، ويجب ألا نلوم المسيحيين ورجال دينهم على الأفعال الصبيانية التي قام بها عدد قليل من رجال الدين الحمقى والمرتزقة. لن نرتكب نحن المسلمين مطلقا أعمالا مماثلة فيما يتعلق بمقدسات الأديان الأخرى. إن إشعال الصراع بين المسلمين والمسيحيين على المستوى العام هو ما يريده الأعداء والمتآمرون من هذه العروض المجنونة، ويعلمنا القرآن أن نتخذ الموقف المعاكس».

تراجع الغرب

لا ينكر خامنئي التقدم الكبير الذي شهده الغرب على مدار القرن الماضي. فكما صرح في أحد خطاباته في شهر يونيو عام 2004، «بالولايات المتحدة الأميركية، تستطيع أن تلحظ ذروة نهضة الحضارة المادية من ناحية العلم والثروة والسلطة العسكرية، والجهود السياسية والدبلوماسية. فالولايات المتحدة الأميركية تتمتع بثروة أسطورية وقوة عسكرية هائلة، علاوة على الحراك السياسي الاستثنائي». يتقبل خامنئي العلم والتكنولوجيا اللذين يتمتع بهما الغرب، فيما أنه يرثي حقيقة أن الأنظمة الاستبدادية التي تعاني منها إيران ودول أخرى بالعالم النامي هي المسؤولة عن التخلف السائد في هذه البلدان. ويصرح خامنئي عن إعجابه ببعض الجوانب التي تتسم بها المجتمعات الغربية. ومن خلال لقائه مع الشباب والعاملين بالشؤون الثقافية في مدينة رشت التي تقع على ساحل بحر قزوين خلال عام 2001، على سبيل المثال، أشار خامنئي إلى أن «هناك صفة جيدة يتسم بها الشعب الأوروبي وهي استعداده لتحمل المخاطر. ذلك هو المصدر الرئيس لنجاحه.. أما الصفة الثانية التي يتسم بها هؤلاء فهي المثابرة ومواصلة العمل الشاق.. إن أعظم المخترعين الغربيين والعلماء الموهوبين هم هؤلاء الذين ظلوا يعيشون حياةً قاسيةً للعديد من السنوات في محاولة منهم لاكتشاف شيء ما. فعندما يقرأ المرء السير الذاتية الخاصة بهم، فإنه يُدرك مدى قسوة الحياة التي عاشوها.. تلك هي الأجزاء الجيدة من الثقافة الغربية».

علي خامنئي باللباس العسكري علي خامنئي باللباس العسكري

علي خامنئي باللباس العسكري

وخلال إحدى المناقشات التي أجراها خامنئي مع شباب إيراني في شهر فبراير (شباط) عام 1999، بمناسبة ذكرى الثورة، ذكر أن «الثقافة الغربية تمزج بين أمور جيدة وأخرى سيئة. لا يُمكن أن يقول أحد إن الثقافة الغربية هي ثقافة سيئة تمامًا. لا، فتمامًا مثل أي ثقافة أخرى، من المؤكد أنها تتسم بمظاهر جيدة.. فأية أمة حكيمة ومجموعة من العقلاء سوف يأخذون ما هو جيد، ويضيفونه إلى ثقافتهم، وبذلك، فإنهم يعملون على إثراء ثقافتهم، فيما يرفضون ما هو سيئ». يعتقد خامنئي أن الحضارة الإسلامية هي الأعلى، على الرغم من ذلك، لأن الحضارة الغربية تتسم بالمادية المفرطة. وأضاف خامنئي خلال اجتماع عقده مؤخرًا مع شباب كرس نفسه لقضية التنمية الاقتصادية والاجتماعية قائلاً إن «الغرب لا ينظر سوى إلى بُعد واحد فقط، وسمة واحدة فقط، وهي الصفة المادية. فالنظرة الغربية تهتم بالتقدم أولاً وأخيرًا، حيث يشمل ذلك التقدم الثروة والعلم والشؤون العسكرية والتكنولوجيا.. ولكن وفقًا للمنطق الإسلامي، فإن التقدم له أبعاد أخرى: التقدم في كل من العلم والعدالة والصالح العام والاقتصاد والهيبة والمكانة على المستوى الدولي، والاستقلال السياسي والصلاة والتقرب من الله تعالى. بعبارة أخرى، يتسم التقدم بسمة روحية، وجانب قدسي».

لا يُعد خامنئي أحد أنصار الديمقراطية الليبرالية. فهو يفترض أن الشرعية المفترضة للديمقراطية الليبرالية القائمة على الأغلبية يتم إفسادها من خلال الحقيقة القائلة بأن الحكومات في الغرب لم تتلق بالفعل سوى أصوات خاصة بجزء صغير من مجموع الناخبين المحتملين. علاوة على ذلك، فإنه يدعي أن الحكومات الديمقراطية الليبرالية، مثل الولايات المتحدة الأميركية، قد انتهكت مرارًا وتكرارًا مبادئها عن طريق دعم الحكومات الاستبدادية في بلدان أخرى، كما عملت أيضًا على الإطاحة بأنظمة ديمقراطية (مثلما حدث في انقلاب عام 1953 في إيران). فهو يرى أن الحكومات الديمقراطية الليبرالية مهتمة بحكم العالم بأسره، حيث تدفع العولمة باعتبارها طريقا نحو الأمركة، وتغزو بلدانا أخرى وقتما تشاء (مثلما حدث بأفغانستان والعراق).

[blockquote]يعتقد خامنئي أن الجمهورية الإسلامية تتميز بهيئتها الديمقراطية ذات الأسس الدينية. ووفقًا لما صرح به في خطاب ألقاه في ذكرى وفاة الخميني في يونيو لعام 2005، فإن «أسس الديمقراطية الدينية تختلف عن تلك الديمقراطية الغربية. فالديمقراطية الدينية، التي هي الأساس التي قمنا بالتصويت من أجلها والتي تنشأ من الحقوق والواجبات المقدسة للإنسان، ليست مجرد عقد. فجميع البشر لديهم الحق في التصويت والحق في تقرير المصير. ذلك هو ما يضفي معنى للانتخابات في الجمهورية الإسلامية. (ما لدينا هنا) هو أكثر تقدما وذو مغزى عميق مقارنة بما هو متاح اليوم بالنسبة للديمقراطية الليبرالية الغربية».[/blockquote]

ومن الناحية العملية، يعتقد خامنئي أن الديمقراطية الليبرالية لا تمنح الحرية بل تنتج الهيمنة والعدوان والإمبريالية، وذلك ما يجعلها أمرًا غير مقبول. وخلال اجتماعه مع أعضاء من ميليشيات الباسيج في شمال غربي إيران في أكتوبر (تشرين الأول) لعام 2011، أشار خامنئي قائلا: «نحن نؤمن بالديمقراطية، ونؤمن بالحرية أيضًا. ولكننا لا نقبل الديمقراطية الليبرالية.. نحن لا نريد استخدام ذلك الاسم للمعنى النقي والصافي والصالح والنظيف للديمقراطية التي نتبعها. فنحن نشير إلى الديمقراطية باسم الديمقراطية الإسلامية أو الجمهورية الإسلامية». وعلى الرغم من كافة انتقاداته للديمقراطية الليبرالية، فإنه لم يمنع ترجمة أعمال مؤلفين ليبراليين مثل كارل بوبر وميلتون فريدمان ورونالد دوركين وأشعيا برلين وجون رولس وريتشارد رورتي ومارثا نوسباوم وروبرت بوتنام وأمارتيا سن وغيرهم كثير إلى اللغة الفارسية أو نشرها خلال فترة ولايته.

يعتقد خامنئي أن الحكومات الغربية والرأسمالية تعاني بصورة عامة من مشاكل هيكلية غير قابلة للإصلاح، وتواجه تراجعًا حتميًا. وفي رسالة ألقاها لحجاج مكة في شهر يونيو من عام 1992، ذكر خامنئي أن النظام الرأسمالي الغربي يعاني من العديد من المشكلات. وعلى الرغم من الثروة الطائلة التي يتمتع بها ذلك النظام، فإنه غير قادر على الإطلاق على إقامة العدالة الاجتماعية. فقد أظهرت أعمال الشغب الأخيرة التي تقوم بها مجموعات من السود في أميركا أن النظام الأميركي لا يعامل دول آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية على نحو غير عادل فحسب، بل إنه يعامل شعبه أيضًا على النحو ذاته، ويرد على تلك الاحتجاجات بأساليب عنيفة وقمعية تمامًا مثلما هو الحال في تلك البلدان الأخرى. ومن الصحيح أن المعسكر الشيوعي قد انهار واختفى، ولكن منافسه، المعسكر الرأسمالي.. الذي يعاني على وجه التحديد من الغطرسة التي أثرت عليه بعد اختفاء منافسه القوي، سوف يتلاشى أيضا، عاجلاً أم آجلاً.

الأزمة الاقتصادية

وأشار خامنئي إلى أن الأزمة المالية التي بدأت في عام 2008 تُعد دليلاً داعمًا لوجهة نظره المتشائمة حول توقعاته للغرب. فقد رأى أن حركة الاحتجاجات التي تدعو إلى احتلال وول ستريت تُعد بمثابة بداية لأزمة ضخمة في الرأسمالية. وأضاف قائلا إن هؤلاء الأشخاص الذين شاركوا في تلك التجمعات والمظاهرات البالغ عددهم عدة آلاف في نيويورك قد وضعوا إعلانا كُتب عليه «نحن النسبة 99%»، مشيرًا إلى تجمع كبير من الأشخاص قد شهدته مدينة كرمانشاه في شهر أكتوبر لعام 2011. وبعبارة أخرى، فإن 99 في المائة من الشعب الأميركي - أي أغلبية الشعب الأميركي - تحكمها النسبة المهيمنة البالغة 1 في المائة فقط.. واليوم، بلغ النظام الرأسمالي طريقا مسدودا بالكامل. من المحتمل أن يستغرق الأمر العديد من السنوات كي يتم التوصل إلى حل نهائي لتلك الأزمة. ولكن أزمة الغرب قد بدأت بالفعل.

بالنسبة لخامنئي، فإن تاريخ العالم «يتجه نحو الأفضل» وسوف يبدأ «عصر جديد في العالم بأسره». فقد فقدت العقائد الماركسية والليبرالية والقومية جاذبيتها، ولكن الإسلام لا يزال يتمتع بجاذبيته. فالربيع العربي - أو «الصحوة الإسلامية»، كما يُطلق عليه - يُعد بمثابة بداية لانتفاضة في جميع أنحاء العالم ضد الولايات المتحدة الأميركية والصهيونية العالمية. وحسبما يرى خامنئي، لا تهم الحقيقة القائلة بأنه من غير المحتمل أن تؤدي الحسابات المادية الروتينية إلى هذه النتيجة، وذلك لأن العناية الإلهية سوف تتولاها. فهو يرى أن بقاء الجمهورية الإسلامية في مواجهة معارضة دولية استمرت لمدة تزيد على ثلاثة عقود تُعد دليلاً على ذلك الدعم السماوي ويعول على ذلك في استمرارها مستقبلا. ويعتقد خامنئي أن التحول التاريخي الذي يتوقعه سوف يؤدي إلى انتصار القيم الروحية والإلهية في العالم. وعلى عكس ما يذكره ماكس فيبر حول أن العلم الحديث قد حرر العالم من الأوهام وعالم السلطة، فإن خامنئي لا يزال يعتمد على مفاهيم سرية وكائنات إلهية خلال تناوله للسياسة. فهو يُعيد نشر الأوهام بالعالم.

الحديث عن المباحثات

في شهر أغسطس لعام 1989، أي بعد مرور شهرين على انتخابه مرشدًا أعلى، صرح خامنئي للولايات المتحدة بأنه لم يجر أي شخص في الجمهورية الإسلامية أية مفاوضات في وقت مضى مع الولايات المتحدة الأميركية مطلقًا، ولن يتم ذلك.. وما دامت السياسة الأميركية تقوم على الأكاذيب والخداع والنفاق وتدعم الأنظمة الفاسدة مثل إسرائيل، وتديم حالة الظلم ضد الشعوب الضعيفة والفقيرة، وما دامت الجرائم والتجاوزات التي يرتكبها الحكام الأميركيون، مثل إسقاط طائرة الركاب واحتجاز الملكية الإيرانية، لا تزال حاضرة في ذاكرة أمتنا، فليس هناك أية احتمالية لدينا لعقد مفاوضات مع الحكومة الأميركية أو إقامة علاقات دبلوماسية معها. فنحن نرفض تمامًا إقامة أية علاقات بيننا وبينهم.

علي خامنئي يصافح رهينة امريكي في السفارة الامريكية بطهران(فورن افيرز)

علي خامنئي يصافح رهينة امريكي في السفارة الامريكية بطهران(فورن افيرز)

وفي العام التالي، خلال لقائه مع مجموعة من الطلاب في ذكرى الاستيلاء على السفارة، أشار خامنئي إلى أن:

«هؤلاء الذين يعتقدون أنه يتوجب علينا إجراء مفاوضات مع.. الولايات المتحدة الأميركية إما أنهم بلهاء وإما جبناء.. ماذا تعني تلك المفاوضات؟ هل سيتم حل كافة المشكلات في حالة الذهاب والجلوس مع القادة الأميركيين للتحدث والتفاوض فقط؟ هذه ليست القضية. إن إجراء المفاوضات مع الولايات المتحدة يعني إقامة تجارة معها. والتجارة مع الولايات المتحدة الأميركية تعني أنك تأخذ شيئا مقابل شيء آخر. ما الذي سوف تقدمه للولايات المتحدة من الثورة الإسلامية، وما الذي سوف تحصل عليه في المقابل؟ هل تعلم ما ترغب الولايات المتحدة في الحصول عليه؟ إن الولايات المتحدة لا تشعر بالضيق حيال الأمة الإيرانية سوى لأنها أمة مسلمة، ثابتة في اتباعها لتعاليم الإسلام النقي الذي جاء به النبي محمد (صلى الله عليه وسلم). فهي لا ترغب في اتباعنا للإسلام. ولا ترغب في كوننا فخورين به. هل أنت على استعداد لذلك؟».

وبعد مرور سبعة عشر عامًا، تناول خامنئي الموضوع ذاته خلال اجتماعه مع طلاب بوسط مدينة يزد خلال شهر ديسمبر (كانون الأول) لعام 2007، ليذكر أن:

«إحدى سياساتنا الأساسية تتمثل في قطع العلاقات مع الولايات المتحدة. ولكننا لم نقل يومًا إننا سوف نقطع هذه العلاقات إلى الأبد. لا، ليس هناك أية أسباب لقطع العلاقات مع أية دولة إلى الأبد.. (ولكن) العلاقات مع الولايات المتحدة تمثل ضررًا بالنسبة لنا. أولاً، إقامة علاقات مع الولايات المتحدة لن يقلل من الخطر الذي تمثله علينا. فقد قامت الولايات المتحدة بغزو العراق في حين أنه كانت لديها علاقات دبلوماسية معها.. ثانيًا، وجود علاقات مع الأميركيين يعد طريقة بالنسبة لهم لزيادة نفوذهم داخل طبقات معينة.. داخل إيران.. فهم بحاجة لإنشاء قاعدة ليست لديهم في الوقت الحالي. ذلك هو ما يريدون الحصول عليه. فهم يرغبون في تمكين ضباط المخابرات لديهم من السفر إلى إيران دون أية قيود.. فبعض الأشخاص يفتخر بالضرر الناتج عن غياب العلاقات (الدبلوماسية) بين البلدين. لا، يا سادة! إن عدم وجود أية علاقات مع الولايات المتحدة يُعد أمرًا جيدًا بالنسبة لنا. فعندما يأتي ذلك اليوم الذي تصبح فيه العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية مفيدة بالنسبة لنا، سوف أكون أول شخص ينادي بضرورة إقامة علاقات معها».

[inset_left]* منذ أن أصبح المرشد الأعلى لإيران، أصبحت آراء خامنئي حيال سياسة الولايات المتحدة الأميركية أكثر حدة. [/inset_left]

وفي شهر أغسطس لعام 2010، خلال لقائه مع مسؤولين حكوميين رفيعي المستوى في ظل ولاية الرئيس محمود أحمدي نجاد، قدم خامنئي تفسيره لعبارة «حالتان من المفاوضات مع الولايات المتحدة الأميركية مؤخرًا، إحداهما كانت تتعلق بالقضايا العراقية». وكان ذلك حينما صرح أحمدي نجاد بأنه على استعداد لإجراء مفاوضات مع الولايات المتحدة. ووصف خامنئي فهمه لأسلوب التفاوض مع الولايات المتحدة كما يلي:

«عندما لا تكون لدى الأميركيين حجج قوية، وعندما لا يكون بإمكانهم تقديم حجة مقبولة ومنطقية، فإنهم يلجأون إلى أسلوب الضغط. وحيث إن أسلوب الضغط ذلك ليس له أي تأثير على الجمهورية الإسلامية، فإنهم سوف يعلنون نهاية المفاوضات من جانب واحد! حسنًا، ما هو نوع تلك المفاوضات؟ وتلك هي تجربتنا في كلتا الحالتين. لذلك، عندما يقول الأشخاص مثل السيد الرئيس (أحمدي نجاد) إننا على استعداد للتفاوض، فحينها سوف أقول نعم، نحن مستعدون للتفاوض، ولكن ليس مع الولايات المتحدة. والسبب هو أن الولايات المتحدة لا تشارك في المفاوضات بصدق، مثل أي مفاوض عادي؛ بل إنها تشارك في المفاوضات باعتبارها قوة عظمى.. دعهم يضعون التهديدات والعقوبات جانبًا، ودعهم يستمرون في عدم إصرارهم على أن المفاوضات ينبغي أن تنتهي إلى نتيجة محددة. (ومن ثم، فحينها قد يكون هناك مفاوضات)».

وخلال شهر فبراير (شباط) لعام 2013، صرح جوزيف بايدن نائب الرئيس الأميركي، خلال حضوره أحد المؤتمرات الأمنية بميونيخ، بأن الولايات المتحدة الأميركية قد فرضت «أقسى العقوبات في التاريخ» على إيران، وذلك ضمن جهودها الرامية إلى منع إيران من امتلاك أسلحة نووية، وأن قادة إيران يعاقبون شعبهم من خلال الحرمان الاقتصادي والعزلة الدولية. وأشار بايدن إلى أن الخيار الدبلوماسي لا يزال متاحًا، ولكن لن تكون هناك محادثات مباشرة إلا «عندما تكون القيادة الإيرانية، والقائد الأعلى، جادين في الأمر».

ورد خامنئي سريعًا وعلى نحو مباشر. ففي كلمته أمام قادة سلاح الجو الإيراني، صرح خامنئي بأنه منذ انتخاب الرئيس الأميركي باراك أوباما في عام 2008، كان قد أعلن أن القيادة الإيرانية سوف تنظر إلى سلوك الحكومة الجديدة بنظرة غير متحيزة، ومن ثم سوف تتخذ قرارها. ولكن ماذا كانت نتائج الفترة الأولى من ولاية أوباما؟ دعمت واشنطن «التمرد الداخلي» (الحركة الخضراء)؛ وفرضت عقوبات معوقة، على حد زعمه، حيث ذكرت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون أن تلك العقوبات كانت تهدف إلى إشعال انتفاضة شعبية ضد الجمهورية الإسلامية؛ بل وغضت الطرف عن عمليات الاغتيال التي نفذتها إسرائيل ضد علماء إيرانيين متخصصين في مجال الطاقة النووية، بل ومن المحتمل أنها قد دعمتهم أيضًا، فيما دعمت الإرهابيين ذاتهم بسوريا الذين تمت الإطاحة بهم بأفغانستان في عام 2001. ومن ثم، تناول دعوة بايدن لاجراء محادثات قائلاً:

«من هؤلاء الذين تريدون إعاقتهم (بتلك العقوبات)؟ هل أردتم أن تصيبوا الشعب الإيراني بحالة من الشلل؟ هل يوجد أية نية حسنة في ذلك؟ أنا لست دبلوماسيا. إنني شخص ثوري وأتحدث بطريقة واضحة وصريحة.. يقول الدبلوماسيون شيئا ما، ويعنون به شيئًا آخر. نحن نتحدث على نحو صادق وواضح.. تكون المفاوضات ذات فائدة عندما يظهر الجانب الآخر حسن نيته. وعندما لا يظهر الجانب الآخر أية نوايا حسنة، وعندما تقولون بأنفسكم أنكم ترغبون في الضغط والتفاوض، فإن هذين الأمرين لا يتوافقان معًا. أنتم تريدون أن تشهروا البنادق في وجه الشعب الإيراني وتقولون: (إما التفاوض أو إطلاق النار).. عليكم معرفة أن الشعب الإيراني لن يهابكم نتيجة لمثل تلك الأفعال».

وزعم خامنئي أن الجمهورية الإسلامية كانت على استعداد لخوض مفاوضات مباشرة مع واشنطن، ولكن كان هناك العديد من الشروط المسبقة الضرورية. فهو يريد أن تتخلى الولايات المتحدة الأميركية عما يراه خامنئي بأنها محاولات تجريها الولايات المتحدة الأميركية لإسقاط الجمهورية الإسلامية، والانضمام إلى المفاوضات في ظل تحليها بروح من الاحترام والمساواة المتبادلين، بالإضافة إلى تخليها عن مجهوداتها الفورية للضغط على إيران، مثل التهديدات العسكرية والعقوبات الاقتصادية. وفيما يتعلق بتلك الأمور، على عكس ما صرح به بايدن بميونيخ، فإن الكرة في الوقت الحالي تأتي في ملعب واشنطن، وليس طهران.

البرنامج النووي

ويرفض خامنئي فكرة تمركز الخلافات بين إيران والولايات المتحدة الأميركية حول البرنامج النووي. وخلال حضوره لاجتماع علني مع وفد من العلماء وأسر الشهداء من منطقة أذربيجان الإيرانية خلال شهر فبراير الماضي، ذكر خامنئي قائلا: «إذا أردنا تصنيع أسلحة نووية، كيف ستمنعوننا من ذلك؟ إذا كانت إيران مصرة على امتلاك أسلحة نووية، فلن تستطيع الولايات المتحدة منعها بأي شكل من الأشكال. نحن لا نرغب في تصنيع أسلحة نووية. ليس لأن أميركا مستاءة حيال ذلك، ولكن الأمر يتعلق بمعتقداتنا الخاصة. فنحن نعتقد أن الأسلحة النووية تمثل جريمة ضد الإنسانية ويجب أن لا يتم تصنيعها، كما يجب القضاء على تلك الأسلحة النووية الموجودة بالفعل في العالم بأسره. ذلك هو اعتقادنا. فهو لا يتعلق بالولايات المتحدة على الإطلاق. إذا لم يكن لدينا هذا الاعتقاد، وقررنا حينها تصنيع أسلحة نووية، فلم تكن لتتمكن أية قوة من منعنا، تماما مثلما أنها لم تكن قادرة على منع ذلك في بلدان أخرى - فهي لم تتمكن من منع تصنيع الأسلحة النووية في الهند وباكستان وكوريا الشمالية».

وحسبما يراه خامنئي، «فإن المحرك الرئيس لنجاح المفاوضات هو تغيير واشنطن من موقفها وشعورها بالتخويل. ويتعين على الأميركيين التأكيد على حسن نواياهم وإظهار أنهم ليسوا مهتمين باتباع أسلوب الضغط. وإذا ثبت ذلك، فحينها سوف يرون أن الأمة الإيرانية سوف ترد بالمثل. دعهم دون إثارة أية مشاكل، وعدم تدخلهم وعدم فرضهم أية ضغوط، دعهم حتى يعترفوا بحقوق الشعب الإيراني. وحينها، فإنهم سوف يتلقون ردا متناسبا من إيران».

خطاب مشهد السنوي

وفي كل عام، يلقي خامنئي خطابه الأكثر أهمية بمدينة مشهد الإيرانية في اليوم الأول من فصل الربيع، بداية السنة الايرانية الجديدة. وعلى الرغم من ذلك، فقد كان الخطاب الذي ألقاه في العام الحالي لافتًا للأنظار، حيث من الواضح أن خامنئي قد خفف من حدة موقفه حيال المحادثات. وللمرة الأولى، حتى في الوقت الذي أعرب فيه عن تراجع تفاؤله حيال المفاوضات المباشرة مع الولايات المتحدة، صرح خامنئي قائلاً : «ولكني لا أعترض عليها». وأثناء إشارته إلى أنه على ما يبدو أن واشنطن ليس لديها أية رغبة في إكمال المفاوضات النووية والتوصل إلى حل لهذه المشكلة، ذكر خامنئي على الرغم من ذلك أن حل ذلك النزاع «قريب للغاية وبسيط أيضا». وأشار إلى أن المطلب الوحيد لإيران هو الاعتراف بحقوقها في تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية، حيث يُعد ذلك أمرًا «بسيطا للغاية» من شأنه إزالة مخاوف الأجانب. «فبإمكانهم تنفيذ اللوائح القانونية التي تضعها الوكالة النووية؛ منذ البداية، ونحن، من جانبنا، ليس لدينا أية اعتراضات على تنفيذ تلك اللوائح والإشراف عليها».

وما هو جدير بالملاحظة حول النهج الذي يسلكه القائد الأعلى خلال تلك العقود الثلاثة الماضية العاصفة هو ذلك التغيير الذي طرأ على طريقة خطاباته. فقد ابتعد عن المفاهيم الآيديولوجية المطلقة الخاصة «بالغرب» و«الغطرسة العالمية» والولايات المتحدة الأميركية باعتبارها طرفا آخر متجانسا تماما، واتجه نحو تقبل تصور أكثر دقة حول الغرب كحقيقة اجتماعية معقدة - وباعتباره مجتمعا لا يتسم فقط بأنه محرك أصيل للمنافسة في سوق لا ترحم، ومحرك للاستغلال الرأسمالي والتوسع في السياسة الخارجية، ولكن أيضًا محرك للمنتجات الفنية الحيوية والأدب والعلوم والتكنولوجيا، علاوة على اتسامه بتناول المخاطر والابتكارات المؤسسية والتنوع الديني والروحي. وقد اختفى ذلك الخطاب الذي يصور الولايات المتحدة الأميركية باعتبارها عدوا مطلقا، بحيث يكون من السخف والسذاجة حتى التفكير في التفاوض معها، ليتجه الخطاب نحو تصوير الولايات المتحدة الأميركية باعتبارها محاورا محتملا قد يكون من الممكن مناقشة شروط مقبولة للتفاوض معها حول قضايا مثل البرنامج النووي والأمن في العراق. ويبدو بالنسبة لخامنئي أن الولايات المتحدة الأميركية قد تحولت من كونها قوة وحشية مطلقة إلى قوة ذات وجود إقليمي قوي تتبع نظاما سياسيا داخليا وتعاني من العواقب المؤلمة الناتجة عن فشل عمليتين عسكريتين أخيرتين قد شنتها الولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط.

ماذا بعد ذلك؟

وفي ظل تحكم خامنئي في السياسة الإيرانية وشكه العميق في نوايا الولايات المتحدة الأميركية تجاه الجمهورية الإسلامية، فإن تحسين العلاقات بين إيران والولايات المتحدة سيكون أمرًا صعبًا، وخاصةً في حالة ثبات سياسات الولايات المتحدة الأميركية التي تتبعها منذ زمن بعيد، مثل التصعيد المستمر للعقوبات، دون تغيير. ولكن تحسين العلاقات لا يُعد أمرا مستحيلا، وذلك لأنه من الممكن بالفعل توافق أهم المصالح الخاصة بكل من طهران وواشنطن في ذات الوقت.

ما يرغب خامنئي في معرفته هو أن واشنطن ليست عازمة على إعاقة الجمهورية الإسلامية أو الإطاحة بنظام الحكم، وما ترغب الولايات المتحدة الأميركية في معرفته هو أن المشروع النووي الإيراني يهدف إلى تحقيق أغراض سلمية، وأن إيران لن تمنع حرية الوصول إلى موارد الطاقة ولن تغلق الممرات البحرية الإقليمية، وأن إسرائيل بإمكانها أن تتمتع بالسلام والأمن داخل الحدود المعترف بها دوليا (التي - لا يزال يأمل البعض - سيتم تحديدها من خلال التوصل إلى تسوية نهائية مع الفلسطينيين). وتستطيع إيران طمأنة الحكومات الغربية بأن مشروعها النووي يهدف إلى تحقيق أغراض سلمية، وذلك من خلال اتباعها لمبدأ الشفافية والتصديق على البرنامج وتنفيذ البروتوكولات الإضافية الخاصة بالوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن تدابير منع الانتشار في مقابل ضمان حقها في تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. ومن جانبه، فبإمكان الغرب طمأنة إيران بأنها ليست عازمة على تغيير النظام من خلال اتخاذ تدابير عملية ملموسة في مقابل التزام إيران بالأمن والسلام في الخليج الفارسي والشرق الأوسط الأكبر - كما سيتعين عليها أن تفعل ذلك من أجل إحراز تقدم كبير على صعيد الملف النووي.

وعليه، فإن واشنطن ستقوم برفع العقوبات الاقتصادية عن إيران، حيث إنه مهما كانت الأهداف وراء تلك العقوبات، فإنها تلحق الضرر بالشعب الإيراني بوجه عام، وليس فقط بالمسؤولين الحكوميين في المقام الأول الذين يمثلون الهدف المزعوم من فرض تلك العقوبات. يُعد ذلك أمرًا صحيحًا في إيران تمامًا مثلما هو الحال في أية دولة أخرى، ويعني ذلك أن القوى الخارجية، وخاصة الولايات المتحدة الأميركية، تُعد هي المسؤولة في الوقت الحالي عن تفشي البطالة وارتفاع معدلات التضخم والزيادة الكبيرة في مستوى الفقر. وفي ظل هذه الظروف، سوف تنضم المزيد والمزيد من العائلات من الطبقة الوسطى إلى صفوف الفقراء، كما سوف يتزايد عدد الأطفال الذين يقعون ضحية لسوء التغذية والمرض والعنف. وسوف تصبح مشكلات الحياة اليومية بمثابة الاهتمام الرئيس للعامة، كما سيتم تهميش قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، فيما سيتم تدمير النسيج الاجتماعي الإيراني من الداخل - تماما مثلما حدث في العراق خلال التسعينات من القرن العشرين. لا يعد ذلك أمرا ينبغي على الولايات المتحدة الأميركية أن ترغب في رؤيته لأي سبب من الأسباب.

فمن جانبه، ينبغي على خامنئي أن يتقبل الحقيقة القائلة بأنه على المدى البعيد، لا يوجد سوى طريقة واحدة لجعل الجمهورية الإسلامية قوية ودائمة حقا وهي إضفاء الشرعية على نظامه السياسي من خلال الأصوات الحرة للشعب. لقد كان لدى الاتحاد السوفياتي أكبر جيش في العالم، حيث جمع الآلاف من الأسلحة النووية، ولكنه انهار في النهاية. وحتى إذا تخلت الحكومات الغربية عن أية نوايا لتغيير نظام الحكم، فلن يتم حل المشاكل الداخلية لايران على الإطلاق دون نظام يستند على الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان.

وإذا كانت إدارة أوباما جادة في سعيها إلى التوصل إلى حل للمشكلات القائمة بين طهران وواشنطن، سيكون من الجيد وضع خارطة طريق تحدد القضايا العالقة في الملف النووي الإيراني على نحو واضح، وتحدد جدولا زمنيا للتحقيق في القضايا واحدة تلو الأخرى وحلها وإغلاقها. وينبغي ربط التقدم الحادث خطوة بخطوة في الجانب النووي بذلك التقدم الحادث خطوة بخطوة في عملية رفع العقوبات عن إيران. كما يتعين على إدارة أوباما تبني نهج شامل للمنطقة وتضمين مناقشات البرنامج النووي الإيراني في إطار أوسع للأمن الإقليمي، وإشراك حلفاء واشنطن في ذلك وتقليص رغبات الحلفاء الآخرين الذين يرغبون في إفساد الأمر. ويعني ذلك التوصل إلى إجماع في الآراء حول مجموعة من القواعد الخاصة بالسياسة الإقليمية وضمان الحدود واتباع سياسة الامتناع عن تغيير أية أنظمة سياسية، والتوصل إلى نتائج حقيقية لإنهاء الأزمة التي تشهدها عملية السلام بين إسرائيل وفلسطين، والعمل نحو خلو المنطقة من أية أسلحة دمار شامل، ودعم حقوق الإنسان في جميع أنحاء الشرق الأوسط.

ومن الواضح أن ذلك أمر ليس بالهين، ولكن لا توجد أية وسيلة أخرى لتجنب الاستمرار في الصراعات القائمة في المنطقة أو حتى تصعيدها. ولم تسفر سياسات المواجهة على كافة الأصعدة على مدار العقد الماضي عن الكثير، بل أسفرت عن حالة من الجمود والبؤس. وأظهر انتخاب روحاني باعتباره الرئيس الإيراني الجديد رغبة الشعب الإيراني في وضع نهاية حاسمة لعصر أحمدي نجاد، وأنه قد أوجد فرصة لكل من إيران والمجتمع الدولي للمضي قدماً نحو المزيد من العلاقات البناءة. فتلك الفرصة إما أن يتم استغلالها أو تجاهلها.



* أكبر جانجي: صحافي إيراني منشق. تعرض للسجن في طهران من عام 2000 حتى عام 2006، وفي الوقت الحالي تمنع كتاباته في إيران.

فورن أفيرز – خاص بـ”المجلة”


اشترك في النقاش